الاثنين 27 ربيع الثاني 03 جمادى

الاثنين 27 ربيع الثاني 03 جمادى الأولى 1439هـ /الموافق لـ 15 - 21 جانفي 2018 العدد 893




القائمة الرئيسية
الصفحة الأولى
عـلى بصــيـرة
كلمة حق
مع رئيس التحرير
سانحـة
وراء الأحداث
بالمختصر المفيد
شعاع
مقامات البصائر
نظرات مشرقة
محطات
في رحاب القرآن
في رحاب السنة
عالــم الأفكــار
اسألوا أهل الذكر
ما قل و دل
حوارات
من نشاطات الشعب
خدمات
خواطر
روضة البصائر
الحديقة الأدبية
أخبر صديقك
المواضيع
المنتديات
راسلنا
معالجات إسلامية
متابعات
مـسـاهـمـات
قـافلة الجزائر-غزة
قضــايـا وآراء
الصحة والفقه
فـكرة قديمة


البحث




من يتصفح الآن
يوجد حاليا, 84 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا


مقالات سابقة
Wednesday, May 31
· نيل المرام في تحقيق مقاصد الصيام
· ابن باديس في فيلم سينمائي
· ترامب يحصد الدولارات من السعودية ويقدم الدعم لإسرائيل!
· "ترامب" في الرياض
· يوسف زيدان..التعبان..؟ا
· صيام الاحتساب..!
· عادي!
· شبابنا والطريق البديل
· المسلمون وبناء صروح العلم والحضارة
· استقبال شهر رمضان المبارك
Tuesday, May 23
· عسر الامتحان.. على نواب البرلمان
· انتقل الحبيب اللمسي إلى رحمة الله
· الشيخ البشير الإبراهيمي: موسوعة ثقافية ومنارة علمية
· الإشاعة.. والسياسة
· ذكرى العلامـــــــــة الإبــــــــراهيمي...
· لن تسلم البلاد إلا بالقضاء على أسباب الفساد...
· الرجل ـ الكتيبة
· هكذا يكون المؤمن حقا
· غيرة عمر..ومسارعة الوحي في هواه
· آخر من يدخل إلى الجنة
Tuesday, May 16
· جمعية العلماء: عظمت وما هرمت
· مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الثالثة والثمانينذ
· إيمانويل ماكرون ينقذ فرنسا من كارثة سياسية !
· الإشاعة.. والسياسة
· ماذا وراء إدمان النساء وانتحار الأطفال...؟
· "ترامب" في فلسطين
· أزمة وعي...
· ليلة القبر الأولى
· القيمة الحضارية والشرعية للسلم الاجتماعي
· فضائــل شهــر شعبــان

مقالات قديمة


  
ملف مالك بن نبي
بتاريخ 17-1-1436 هـ الموضوع: المواضيع
المواضيع

هكذا أصبح مالك بن نبي مفكراً عالمياً

أ د مولود عويمر*

 

ليس الهدف من كتابة هذه الدراسة توضيح رؤية مالك بن نبي حول مفهوم العالمية ومناقشة آرائه في اتجاه البشرية نحو العولمة في نهاية القرن العشرين. ولا شك أن هذا الموضوع في غاية الأهمية وجدير بالبحث، وقد أشرت إليه فقط في هذا النص، وربما سأعود إليه في فرصة أخرى، وإنما كان غرضي الأساس هو محاولة إبراز معالم أساسية في مسار بن نبي ترشد كل من ينصرف إلى تناول الموضوع السابق، وتساعده على معرفة خلفياته وفهم تحاليله واستيعاب استنتاجاته، وذلك من خلال الإجابة عن الإشكاليات التالية: كيف أصبح مالك بن نبي مفكراً عالمياً؟ ما هي الملامح الكبرى لعالمية فكره؟ إلى أين وصلت الدراسات العالمية حول فكر مالك بن نبي؟

اتصاله المبكر بالآخر

احتك مالك بن نبي بالأوروبيين الذين كانوا يعيشون في المجتمع الجزائري -بعد الاحتلال الفرنسي- ليستفيد من ثقافتهم ويتعرف أكثر على حضارتهم.

