الاثنين 20 - 26 ربيع الثاني 1439

الاثنين 20 - 26 ربيع الثاني 1439هـ /الموافق لـ 08 - 14 جانفي 2018 العدد 892




القائمة الرئيسية
الصفحة الأولى
عـلى بصــيـرة
كلمة حق
مع رئيس التحرير
سانحـة
وراء الأحداث
بالمختصر المفيد
شعاع
مقامات البصائر
نظرات مشرقة
محطات
في رحاب القرآن
في رحاب السنة
عالــم الأفكــار
اسألوا أهل الذكر
ما قل و دل
حوارات
من نشاطات الشعب
خدمات
خواطر
روضة البصائر
الحديقة الأدبية
أخبر صديقك
المواضيع
المنتديات
راسلنا
معالجات إسلامية
متابعات
مـسـاهـمـات
قـافلة الجزائر-غزة
قضــايـا وآراء
الصحة والفقه
فـكرة قديمة


البحث




من يتصفح الآن
يوجد حاليا, 111 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا


مقالات سابقة
Wednesday, May 31
· نيل المرام في تحقيق مقاصد الصيام
· ابن باديس في فيلم سينمائي
· ترامب يحصد الدولارات من السعودية ويقدم الدعم لإسرائيل!
· "ترامب" في الرياض
· يوسف زيدان..التعبان..؟ا
· صيام الاحتساب..!
· عادي!
· شبابنا والطريق البديل
· المسلمون وبناء صروح العلم والحضارة
· استقبال شهر رمضان المبارك
Tuesday, May 23
· عسر الامتحان.. على نواب البرلمان
· انتقل الحبيب اللمسي إلى رحمة الله
· الشيخ البشير الإبراهيمي: موسوعة ثقافية ومنارة علمية
· الإشاعة.. والسياسة
· ذكرى العلامـــــــــة الإبــــــــراهيمي...
· لن تسلم البلاد إلا بالقضاء على أسباب الفساد...
· الرجل ـ الكتيبة
· هكذا يكون المؤمن حقا
· غيرة عمر..ومسارعة الوحي في هواه
· آخر من يدخل إلى الجنة
Tuesday, May 16
· جمعية العلماء: عظمت وما هرمت
· مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الثالثة والثمانينذ
· إيمانويل ماكرون ينقذ فرنسا من كارثة سياسية !
· الإشاعة.. والسياسة
· ماذا وراء إدمان النساء وانتحار الأطفال...؟
· "ترامب" في فلسطين
· أزمة وعي...
· ليلة القبر الأولى
· القيمة الحضارية والشرعية للسلم الاجتماعي
· فضائــل شهــر شعبــان

مقالات قديمة


  
حوار مع المفكر المصري الدكتور بركات محمد مراد
بتاريخ 14-7-1428 هـ الموضوع: حوارات
حوارات الأستاذ الدكتور بركات محمد مراد من مواليد مصر عام 1950. حصل على الماجستير ودكتوراه الدولة في العلوم الإسلامية من كلية دار العلوم في جامعة القاهرة. يعمل أستاذا للفلسفة الإسلامية بجامعة عين شمس بالقاهرة، ورئيسا لقسم الفلسفة بالجامعة نفسها. له عدد من المؤلفات منها: تأملات في فلسفة ابن رشد، الكندي رائد الفلسفة الإسلامية، الاغتراب بين ابن باجة وأبي حيان التوحيدي، الإسلام والبيئة، ظاهرة العولمة رؤية نقدية، وفلسفة ابن باديس في الإصلاح والتجديد. وقد بدأنا الحوار مع الدكتور مراد بالحديث عن هذا الكتاب الأخير.
                                حاوره الدكتور مولود عـويمر

