 | | البحث |  |
|
|
 | |
|
رجل فقدناه: الدكتور إبراهيم مياسي بتاريخ 2-2-1431 هـ
الموضوع:
| |
بقلم: الدكتور مولود عويمر
توفي المؤرخ الجزائري الدكتور إبراهيم مياسي يوم الخميس 7 يناير 2010. لقد مات بعد أن عانى شهورا من مرض عضال ألزمه البيت، وأبعده عن عالم العلم والبحث الذي تربى فيه، ونشأ في أحضانه.
ولد الدكتور مياسي في 10 سبتمبر 1945 بتونس. ترعرع في مدينة الوادي وتابع بها دراسته الأولى، ثم واصل دراساته العليا بجامعة الجزائر التي تحصل منها على الليسانس والماجستير ثم شهادة دكتوراه الدولة في التاريخ الحديث والمعاصر في عام 2003، بعد مناقشة رسالة علمية بعنوان: " الاحتلال الفرنسي للصحراء الجزائرية 1837-1934". وقد قام بنشرها مؤخرا بدار هومة. ألف الدكتور مياسي مجوعة من الكتب، وهي: توسع الاستعمار الفرنسي في الجنوب الغربي الجزائري 1881-1912 (المتحف الوطني للمجاهد،1996)، من قضايا تاريخ الجزائر المعاصر( ديوان المطبوعات الجامعية، 1999)، مقاربات في تاريخ الجزائر (دار هومة، 2007)، لمحات من جهاد الشعب الجزائري (ديوان المطبوعات الجامعية، 2007). ونشر العديد من الدراسات والبحوث في مجلات تاريخية كالمصادر، حوليات جامعة الجزائر، دراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلة التاريخية المغربية. ومن أهم بحوثه نذكر : " الأشعار الشعبية في المقاومة الشعبية"، "الصحراء الجزائرية من خلال الاستكشافات قبل وبعد الاحتلال"، " دور الأرشيفات و الوثائق في كتابة تاريخ المقاومة الجزائرية". ونشر أيضا عدة مقالات في الصحافة الجزائرية كـ "المساء" و"صوت الأحرار" و"البصائر". وشارك الأستاذ مياسي في عدة ملتقيات عبر التراب الوطني ونادرا ما امتنع عن الكلام، فكان دائما حريصا على طرح الأسئلة وإثراء المداخلات. ومن أهم محاضراته: "موقف العلامة عبد الرحمان الأخضري من التصوف"، و" جيش التحرير المغربي". وتعتبر مداخلته عن الدكتور موسى لقبال -رحمه الله - في الملتقى المنعقد بكلية بوزريعة في 30 ماي 2009 ، هي آخر مداخلة قدمها في تظاهرة ثقافية أو مناسبة علمية. اشتغل الدكتور مياسي على محورين أساسيين: تاريخ الصحراء، حتى أصبح خبيرا بأحجارها وأشجارها وعلمائها وشعرائها ... والتاريخ العسكري من خلال المساهمة بشكل فعال ومرهق أحيانا بإلقاء المحاضرات، فكان يجول شرقا وغربا، شمالا وجنوبا ليحاضر حول تاريخ المقاومة في القرن التاسع عشر أو الثورة التحريرية. واعتمد في العديد من دراساته على الوثائق والأرشيف خاصة بعد زياراته لمراكز الأرشيف بفرنسا وتونس. ويضاف إلى هذه الجهود تفانيه في التدريس بالجامعة والإشراف على طلبة الدراسات العليا، وقد تخرج عليه العديد من الطلبة الحاملين لشهادتي الماجستير والدكتوراه. كانت معرفتي بالدكتور مياسي حديثة. فهو يكبرني بثلاثة وعشرين سنة. فلم أدرس معه ولم أصاحبه في سنوات الصبا والطفولة، ولم أشاركه طموحات الشباب، ولم أحمل معه هموم البحث عن العمل... فمعرفتي به تعود إلى عام 2004. فهذا يعني أنني أعرفه أكثر من 40 يوما، وهو المقدار الأدنى لمعرفة معادن الرجال. لقد صاحبته وسافرت معه وتعاملت معه فوجدته دائما من أهل العلم والفضل. كان لقائي الأول به في أكتوبر 2004 في مكتب الأستاذ مسعود كواتي، الذي كان آنذاك رئيسا لقسم التاريخ بجامعة الجزائر التي التحقت بها في تلك الفترة. بعد التعارف، أكد لي الأستاذ مياسي أنه يعرفني من قبل بفضل مطالعاته لمقالاتي في جريدة البصائر التي كنت أراسلها من باريس. وعبّر لي بتلقائية وبتواضع العلماء عن إعجابه بالمواضيع التي كنت أكتبها خاصة التي تتعلق بقضايا فكرية معاصرة، كالتدين في أوروبا، وصراع الحضارات، ونشاط النخبة العربية في أوروبا، مأزق الحداثة وأزمة العلمانية في الغرب...