كان أيضاً معجباً بمعلمته الفرنسية التي أدركت نبوغ تلميذها وعرفت كيف تساعده على تطوير ملكته للمطالعة وشحذ ذكائه المتدفق. فتعلم اللغة الفرنسية لغة الغالب الآني (الفرنسية). كما سمحت له بالإطلاع على العالم واكتشاف تطور الثقافة. ووجد أيضاً في مدرسين فرنسيين آخرين نفس الاهتمام والتشجيع، وأقتبس هنا نصين من كتابه "مذكرات شاهد على القرنّ" عبّر فيهما عن هذه المعاني. قال في النص الأول:"وكان هذا المعلم (السيد مارتان) يثري تلاميذه بالمفردات ويطبع في نفوسهم الذوق وفن الكتابة. وكان يقرأ لنا أحياناً القطع الجيّدة التي كتبها من هم أكبر منا والذين قضوا في مدرسته أكثر من سنة. لقد طبع في نفسي هذا الأستاذ تذوّق القراءة." (مذكرات، ص 48). وقال كذلك في النّص الثاني: " كان الأستاذ بوبريتي قد فتح لي آفاقاً جديدة. ولم يكن ذلك بفضل دروسه المقررة علينا كتاريخ الأزمنة القديمة والأدب الفرنسي-وإن تكن هذه قد تركت أثرا لا ينكر- إنما بفضل توجيهاته فيما نقرأ من كتب." (مذكرات، ص 65)

لقد استفاد مالك بن نبي من هؤلاء المعلمين والمدرسين الفرنسيين تملك اللغة الفرنسية والإطلاع على الثقافات العالمية من خلال لغة العصر في تلك الحقبة أي الفرنسية. بينما لم يتأثر كثيراً بأيديولوجيتهم وتوجيهاتهم الغربية. فقد كان حلم هؤلاء المعلمين هو توجيه تلاميذهم الأوروبيين والمسلمين وخاصة المتميزين منهم من خلال دروسهم وتفانيهم في عملهم التربوي نحو التعلق بالحضارة الغربية والتمسك بالقيم الجديدة التي أفرزتها الحداثة وعلى رأسها تهميش الدين وإهمال العادات والتقاليد وتكريس العلمانية. وتؤكد العديد من البحوث العلمية ما ذهبت إليه وأشهرها كتابات عالمة الاجتماع فاني كولونا والمؤرخة إيفون تورين.

ويعترف مالك بن نبي نفسه بذلك بعد أن تدارك الخطر ونجا من التربية الاستعمارية في ثيابها الإنسانية. ويعود الفضل من نجدته إلى الدروس العربية والشرعية التي كان يأخذها على أساتذته الجزائريين في المدرسة الفرنسية الإسلامية والمسجد. ويتكرر هذا الإحساس عند بن نبي فيما بعد حينما يعيش في المجتمع الغربي، ويقيم في قلب الحضارة الغربية في فرنسا. فيأخذ منها إيجابياتها ويقاوم سلبياتها. فكان بهذا السلوك وفياً لمبادئه، ولم يقع فيما وقع فيه كثير من النخبة العربية المغتربة التي ذابت في الحضارة الجديدة، ونصبت العداء لثقافتها الأصيلة بعد عودتهم من بعثاتهم العلمية الأوروبية واستلامهم مقاليد مراكز التربية والتعليم و السلطة في البلاد العربية.

عندما نقوم بجرد قائمة الكتب التي قرأها مالك بن نبي في طفولته وشبابه نتأكد جميعاً أنه اطلع على تراث الإنسانية، فأضاف إلى بعده الجزائري أبعاداً جديدة في عالمه الفكري لتشمل كل الثقافات المعروفة آنذاك، فالعبقرية كما قال بن نبي "لا تولد فقط على ضفاف السين وضفاف التاميز، إنها يمكن أن تولد أيضاً على ضفاف الغانج.". وحينما أدرك هذه الحقيقة تحرّر ذهنه من القيود التي فرضها عليه الاستعمار.

وهكذا أصبحت مصادر بحث بن نبي متنوعة من حيث الروافد الحضارية، وثرية من حيث الاختصاصات، ومتجددة من حيث الموضوع، ففكره متأصل في التراث العربي والإسلامي، ومستلهم من الفكر الغربي، لذلك كانت كتاباته عميقة الجذور وشاملة الرؤية ومتفتحة على الآخر والمختلف، ومنتشرة في الآفاق، وممتدة في المستقبل.

