 | | البحث |  |
|
|
 | |
|
مروءةُ مشرك..و المكافأة على المعروف بتاريخ 21-3-1431 هـ
الموضوع: في رحاب السنة
| |
لم يكن الإسلام يوما-باعتباره عقيد و شريعة و منظومة أخلاقية-ليمنع الفضائل الكبرى أن تشيع أو أن تستقر، و لم يكن لأحكامه أن تمنع التواصل أو رد الجميل مع المخالف في الدين أو المعتقد، والذي عرضنا له مرارا في هذه الزاوية أن كل ما يتواطأ عليه العقلاء من مكارم أو فضائل يُباركه الإسلام و يُزكيه، و إذا كان العيش مع العقلاء يفرض أن لا نشذّ عنهم بمسلك يَشين، أو بخلق لا يليق فإنّ التميز الذي ندّعيه، و المكارم التي جاء بها الإسلام تستوجب من الأتباع الترقّي إلى مواقع متقدمة في التمثّل و التحلّي، ينظر إليها الأغيار بلهفة، و يتطلع إليها المدعوّ بشوق، أما أن يرمق المخالف حالنا بازدراء، أو أن يستقذر فينا خلالا تظهر، و أذواقا يُترفّع عنها فإن معنى ذلك أن ادعاءاتنا بالتمثل لغو، و أن زهونا بانتمائنا للدين عبث، يُثقل كاهل الفضائل، و لو كان لتوجعها صوت لبلغ الأسماع، و لو كان لمعاناتها أنين لضجّت به الأرجاء.
المُطعم بن عدي..يُذكر بعد وفاته أخرج البخاري في صحيحه (10 / 389) عن محمد بن جبير عن أبيه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر:" لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له." و الأمر مرتبط بشخصية المطعم هذا، و ما بدر منه حيال المسلمين، فقد ذكروا أنه قام إلى الصحيفة-التي ذُكرت فيها بنود الحصار-ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها، و ذكر ابن هشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما انصرف عن أهل الطائف ولم يجيبوه لما دعاهم إليه من تصديقه ونصرته صار إلى حراء، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره فقال: أنا حليف، والحليف لا يجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدى فأجابه إلى ذلك، ثم تسلح المطعم وأهلُ بيته، وخرجوا حتى أتوا المسجد، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله، ولأجل هذه السابقة التي سلفت للمطعم بن عدي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدى حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له." (عيون الأثر :1 / 179) قال الصالحي:" أي تركتهم أحياء، ولما قتلتهم من غير فداء، إكراما له وقبولا لشفاعته، فإنه كان ممن قام في نقض الصحيفة."(سبل الهدى و الرشاد:4/54) و أضاف ابن كثير في السيرة النبوية(2/154)قال:" فذهب إليه رسول الله صلى عليه وسلم فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة أو سبعة متقلدي السيوف جميعا، فدخلوا المسجد، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: طف، واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف، فأقبل أبو سفيان إلى مطعم فقال: أمجير أو تابع؟ قال: لا بل مجير، قال: إذا لا تخفر." تقليد جاهلي..