 | | البحث |  |
|
|
 | |
|
ما هذا التلوث اللغوي..؟ بتاريخ 14-3-1431 هـ
الموضوع: خواطر
| |
إن الفساد في الكلام والكتابة، أخذت تزداد خطورته، وتأثيره يعم، فبجانب الفساد في الأموال العامة ونهبها، والفساد الخلقي الذي نقرأ عنه يوميا، والإجرام، والسطو على الأنفس، فهذا يقتل أمه، وذاك يقتل أباه، أو أخاه أو أخته، وهذا ينتحر وذاك ينحر، بجانب هذا كله نسمع كلاما هجينا خليطا ملوثا، لا سمة له ولا ذوق، فضلا عن سلامة المفردات، والتراكيب، تحسب إذا سمعته أنك تقرع أذنيك "مالطية" أو رطانة مؤذية للذوق قبل السمع، فهذه مسرحيات عامية هجينة، وذا حوار لا يفهم معناه، وأصيبت القنوات الفضائية بهذا الداء، داء الهجنة والخلط، وإذا قرأت صحيفة ترى الأخطاء الفادحة، والاعوجاج في الأسلوب والصياغة، إنه تلوث حقيقي لم تسلم منه واجهات المحلات والدكاكين، وواجهات الأسواق والمطاعم والسيارات، أما الإعلام والإشهار فتلك هجنة أخرى، وعدوان على العربية، فلا ترى في هذه الواجهات إلا الحروف اللاتينية، فكأن البلاد ترومت أو "تلتنت"، وكأن الناس لا يشعرون بهذا الهوان الذي أصاب اللغة العربية، وهذا الإهمال، وكأن ذلك مقصود ومخطط له، ليألف الناس ذلك ويتعودوا عليه.
والأنكى من ذلك ما يجري في مؤسسات التعليم، التي عادت إلى استعمال اللغة الأجنبية في دروس الرياضيات ورموزها، والعلوم كذلك، كأن الناس في الأمم الأخرى الذين يستعملون لغتهم كالصين واليابان وكوريا والصهاينة أخطئوا الطريق إذ لم يتبعوا هذا الاتجاه، وكأن أناسا يكافحون دون هوادة لعودة لغة المستعمر المتخلفة عن لغات أخرى عالمية، وتكاد تكون كونية كالإنجليزية. قرأنا ما يقطر مهانة ويسيل ذلا لبعض من يزعم أنه كاتب ينصحنا في إحدى الصحف لأن نعود إلى الفرنسية لنبعد عن العرب بسبب لعبة الكرة التي استعملها سفهاء القوم لأغراض سياسية، وأرادوا أن يقطعوا الصلات، وتقوقعوا في الهنات، ووجدوها فرصة مواتية، ليصيحوا بهذه الصيحات الفاشلة، ويدعوا هذه الدعوات البليدة، المتبلدة، وهي والحمد لله لا تجد لها صدى، ولن تجد لها نصيرا ينتمي إلى هذه الأمة وثوابتها، وتراثها وهويتها التي استعصت على الاحتلال أكثر من قرن، وها هو صوت بعض الأقزام الوصوليين المهزومين يعلو إلى أسفل، ولم يرض لنفسه إلا أسفل سافلين: ومــــــــــــن يهن يسهــل الهوان عليه ما لجـــــــــرح بميت إيـــــــــــــــــلام إنها مشكلة حضارة، ومسألة ثقافة لا مجرد لسان آلي لا حياة فيه. ولقد أحسن المجلس الأعلى للغة العربية في الأسبوع الماضي في عقده ليوم دراسي لهذا الموضوع "اللغة العربية بين التهجين والتهذيب" فتبين أن أغلب الاستمارات الإدارية لا تزال تدون باللغة الأجنبية، وإذا ما كتب فيها بعض اللسان العربي فكأنه يكتب للبركة، أو لرفع الملام عن السادة الأعلام، الذين يخدمون هذا اللسان الأجنبي، ويناضلون لبقائه وتمكينه، وإذا اتجهت إلى القطاع الاقتصادي والشركات والبنوك، فلا تكاد تعثر على كلمة من كلامنا في وثائقها، وهذه المجالات المهمة في حياة الأمة إذا وقفتَ عليها