خصصتم كتابا كاملا لـ " فلسفة ابن باديس في الإصلاح والتجديد". ما هي أهم ملامح التجديد في المشروع الإصلاحي لهذا المصلح الكبير؟
أهم ملامح التجديد في المشروع الإصلاحي للمفكر الكبير والمصلح الاجتماعي العظيم ابن باديس، يكمن في كونه اتخذ التربية وسيلة للإصلاح الثقافي والاجتماعي والسياسي على شاكلة تلك المشاريع الإصلاحية الأوربية في عصر النهضة، حيث عالج المصلحون في أوربا خلال القرن التاسع عشر مشكلة الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي برؤية متكاملة، فذهب بعضهم إلى أن السبب في التدهور والتخلف يرجع إلي فقدان الحرية السياسية، وانعدام حق التصويت، وهم البرلمانيون، وذهبت طائفة أخرى إلي أنه يرجع إلي العوامل الاقتصادية واستغلال الإنسان للإنسان وهؤلاء هم اليساريون والماركسيون. وانتهى مفكرون من أمثال تولستوى وبركهارت إلى أن السبب في تدهور الرجل الغربي يعود إلي الفقر الروحي والخلقي وغياب الأبعاد الميتافيزيقية في التصور الإنساني واستبعادها.
ومن هنا كانت النظرة التكاملية أساسية في الإصلاح الباديسي والذي استفاد من هذا التوجه التكاملي والذي هو وليد العصر الحديث، وهو ذلك الاتجاه الذي يفسر التقدم والتخلف بأبعاد متعددة وبأسباب كثيرة متشابكة، وليس بسبب واحد فقط. فالإصلاح في نظره ينبغي أن يتناول ميادين التوجيه الأخلاقي والاقتصادي والثقافي فضلا عن السياسي، أما الانصراف إلي إصلاح حالة واحدة فإنه لا يؤدي إلي نتيجة ناجعة، بل قد يؤدي إلي الهدم والتخريب، وهذا ما حدث فعلا خلال سبعين عاما من التطبيق السوفيتي للنظرية الماركسية التي عولت على الاهتمام بالجوانب الاقتصادية والمادية وتناست أو غضت التطرف عن النواحي الروحية والخلقية، والتي تشكل في نهاية الأمر حقيقة الإنسان الجوهرية.
وقد وجد ابن باديس أن هذا الأمر يتفق مع نظرة قرآنية أصيلة، حيث أن الإنسان يمثل حقيقة كبيرة ذات أبعاد أخلاقية وروحية إضافة إلي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما عبر عنه بالدنيا والآخرة، ولذلك دعا ابن باديس إلى العودة إلي الينابيع الأولى للمسلمين والمتمثلة في تطبيق حقيقة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ولو استمرت خطة ابن باديس في الإصلاح متحققة في المجتمعات الإسلامية الحديثة، لكنا تجنبنا كثيرا من المشاكل العويصة التي نحرت في جذور المجتمعات العربية والإسلامية.
ولقد كانت خطة ابن باديس في النظرة المتكاملة للإنسان تجمع بين الإنسان الفرد والمجتمع في وحدة واحدة، ومن هنا فحياة الإنسان في نظره مبنية على أركان ثلاث: الإرادة والفكر والعمل. وهذه الثلاثة متوقفة على ثلاثة أخرى لابد للإنسان منها، فالعمل متوقف على البدن، والفكر متوقف على الفعل، والإرادة متوقفة على الخلق. فالتفكير الصحيح من العقل الصحيح، والإرادة القوية من الخلق المتين، والعمل المفيد من البدن السليم. فلهذا كان الإنسان مأمورا بالمحافظة على هذه الثلاثة: عقله وخلقه وبدنه، ودفع المضار عنها، فيثقّف عقله بالعلم، ويقّوم أخلاقه بالسلوك النبوي، ويقّوي بدنه بتنظيم الغذاء وتوقي الأذى والترويض على العمل. وكل هذا لابد أن يضاف إليه "الوازع الخلقي" أو السلطة الداخلية التي تراقب من الداخل أعمال الإنسان الخارجية، فتحكم لها أو عليها، أو هي مركز التوجيه في الإنسان يعظه ويوجهه ويقود نياته ومقاصده وأفعاله، ويضيء علاقاته بالآخرين وعلاقاته بربه.


