 | | البحث |  |
|
|
 | |
|
ديوان المظالم..و التراتيب المُهدرة بتاريخ 24-2-1431 هـ
الموضوع: في رحاب السنة
| |
لا يزال التيه عن حقائق التدين سيد الموقف، و لا تزال الفهوم القاصرة تضلّ عن هدفٍ يدّعي الكثيرون السعي الحثيث من أجل تحقيقه، و لعل من أسباب هذا الضلال أو الشرود هو كثرة في الشعارات التي ترفرف، و زحمة في الدعاوى التي تُرسل، من دون أدنى تمثل أو تحقق يخطو بالأمة و لو قليلا، فبعض الأصوات تجأر بالشكوى من عطالة في الفكر و إماتة للعقل، من خلال التشبث "بتراث" لا يُجدي التشبث به شيئا، و أخرى تربط التخلف بإعراض عن الذكر يحيل العيش ضنكا، و كلا الفريقين صادق في الدعوى و لو من وجه، غير أن الأول منهما شانت أفكارَه غربة في الفكر والوجدان، و الثاني شاهت دعوتُه بانحصار همّه في الشُعب الأدنى من الدين و الدنيا، و ضاعف من التيه أن تردّى سلوك الطرفين عن مستوى العقلاء من البشر، فما أفلحنا في إقامة دين، و لا نجحنا في صناعة دنيا، و لو سعى الناس من كل منزع أو اتجاه إلى ضبط السلوك على وفق القيم الكبرى، من غير تبجح و ادعاء لأدركَنا مستوى من العيش يليق بالبشر أولا، ثم يسعى كلٌّ منّا إلى تحقيق النموذج الذي يوفر قدرا من الكفاية و التميز، يُلحقنا بدرجة من التقدّم تفرض الندّية و الاحترام.
الدواوين الثلاثة..يوم الحساب أخرج الحاكم في مستدركه(20 / 129) و الإمام أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدواوين ثلاثة: فديوان لا يغفر الله منه شيئا، وديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئا فالإشراك بالله عز وجل، قال الله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا قط فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه(في رواية أحمد:" فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء) وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فمظالم العباد بينهم القصاص لا محالة."قال الحاكم:" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه." و أخرج البزار(5/25) عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وقال:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضا، حتى يدين لبعضهم من بعض." هذا الحديث يشير فيه النبي صلى الله عليه و سلم إلى ميزان من الموازين التي يعتمدها مع خلقه، وهو الميزان الذي طالما نادى العقلاء إلى اعتماده، بديلا عن موازين يُنفذها المكلفون فيما بينهم، من دون التفات إلى مدى صحتها أو دقّتها، و هذا الأمر هو أن المقصَد من إنزال الشرائع هو صلاح الناس في دنياهم، واستقامتهم في سلوكهم، و عدم بغي بعضهم على بعض، في الأموال و الأنفس و الأعراض، وأن هذا الصلاح و الاستقامة طريق للنجاة يوم القيامة، و أن إشهار الشعائر و الإكثار منها للإيحاء بالفضل، أو التدليل على صواب في الرأي أو الموقف: ضرب من ضروب الاستغلال البشع، و مظهر من مظاهر التدين المغشوش، يحرص عليه المتبطِّلون و أصحاب الأهواء والمصالح، لاستدراج الأغرار إلى مواقع اتّباع لا تُراد، أو لصناعة وعي زائف ينأى بهم عن حقيقة التدين، و يبتعد بهم عن مرادات الله من خلقه. مقاصد التعبد..