 | | البحث |  |
|
|
 | |
|
حتى يقضى على الفساد...! بتاريخ 9-2-1431 هـ
الموضوع: محطات
| |
تعاني الجزائر من ظاهرة تفشي الفساد في بعض مرافق الدولة، مما صعب حياة المجتمع وعقد أموره، وهذه الحقيقة هي التي دفعت الجزائر إلى أن تكون من أولى الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، ووفاء لالتزاماتها المترتبة على تلك الاتفاقية، بادرت إلى تأسيس لجنة وطنية لمكافحة الفساد، أسندت عضويتها لشخصيات وطنية معروفة، غير أن الوضع بقي يراوح مكانه، مما حدا بها مؤخرا إلى إسناد هذه المهمة إلى جهاز المخابرات، عساه يفلح فيما فشل فيه الآخرون، في مقاومة هذه الظاهرة التي تفاقم أمرها، وعظم خطبها، وساءت جراءها سمعة الجزائر في المحافل الدولية، بل ترتب عنها إحجام الكثير من المستثمرين عن الاستثمار في الجزائر بسببها، والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المجال هو: لماذا استشرى الفساد في الجزائر حتى أصبحت تصنف في مقدمة الدول الأكثر فسادا في العالم؟.
والجواب الذي لا يجادل فيه عاقل هو: أن الفساد نتيجة أكثر منها سبب. والدليل على ذلك، أن ظاهرة الرشوة لم تكن معروفة في الجزائر، وإنما ظهرت ونمت وتطورت وأصبحت واقعا معترفا به مع توالي السنين. ولو ذهبنا نبحث عن أسباب نشأتها وتطورها لوجدناها ترتد إلى عوامل شديدة التنوع كثيرة التعقيد، يمكن أن نعد من بينها: 1- البيروقراطية والثقل الإداري: فبالنظر لارتباط مصالح الكثير من المواطنين بالإدارة، فإنهم لا يحتملون ثقل الإجراءات الإدارية، الأمر الذي يضطرهم إلى البحث عن مخارج لتسريعها، ولو خالفت تلك المخارج المقتضيات الشرعية والقانونية والأخلاقية، خاصة إذا كانت المصالح المعطلة مصالح حيوية لا غنى للمواطن عنها. 2- التعسف الإداري وتجاوز الصلاحيات: وهذا سلوك يفتح بابا واسعا من المظالم، التي تدفع المواطن إلى التصدي لها وتدفعه إلى اللجوء لتلك الوسائل حتى تلك التي تتنافى مع معتقده، وتتعارض مع أخلاقه. 3- عجز القضاء عن حماية المواطن بفعل الضغوط الواقعة عليه: وهذا أمر ثالث له أثره الواضح في تفشي الرشا في وسطنا وغيرها من الوسائل غير المشروعة للدفاع عن الذات وحماية الحقوق والمهدورة. لكن تلك الأسباب الثلاثة المذكورة ما كانت لتفعل فعلها في ظهور وتنامي ظاهرة الرشوة، إلا لوجود سبب آخر كان هو العامل الحاسم في تهيئة المناخ المواتي لظهورها، وهو يتمثل في غفلة الدولة عن حسن التكفل المادي بموظفيها في السلك الإداري والقضائي وفي غيرهما، فلو أنها وفرت لهم رواتب كافية تستجيب لمطالبهم وتمكنهم من إشباع حاجاتهم، لكانوا أكثر قوة وأشد منعة بما يجعلهم في غنى عن قبول الرشا. ومن جانب آخر فإن تفشي هذه الظاهرة إن كشف عن تقصير الدولة وغفلتها عن حسن تقدير موظفيها بما جعل أوضاعهم الاجتماعية تسوء إلى درجة اضطرارهم إلى قبول الرشا، فمن جهة ثانية تكشف عن ضعف الجهاز الرقابي الذي تقع عليه مهمة التصدي لمثل هذه الظواهر، فلو كان هذا الجهاز الذي تقع عليه مهمة التصدي لمثل هذه الظواهر السلبية التي تسئ إلى المجتمع والدولة، موجودا ويتوفر على الوسائل البشرية والتقنية الضرورية، لتمكن من التصدي لهذه الظاهرة والحد من ذيوعها وانتشارها. ومن الأسباب الجوهرية الأخرى التي لا ينبغي أن نغفل عن أثرها في استشراء الفساد بأنواعه، تلك التي ترتد إلى المناهج التربوية المعتمدة في مدارسنا وجامعاتنا وإلى الخطاب الثقافي السائد، وإلى الفكر الديني الرائج، فبالنظر إلى الفساد المستشري يمكن أن نستنتج بشكل قطعي ضعف مردودية تلك القطاعات الثلاث، الأمر الذي يفرض بالضرورة إعادة النظر في مضامين المناهج التربوية، وطبيعة الخطاب الثقافي، وأداء القطاع الديني، على اعتبار أن تلك الأطراف الثلاث هي التي تسهم في بناء سلم القيم الضابطة للسلوك الاجتماعي، ولا يمكن تصور منهج لمقاومة الفساد ومكافحته دون إشراك هذه القطاعات في عملية المقاومة هذه، من حيث أن القضاء على الفساد لا يكون بالتصدي لنتائجه فحسب، ولكن يتحقق بالقضاء على أسبابه الداعية إليه، والعوامل المؤثرة فيه، فبذلك فقط يمكن القضاء على الفساد واستئصال شأفته نهائيا. 08
|
|
| |
|
|