وصفتم الأستاذ مالك بن نبي بالمفكر المتميّز والفريد، فقد قدم في نظركم
» فكرا مميّزا حيا، وعرض معالجات دقيقة وملاحظات نقدية يقظة يمكنها أن تشكل منبعا خصبا لتغذية وتنشيط التفكير الإسلامي المعاصر وإضاءة واعية ومستقبلية لما يحدث في قرننا الواحد والعشرين. » كيف نستفيد اليوم من أفكار مالك بن نبي؟
مالك بن نبي هو نسق فريد بين كل المفكرين أو مدرسة متميزة لها بصماتها وخصوصيتها في فهم الأفكار وهندستها وتوظيفها في مجال البناء الحضاري ومعالجة قضايا الإنسان المسلم المعاصر خلال هذه الانعطافة التاريخية التي يعيشها، والتي يميزها فقدان الفعالية والدور الحضاري لهذا الإنسان المسلم في الحياة المعاصرة. ومن الجدير بالذكر أن مالك بن نبي قد قابل الوفد الجزائري الذي ذهب إلى باريس ليطالب السلطات الفرنسية بالمشاركة البرلمانية، وكان على رأس هذا الوفد الشيخان المصلحان عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي. وقد كان هذا المفكر المتميز على معرفة بالجهود الإصلاحية الكبيرة التي يبذلها هذان العالمان، وكان يرى نفسه امتدادا عصريا لهما خاصة وأنه قد اطلع على جانب كبير وهام من الحضارة الغربية والثقافة المعاصرة، وقد كان أيضا مدركا لهذا الجانب الحضاري والمدني الذي ينقص المسلمين الاهتمام به في الإصلاح والتجديد المعاصرين.
فالمسلمون في نظر مالك قد اكتملت لديهم الجوانب العقائدية والأخلاقية بفضل الإسلام وخاصة برؤية القرآن الكريم والسنة النبوية المعجزة والتي تحوي علاجا لكل مشاكل الإنسان الروحية والأخلاقية، وقد كانت الرؤية القرآنية هي رؤية مستقبلية واعدة للإنسان المسلم في العصور الحديثة ، ولكن ما ينقص المسلمين الآن هي تلك الأبعاد الحياتية والحضارية التي تخلف فيها المسلمون في القرون الأخيرة والتي تحتاج إلى مجهودات العلماء والمفكرين أصحاب الرؤى الحضارية المتقدمة والتي تواكب العصر، بل تسبقه.
وخلال الفترة التي قضاها في مصر منذ عام 1956 أتيح له التعرف عن قرب على زعمائها السياسيين والمصلحين، بل إن بعض دوائر الجهات الرسمية أدركت أهمية طروحاته الفكرية فراحت تتقرب منه وتتفاعل مع نشاطه الفكري والسياسي، وخلال هذه الفترة تمكن من التعاون مع بعض قادة ثورة التحرير الجزائرية، ممن كانوا يقدمون إسهاماتهم النضالية من القاهرة، وكتب خلال هذه الفترة العديد من دراساته الفكرية مثل "شروط النهضة" و"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"، وكانت ترجمة بعض أعماله الفرنسية إلى العربية من منجزات هذه الفترة على يد بعض تلامذته ومريديه. وفي هذه الفترة أيضا التقى بالعديد من القادة والزعماء البارزين ممن عرف عنهم نضالهم والتصدي للاستعمار، والعمل من أجل تحقيق الكرامة للإنسان والأوطان كالزعيم الصيني شوان لاي والزعيم الهندي جواهر أل نهرو، والزعيم المصري جمال عبد الناصر وغيرهم.
وقد أدار مناقشات وسجالات فكرية مع أبرز علماء مصر آنذاك مثل الشيخ محمد أبو زهرة والدكتور محمد عبد الله دراز، والكاتب الإسلامي الشهير سيد قطب، الذي تناظر معه حول مفهوم الحضارة والمدنية وغيرهم ممن تأثر برؤى العبقري مالك بن نبي، حيث كان سابقا لعصره في هذا الشأن. ويمكننا أن نستفيد اليوم من أفكاره خاصة في اهتمامه العميق بالإنسان المسلم، بصفته تكوينا شخصيا وواقعا اجتماعيا، فإن العمل على ترقيته وإزاحة العوائق التي تحول دون إبداعه ونموه وتميزه، في هذا العصر الذي لا يسمح إلا بالتميز والإبداع والابتكار.
وقد تحققت رؤى مالك بن نبي ونظرته الحضارية البعيدة في أن جوهر الحضارة الحديثة يتشكل في الإنسان وبالإنسان، وعندما كانت هذه رؤى بعض الحضارات البازغة مثل الحضارة اليابانية وكذلك الحضارة الغربية المتمثلة في أمريكا الآن، وجدنا تلك الطفرة المذهلة في النمو والتقدم والابتكار وتحقيق أعلى معدلات النمو وأزهى رفاهية يمكن أن يعيش في ظلها الإنسان. وإذا كانت الحضارة عند مالك بن نبي تتكون من ثلاثة إطارات، وهي عالم الأشخاص وعالم الأشياء وعالم الأفكار، فإننا لم نهتم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية سوى بعالم الأشياء، ونسينا أو تناسينا عالم الأشخاص، والتأثير الخطير لعالم الأفكار على تحقيق التقدم والازدهار.