شعرت أنك أجنبي أو في مؤسسات أجنبية، إذا خاطبت أحدهم رطن لك بلغته، وأفصح عن هوانه على نفسه، وظن أنه سيد من السادة، وقائد من القادة، غير أنه يقود إلى إذلال لسان قومه، والاستهانة بهويته. أما أبواب التوظيف، ومجالات العمل، فهي مغلقة إلا على الذين يستخدمون اللسان الأجنبي، فكتبتْ بذلك البطالة على من لا يستعمل العجمة، وفتح الباب لغيره. إنه لحق ما كتبه ابن حزم الأندلسي وهو إمام عظيم في الثقافة:" إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم، واختلاطهم بغيرهم، فإنما يقيد لغة الأمة علومها وأخبارها قوة دولتها، ونشاط أهلها وفراغهم، وأما من تلَفت دولتهم، وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل، وخدمة أعدائهم فمضمون منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سببا لذهاب لغتهم "..." وهذا موجود بالمشاهدة، ومعلوم بالعقل ضرورة" (1). فعلى هذه الظاهرة دليلان: المشاهدة وهو ما يعترضنا يوميا في الشارع والإدارة، والعقل، وهو ما يحمله كل إنسان من إدراك فطري ضروري لا يحتاج إلى إمعان نظر، ولا استدلال ببرهان، فهو البرهان بذاته، إنه نص جليل، كأنه يعبر عن حالنا اليوم، ويصور أوضاعنا اللسانية، وشئوننا الثقافية. إن العامية أخذت تسطو على الفصحى لا أن تتهذب وتقترب منها، سواء في الأغاني ذات الخلط والهجنة، أو في الإشهار للسلع والمشارب والمآكل، والأجهزة والسيارات، لذلك نرى عجبا حتى لغة الصين أخذت تزور الوطن على استحياء، ولعلها تجد فرصتها أيضا. إن هذه الهجنة، وهذا المسخ للسان العربي، لهو البلاء المبين، والداء الوبيل، فاق زكام الخنازير في العدوى، ولكن لا دواء له يشترى، ولا علاج له يزاول ويمارس. يقول أبو حيان التوحيدي:" وأغرب الغرباء من كان في وطنه غريبا" فهذه الغربة اللسانية، والرطانة الكلامية، لا علاج لها إلا بسياسة إستراتيجية تربوية، تضع منظومة تربوية حاسمة لاعوج فيها، وأخص بالذكر استعمال اللسان الوطني في التعليم العالي، وما لم نفعل ذلك فإن الجامعة تصبح تمد بقية المؤسسات بمن يرطن ويمكن للهجنة وسيادة اللسان الأجنبي وغلبته، وأخطر من ذلك يرسخ التبعية الثقافية، والعلمية، فلا تتمكن أجيالنا من الإبداع والاختراع، وإنما يبقون أسرى هذه التبعية، وسجناء لغة تمسخ لغتهم إن لم تمحها، وتفضي بها إلى العدم. إننا ندعو إلى مراجعة المنظومة التربوية، فتوكل إلى أمناء على الأمة وعليها، كما ندعو إلى عقد دورات للصحافيين والإعلاميين عموما لتمكينهم من لغتهم أفضل تمكين، وأن يقف على كل ما ينشر صاحب لغة يصحح أخطاءها، ويقيم معوجها، فبهذا نحمي لساننا من الفساد، ونمنع انتشاره بانتشار العوج الإفرادي والتركيبي. ونقول: إن الفساد في اللسان يؤدي بالضرورة إلى الفساد في الفكر، وفي المعرفة، وإلى البلبلة الثقافية نتيجة للبلبلة اللسانية.
1- من كتاب "الإحكام في أصول الأحكام" نقله منه واستشهد به الأخ الأستاذ محمد العربي ولد خليفة، في كلمته الافتتاحية للندوة المشار إليها، فشكرا له على اختياره لهذا النص. 11
|
|
| |
|
|