و إجازة شرعية كان النبي صلى الله عليه و سلم في غنى عن ذكر المطعم بن عدي، و قد مات من أمد، و كان يسعه أن لا يشير إلى إحسانه له، و استجابته لطلب الجوار الذي تقدم به إليه عقب رجوعه من الطائف مطرودا حزينا، و ما أحسبه تلفّظ بذاك الكلام إلا ليذكِّر الأتباع بضرورة الوفاء لمن أسدى معروفا في الضيق، و لو كان كافرا، و بوجوب مكافأة المحسن، و لو كان على غير دين، و هل نذكِّر في هذا المقام بحديث النبي صلى الله عليه و سلم:" من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه." سنن أبي داود:(4 / 487) إن التنكّر لمثل هذه القيم لا يُترجم إلاّ بالخسّة، و لو تزيّت بألف شعار، و إن جحود الأفضال لا يُفسّر إلا بالأنانية، ولو تدثّرت بكل دثار، و الذين يبرِّرون القطيعة بالكفر ما كان لهم أن يلجأوا إلى أتباعه في أوقات العُسرة، و لا أن يطأوا الأرض التي تحت مِلكه في فترات الشدة، حتى إذا ما نجوا أو أمِنوا تنكروا لليد التي امتدّت إليهم بالإحسان، و لم يقْوَوْا على ذكر ما سلف من إنعام. وجدتُ سؤالا افتراضيا طرحه ابن الجوزي على لسان محتج ذاهل عن الحِكم، و منّيت النفس بجواب يسعف أو يقنع، لكنه لم يفعل، أو أن النقل عنه فيه ابتسار، قال الصالحي:" قال ابن الجوزي: ربما عرض لملحد قليل الإيمان فقال: ما وجه احتياج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يدخل في خفارة كافر، وأن يقول في المواسم: مَن يؤويني حتى أُبلِّغ رسالة ربي؟ فيقال له: قد ثبث أن الإله القادر لا يفعل شيئا إلا لحكمة، فإذا خفيت حكمة فعله علينا وجب علينا التسليم..."(سبل الهدى والرشاد: 2 / 441) لكنني أقدِّر أن الأمر لا يعدو أن يكون إعمالا للأسباب، و لو كانت من نبي يوحى إليه، و يترقب المدد من ربه، و إرشادا للأتباع أن ذلك لا يناقض التوكل، و لا ينقض عرى الإيمان، و إشارة إلى أن العلاقات الإنسانية قد لا تنقطع بالمرة حتى في عز الفراق، و أن التواصل البشري ينبغي أن يستمرّ حتى في أوج الصراع. و إذا جاز أن نسأل هذا السؤال فينبغي أن نسأل أيضا عن وجه احتياج النبي صلى الله عليه و سلم لعمه أبي طالب، و للحماية التي كان يوفرها له، في مواجهة العداء القرشي المتزايد، و كان ينبغي أن نسأل عما عُرف في السيرة بعام الحزن، و الذي كان من أسبابه موت العمّ، و انكشاف ظهر بفقده، حتى وقال "ما نالت قريش مني شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب." ثم وقفتُ على كلام لابن الجوزي في صيد الخاطر(1/59)يشير إلى هذا المعنى بوضوح فقال:" و من المتزهدين أقوام يرون التوكل قطع الأسباب كلها، و هذا جهل بالعلم، فإن النبي صلى الله عليه و سلم دخل الغار، و شاور الطبيب، و لبس الدرع، و حفر الخندق، و دخل مكة في جوار المطعم بن عدي و كان كافراً..." وجاء في(أصول الدعوة: 1 / 402):" وجه الدلالة في هذه الآثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي بحماية عمه أبي طالب له ودفعه الأذى عنه، وكذلك دخوله عليه الصلاة والسلام بجوار المُطعِم، فدل ذلك على جواز دفع البلاء والأذى عن الداعي ولو عن طريق حماية المشرك، وعدمِ استحباب تسليم المسلم نفسه لأهل الباطل، وكذلك فعل أصحاب رسول الله الذين هاجروا إلى الحبشة، فعندما رجعوا الى مكة لم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو متخفياً" ألم يكن الله قادرا إتمام الأمر لنبيه من غير المرور بهذه المحطات، إلا أن تكون الإشارة إلى الأسباب، والتلميح إلى الحفاظ على شعرة التواصل تمديدا و إرخاءا، و إذا أجزتَ لنفسك أن تطلب العون ممن يخالفك الرأي أو المعتقد، في مرحلة من المراحل، فينبغي عليك أن تُسلِّم بضرورة و مشروعية الرد على التحية بأحسن منها. 05
|
|
| |
|
|