بيّنتم في دراستكم المعنونة " التراث العلمي العربي: رؤية تقويمية ونقدية" الاهتمام المبكر للعلماء المسلمين بالجانب التجريبي تنظيرا وتنزيلا. وذكرتم نماذج عديدة، وحسبي هنا مقولة العالم الكيميائي جابر بن حيان:
» فمن كان دربا (من التدريب) كان عالما حقا، ومن لم يكن دربا (مجربا) لم يكن عالما، وحسبك بالدربة –إجراء التجارب- في جميع الصنائع، أنّ الصانع الدرب يحذق، وغير الدرب يعطل.» لماذا عجز اليوم العقل الإسلامي على الابتكار في مناهج البحث العلمي وطرائقه، وبقّي عالة على ما ينتجه العقل الغربي؟
في الحقيقة هو غير عاجز، بل هو يمارس بالفعل في الحياة اليومية ذلك النشاط العلمي المحموم، ولكن نظرا للفجوة الهائلة والتي تزداد اتساعا يوما بعد يوم، بين واقع العرب والمسلمين في دولهم النامية، وبين الغرب المتقدم منذ أمد بعيد، فأصبح الإنجاز العربي العلمي ضئيل ولا يقاس بالنسبة إلي ما يحققه الغرب المتقدم، خاصة وان وتيرة العلم أصبحت متسارعة بشكل متوالية هندسية، بينما يسير العالم العربي والإسلامي وفق متوالية حسابية ضعيفة، إضافة إلى تعقيد ظاهرة العلم في العصر الحديث، والتي أصبحت تقوم بها مؤسسات وشركات ومراكز أبحاث في الغرب، وليست رهن جهود فردية أو شخصية، مهما بلغت عبقرية هذه الشخصيات كما يحدث في العالم العربي والإسلامي.
ولذلك أصبح العلم في الغرب الآن مؤسسي وجماعي يخصص له الغرب هيئات ومؤسسات علمية تلحق بالجامعات وبالمؤسسات الصناعية الضخمة التي تقوم بتمويله وتدعيمه، والحصول على ثماره ونتائجه لاستثمارها اقتصاديا واجتماعيا، بما يمكن تسميته بالتغذية المرتدة، مما يساعد على تقدم تلك المجتمعات، ويزيد من الفجوة والهوة بين هذا العالم المنطلق نحو المستقبل بأدوات وتقنيات بالغة التفوق، بينما نحبو نحن خطوات في عالم التقدم هزيلة، يعوق تقدمها كثير من المعوقات التي نصنعها بأيدينا من البيروقراطية الجامدة، وعدم الفهم، والانشغال بالراهن والآني، فضلا عن غياب الديمقراطية والشفافية والانغماس في المصالح الشخصية وتكوين الثروات، خاصة عند طبقة الحكام وأصحاب القرار مما يزيد تخلفنا وتهميشا.
ومن الجدير بالذكر أن كثيرا من الدول العربية، وخاصة البترولية، وجدت انه من السهل استيراد تطبيقات العلم الحديث والتكنولوجيا الغربية الفائقة التقدم، وتجاهلت إلي حد كبير تكوين قاعدة علمية تتمثل في ذخيرة كبيرة من العلماء والتكنوقراط والمهندسين والفنيين الذين يحملون عبء البحث العلمي ويتقدمون به صوب آفاق واعدة. وكان استيراد التكنولوجيا والإنجازات العلمية في صورتها النهائية أسهل من استنباتها واستزراعها في البيئة العربية وتحقيق مناخ علمي موات. ولذلك سنجد القائمين بعبء المشاريع والصناعات المتقدمة في الدول العربية والإسلامية طبقة من الخبراء والمستشارين الغربيين. ويكفي أن نضرب مثلا واحدا بلغة العلم الآن، لقد أصبحت هي اللغة الإنجليزية، لغة الإنترنت والتي يستخدمها الآن العالم المتقدم والمتخلف على حد سواء على الرغم من أنها ليست لغة معظم سكان الأرض، ولكنها الآن الوسيط الناجع في تداول العلم وتبادله بين الشرق والغرب.
وفي الماضي الوسيط كانت العربية هي لغة العلم، فمن الممكن أن تقرأ في لغة واحدة ترجمات الإنتاج العلمي القديم والأبحاث الجديدة على السواء، وكانت هذه القراءة تتم في سمرقند كما في غرناطة وأصفهان مرورا ببغداد ودمشق والقاهرة ومراكش وصقلية وقرطبة. باختصار ابتداء من القرن التاسع الميلادي، كان للعلم لغته هي العربية، حتى أن هذه اللغة بدورها أخذت بُعد كونيا: فلم تعتبر لغة شعب بعينه، بل لغة شعوب وثقافات، ولغة كل المعارف. وبذلك مدت جسورا بين مختلف المراكز العلمية العالمية، وسهل الاتصال المباشر بينها، رغم امتدادها على رقعة جغرافية تمتد من الصين شرقا إلي الأندلس والمغرب غربا.
ويجب أن نضيف سببا جوهريا آخر يؤدي إلي تخلفنا، وهو أن العلم يتحقق كاملا في المناخ العلمي السائد، وهو مناخ غير متوفر في عالمنا العربي والإسلامي، بما يعتمل فيه من صراعات أيديولوجية ومعوقات مادية واقتصادية، وما يحاك له من مشكلات سياسية خارجية تتناوشه من قبل القوى الاستعمارية الغربية، ممثلة في تجليات العولمة المهيمنة ثقافيا واجتماعيا، مما يعيد إنتاج عوامل التخلف فيه. ولا أدل على صحة هذا من بروز وتميز عشرات العلماء والمفكرين المسلمين والعرب في الغرب، حينما توفرت لهم الظروف الثقافية والاجتماعية المناسبة، وعاشوا في هذه المجتمعات التي تحقق المناخ العلمي المناسب وتوفر لهم أفضل الشروط الممكنة لنمو العلم وتطوره، فوجدناهم يتفوقون على علماء الغرب وتقنييه، ويحصدون نيابة عنه أفضل الجوائز وأعلاها.