الخ. إنها تمثل في نظره مواضيع جديدة جديرة بطرحها على القارئ الجزائري الذي كان يعيش في فترة 1992-2003 قحطا ثقافيا وغيابا عن الحراك الثقافي العالمي. بقيت علاقتنا متينة، نتبادل الآراء، ونتناقش في القضايا الثقافية والمشكلات اليومية حياة ومتاعب المهنة بسبب تراجع القيم وغلاء تكاليف الحياة. وحرص كل واحد منا على متابعة نشاط الآخر. وأستحضر في لحظة كتابة هذه السطور صورته وهو جالس في قاعة المحاضرات بالمركز الثقافي الإسلامي منصتا إلى عرض أقدمه عن كتابي: "مالك بن نبي رجل الحضارة". لقد كان حريصا على الحضور والمساهمة في النقاش. اعتبرت هذا الموقف تشجيعا لي على البحث ودعوة لمواصلة الكتابة. وكان مصرا على قراءة هذا الكتاب، فأهديت له نسخة موقعة. وقدم لي بدوره نسخة من كتابه " لمحات من جهاد الشعب الجزائري "، مضيفا بخط يده هذه الكلمات: "أهدي هذا الكتاب إلى الصديق والزميل الفاضل الدكتور مولود عويمر مع أجمل التحيات. راجيا له من الله تعالى التوفيق والنجاح في مهامه العلمية النبيلة. أخوكم دوما إبراهيم مياسي". وشاءت الأقدار أن نسافر معا إلى قسنطينة في يوم 27 جوان 2008 لنشارك في مناقشة رسالة دكتوراه للطالب الباحث خير الدين شترة حول " الطلبة الجزائريون بجامع الزيتونة 1900-1956" وكان السفر فرصة ثمينة للتعارف عليه عن قرب والاستفادة من تجاربه المختلفة. لمست في الرجل تدينا نقيا وصافيا فكان حريصا على أداء الفرائض في أوقاتها. ما زلت أراه في لباسه التقليدي يتحدث بساطة وبلغة عربية فصيحة. وكان الحديث منصبا على ماضيه والتحاقه بجامعة الجزائر، وعلاقاته مع زملائه الأساتذة ومعاناته في الحياة، ومشاريعه العلمية المستقبلية. وقد كلمني عن فرحته بنشر دراسة علمية بالمجلة التاريخية المغربية، ومجلة حوليات جامعة الجزائر. كان حريصا على أن يستوفي شروط الترقية إلى أستاذ تعليم عالي في الوقت المحدد. وقد تم له ذلك والحمد لله بفضل جهوده العلمية وتفانيه في البحث التاريخي. وأصغيت إليه في قاعة المحاضرات الكبرى بجامعة الأمير عبد القادر الإسلامية وهو يناقش رسالة الطالب المتميّز خير الدين شترة بشكل دقيق، متابعا كل صغيرة وكبيرة خاصة ما تعلق باللغة العربية. وشاءت الأقدار أن نلتقي في مناقشة رسالة جامعية أخرى قدمها الطالب نور الدين لعريبي عن " العلاقات الجزائرية المغربية في عهد الأمير عبد القادر". فقد جاء الدكتور مياسي وهو يتكئ على العصا، وهي المرة الأولى التي أراه على هذه الحالة. كان مرهقا تظهر عليه آثار المرض. وصبر على المناقشة التي دامت ساعتين، وساهم فيها بآرائه وملاحظاته وتوجيهاته القيّمة. وبعد المناقشة والمداولات سألته عن مرضه فأجاب أنه يشعر كل يوم بسوء حالته الصحية، وهو يأمل أن يجد رعاية خاصة للسفر إلى فرنسا لإجراء عملية جراحية. فقد سافر فعلا إلى فرنسا للتداوي، لكن المرض كان أقوى من العلاج. نودّع أستاذنا وصديقنا الدكتور إبراهيم مياسي بهذه الكلمات التي ودّع بها الشاعر الشيخ أحمد سحنون صديقه الشيخ فرحات بن الدراجي، الذي مات بعد مرض عضال كابده ثلاث سنوات من الآلام، مبشرا إياه بالالتحاق بالجنة إلى جوار العالمين المصلحين: الإمام عبد الحميد بن باديس والشيخ مبارك محمد الميلي. وندعو الله أن يتغمدهم جميعا برحمته الواسعة، ويسكنهم جميعا في الفردوس الأعلى.
ودعت داءك إذ ودعت دنــــيــاكا فهنأ فـلا داء بعد الـيوم يلقاكـا كافحت جيشا من الأسقام مدرعا بالصبر محتسبا في الله بلواكا لا تشك من وحشة فيها فإن بـها مبـاركا وابن بـاديس رفـيقاكا
|
|
| |
|
|