و الفهوم المُغيبة أعمالنا و تصرفاتنا لا تزال تقدم عمليا من يُظهر التدين و لو كان مخادعا، و تؤخِّر من لا يكاد يظهر عليه إلا على استحياء و لو كان صادقا، في احتفاء بيِّن بالرسوم و الأشكال، بالرغم من اعتبار الشرع للترتيب في الشُّعب، و احتسابِ العقلاء للمهمات من الأمور و القضايا، من غير التفات لما يعتقده الشخص أو يتديّن به. الديوان الأول واضح، تَحكُمه الآية التي أوردها النبي صلى الله عليه و سلم نفسه، و هو أن المُشرك لا اعتبار له في ميزان الله يوم القيامة، و أن العقاب المرصود على كفره و إشراكه لا يستطيع أحد أن يجادل فيه، فمن لا يقرّ لك بمعروف تُسديه إليه، أو بإنعام تغمره به: لا يلومك أحد أو لا يُسائلك على سبب تجاهلك له، و لله المثل الأعلى، و الديوان الثاني يتعلق بالعبد المقرّ لله بالألوهية، و المتخلِّف أحيانا عن مأمورات الله، أو المنتهك لبعض نواهيه و حرماته، فهو تحت المشيئة، إن شاء غفر له، و إن شاء عذّبه، و لا يمكن لأحد أن يتألى على الله فيضمنَ الجنة لقريب أو حبيب، أو يحكم بالنار على بعيد أو خصيم، و هو الأمر الذي درج البعض على استسهاله، و لا علاقة له به، و إنما هي الأهواء التي تتحكّم، و النوازع التي تسيطر، و أما الديوان الثالث فهو الديوان الذي يتعلق بحقوق المكلَّفين، بعضِهم ببعض، و ظلم بعضهم لبعض: لا يترك الله منه شيئا، و إنما هو الحساب و القصاص. الضلال عن هذا الميزان أو الإخلال بمراتبه و التيه عن دلالاته هو الذي يوقع المكلفين في الكثير من الخطايا، و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فالعبادات من صلاة و صيام و زكاة و حج إنما القصد منها بالدرجة الأولى اختبار مدى التزام المسلم بمقتضيات الشهادتين، ثم أن يظهر أثر هذا التعبّد على سلوك الأفراد: حُسنا في التعامل، و وفاء بالحقوق و الالتزامات، و قد جاء النص مصرحا بالمقصد من الصلاة مثلا، فقال تعالى:{..و أقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر..}العنكبوت:45 فإن لم تُحقق الصلاة هذا الغرض-كما هي عليه اليوم- فمعنى ذلك أن هناك خللا قد يعصف بالقبول المرتجى، أخطر من الخلل الذي يلحق بالقيام أو الركوع أو السجود، مما درج الناس على الحرص عليه و على إتمامه، و مع ذلك يبقى الأمر بين العبد و بين ربه، كما ورد في الحديث، و قد تسع رحمة الله هذا الخلل و غيره، لكن الديوان المتعلق بالعلاقات بين المكلفين، و ما يحصل فيها من إخلال و ظلم وعدوان هو الذي ينبغي أن تنصرف إليه عناية المسلم، لأن الأمر فيه على قدر كبير من الأهمية والخطورة، فالاقتصاص فيه هو الأساس، و العفو و الغفران فيه معلق على مَن ظُلم في الدنيا وانتُهكت حقوقه، أو اغتُصبت أمواله و أملاكه، فالعاقل مَن يصرف همه إلى تدارك الأمر، و إعادة الحقوق إلى أصحابها، و الكفّ عن إلحاق الأذى بالضعفاء و المساكين، لأن نجاته في الآخرة منوطة بمدى إحسانه في هذه الجوانب التي لا يغفرها الله، و لو لم تكن الحقوق مُصانة و مرعية، و لو لم يَرد في الشرع مثل هذا التحذير بشأنها لكانت الشريعة لغوا، و لكانت دعوات الأنبياء عبثا، و لما كان للحساب و العقاب معنى، و معاذ الله أن يُظن بالله أو بشرائعه هذا الظن، و لكنها أهواء المتساهلين والمتلاعبين بدين الله، يخادعون الناس ببعض طقوس العبادة، و هم والغون في الحرام إلى الأذقان، ويطمعون أو يتوهمون الإفلات من العذاب يوم الحساب، و كان يكفيهم أن يرتدعوا، و يكفي أصحاب الفهوم العليلة أن يعلموا أنه:"يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين."(صحيح مسلم:9/469) فإذا كانت الشهادة لا تشفع في دَين حال الموت دون أدائه، فكيف الحال بمن يتوفّاه الله بدون ذلك المقام، و هو مُحمّل بأوزار الإخلال و الإخلاف. 05
|
|
| |
|
|