صدرت لكم دراسة قيّمة عن "الإسلام والبيئة"، وساهمتم بذلك في كسر الحاجز الإبستيمولوجي الذي يحتكر التفكير حول البيئة في العالم الغربي فقط، كأن ليس للإسلام تصور أو رؤية حول البيئة، وأن المسلمين لا هم لهم بمشاكل الطبيعة ولا ذوق لهم بالجمال
! كيف يساهم الفكر الإسلامي في حل مسائل كثيرة تهدد مستقبل البيئة ومصير الإنسان فوق سطح الأرض؟
موضوع اهتمام الإسلام بالبيئة هو في الحقيقة وجه من وجوه إعجاز الإسلام عامة والقرآن الكريم خاصة، فلقد غير القرآن على مدى ثلاثة وعشرين عاما، وهي فترة نزوله، نظرة مخاطبيه نحو الكون والعالم. وشكل فكرا كونيا جديدا أساسه التوحيد، فالطبيعة التي كانت بالنسبة للناس، تبدو كشيء مهمل بلا فائدة، قد عرفها القرآن من جديد بأنها آية من آيات الله، وبالتالي فإن أحد الشروط للوصول إلى الإيمان الحقيقي هو التأمل والتفكر في الطبيعة كشاهد لنعمة الله على الإنسان.
ومن الجدير بالذكر اهتمام القرآن بشكل أساسي بالكون والطبيعة والوجود في مختلف ظواهره ومظاهره، وكذلك توجيه الانتباه إلي أن الماء مصدرا أساسيا للحياة لابد من العناية به، كما أن البحار والمحيطات قد سخرت بما حوت لخدمة ورفاهية الإنسان. والسحاب والمطر مصدرا مسخرا لنماء حياة الإنسان وحفظ نوعه ورفاهية جنسه. كما حفل القرآن الكريم بكل أنواع الكائنات الحية وغير الحية وتكاملها لخدمة الإنسان، بما يشكل منظومة كونية متناغمة للإنسان لابد من احترامها والعناية بها، خاصة وأن هناك نوعا ثابتا من التوازن البيئي لابد من المحافظة عليه، وإلا صارت نقمة عليه، وهو ما حدث بالفعل حين عبث الإنسان بالطبيعة وأخل بتوازنها.
ولم يكن هذا الاهتمام بالبيئة والطبيعة والكون مقصورا على القرآن فقط، بل كان أيضا اهتماما نبويا رائعا وعظيما، بلغ الذروة في تلك الأمثلة النبوية المتفاضلة والمتكاملة، في دخول امرأة النار بسبب حبسها لهرة، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. ومثل ذلك الرجل الذي دخل الجنة بسبب سقيه لكلب في يوم قائظ أنقذه من الهلاك عطشا.
وكذلك حث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الإنسان المسلم بأنه لو قامت القيامة وفي يده فسيلة من النخل، فعليه أن يزرعها. هذا فضلا عن أحاديث كثيرة قيلت في جبل أحد، وكيف كان النبي يقول "إنه يحبنا ونحبه" نبراسا لأن يمتد حب المسلم لكل مظاهر الطبيعة والكون الحي وغير الحي، فإن الكون من خلق الله تعالى مثل الإنسان يسبح بحمد الله ومسخر لخدمة الإنسان. ومن هنا تصير العلاقة بين الإنسان المسلم والكون علاقة التزام أخلاقي وديني في المحافظة عليه وفي الاهتمام به، وفي التقرب إلي الله تعالي بحبه والرعاية له.


أكدتم في كتابكم القيّم "ظاهرة العولمة رؤية نقدية" أن العولمة ليست فقط جملة من المصطلحات والمفاهيم التي تظهر في قاموس السياسة والاقتصاد والثقافة بين الحين والآخر، وإنما هي أيضا واقع حتمي معاش وقادم. كيف نتعامل نحن المسلمين مع هذه الظاهرة الزاحفة؟

فيما يتصل بتعامل المسلمين مع العولمة، فلا يكون ذلك بالانغلاق والرفض المطلق للثقافة الغربية، خاصة بعد أن سيطرت العولمة وفرضت هيمنتها علي العالم، ولكن بالانفتاح الحذر عليها، فما استساغه من القيم الإنسانية تم استيعابه، وما لم يستسغه رفضه واستبعده. ولا ينبغي أن ننسى البحث عن مقومات الأمن الثقافي العربي والإسلامي، فإذا كان هذا الأخير يقتضي حماية أمن الدولة من الداخل والخارج، فإن الأمن الثقافي للأمة أكثر عمقا وامتدادا وتأثيرا، ولذلك فنجاح أمتنا الثقافي مرهون بانطلاقنا إلي الأمام لرسم صورة غدنا المشرق بالعمل الجاد والدءوب والمبدع، والحفاظ على القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية التي ورثناها ونعتز بها، والتي تشكل كنز ثروتنا الروحية والأخلاقية التي لا يمكن التخلي عنها أو التفريط فيها، حيث هي ثوابت الأمة والتي تشكل لحمة وسدى هويتها، وهذا يقودنا إلي أهمية معرفة ذاتنا ومجتمعنا وثقافة المجتمعات المحيطة بنا، لنعرف ما هو ضار بثقافتنا الإسلامية فنتجنبه، وما هو نافع ومفيد فنضع له الخطط والمشاريع لنشره وتثبيته وإغناء ثقافتنا العربية به، مع الأخذ في الاعتبار الاهتمام بشكل أساسي بالإنسان العربي المسلم والذي هو المساهم الأول في إغناء الثقافة العربية وحمايتها، والحائط الأول لصد هجمة العولمة الشرسة، التي تقتلع الهوايات وتعصف بمختلف الثقافات، وتحويل سلبيات العولمة وشرورها إلي منافع وفوائد، يمكن استثمارها لخدمة هذه الأمة والعمل على تقدمها، خاصة وأن ثقافتنا تتلقى منشطات يومية تصل إليها عبر وسائل الإعلام والاتصال بشكل مناهج ومفاهيم أو رؤى وأفكار وحتى نتائج.
فالثقافة العربية في الوقت الراهن تعيش مأزقا حادا يكمن في عجزها عن مواكبة التحولات العالمية، بفعل تصاعد أهمية التكنولوجيا وثورة الاتصال. ومن هنا تأتي أهمية رفع العوائق والأسوار عن الطاقات والمكامن العقلية والروحية والنفسية والأدبية للمجتمعات العربية والإسلامية وتوفير آليات الإبداع والخلق، والكشف عن مستويات اللحظة الإنسانية في الإنسان العربي والمسلم في تواصله الخلاق مع الآخرين بثقافاتهم ورؤاهم الحداثية، لإثراء واقعه الثقافي والعلمي المأزوم.

 

  • عنوان البصائر: 17 شارع محمد مربوش – حسين داي، الجزائر 16040
الهاتف: 021.49.52.67 – 021.49.51.19 / الفاكس: 021.23.33.73
البريد الالكتروني:   
info@albassair.org
info.bassair@gmail.com 


PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.09 ثانية