العالم فضاء حضاري وليس جغرافي

لقد كان مالك بن نبي مولعاً بالسفر وحب المغامرات والرحلات، خاصة بعد أن قرأ روايات الكاتب الفرنسي جول فيرن، عميد أدب علم الخيال والمغامرات في العصر الحديث.

كانت هوايته في صغره النظر بعد الدرس في خارطة القسم والاستمتاع بخطوط العرض والطول وأسماء المدن والبلدان. وتحققت كثير من أحلامه، فسافر إلى فرنسا عدة مرات وسيتعرف فيما بعد على عواصم عالمية عديدة بعد انطلاق شهرته.

ولما عمل مالك بن نبي مدرساً للعمال الجزائريين في مدرسة صغيرة بمدينة مرسيليا حرص على أن يحرر طلبته من القيد النفسي والزمني والمكاني، واختراق الآفاق من خلال ترسيخ مفهوم اللانهاية في أذهانهم، عوضاً عن الاكتفاء بالدروس العادية في القراءة والكتابة والحساب. فكانت البداية بشراء خريطة كبيرة للعالم كان يستعين بها على توسيع تصور تلاميذه (العمال) المكاني للوجود: القرية، المدينة، العمالة، الوطن، القارة، الكرة الأرضية، الكون. وهكذا تعلم التلامذة الأبعاد الجغرافية المختلفة، وانتقلوا من الذهنية التبعية الضيقة للوجود إلى العقلية الرحيبة والشعور بالانتماء إلى العالم اللامنتهي.

لقد استطاع مالك بن نبي أن يعولم الجزائر بحيث حوّلها إلى فضاء تصنع فيه الأفكار والقيم والأحداث، فقد فرض كلمات جزائرية في قاموس الفكر المعاصر، وروّج لشخصيات وأماكن جزائرية مغمورة فعبرت الحدود الجغرافية المحلية وانتشرت في العالم.

كتابات عالمية منذ البداية

كانت منطلقات بن نبي إنسانية منذ بداية مشواره الفكري فقد اهتم بقضايا ذات بعد عالمي فكتبه الأولى تكشف بداياته التي كانت منصبة على مناقشة أطروحات لمؤرخين ومستشرقين ذات الصيت العالمي. فكتابه الأول المعنون "الظاهرة القرآنية" هو مناقشة ودحض لنظرية المستشرق البريطاني مرجليوث في الشعر الجاهلي. وهي نظرية خطيرة لم تقف عند حدود أوروبا بل تجاوزتها، فتبناها مثقفون من العالم العربي وروّجوا لها، كما فعل طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي."

وفرضت نفسها كإشكالية أساسية في الحياة الثقافية العربية، وقامت حولها معارك أدبية وفكرية انقسمت النخبة بين مناصر ومعارض. وهذه النظرية تقول بوهمية الشعر الجاهلي إذ أن هذا التراث القديم في نظر أصحابها ليس له صلة بالحقيقة، وإنما هو من صميم الخيال العربي.

وكان الهدف من كل هذا الصخب الفكري والأيديولوجي هو السعي للتشكيك في آيات من القرآن التي ورد فيها تحد صريح للعرب للإتيان بسور أو آيات في مثل بيان القرآن.

صحيح أن الصراع كان في ذروته في مصر إلا أن بن نبي الجزائري الذي كان يعيش في بلاد مشغولة بقضايا أخرى، اقتحم هذا الميدان وهو مازال شاباً ليشارك في هذا النقاش الكبير الذي هز الثقافة العربية والإسلامية. فكتاب "الظاهرة القرآنية" هو إذن خروج من عالم أفكار ضيق إلى التموقع في عالم أفكار واسع ذي أبعاد علمية كونية.

والكتاب الثاني هو "شروط النهضة الجزائرية". وعلى الرغم من ورود كلمة جزائرية في العنوان فإن الكتاب درس إشكالية النهضة والحضارة من جوانب ومقاربات تتجاوز الجزائر بكثير. وهذا ما دفع بن نبي نفسه إلى حذف هذه الكلمة الأخيرة في الطبعات الأخرى، والاكتفاء نهائيا بعنوان "شروط النهضة".

ذلك أن بن نبي انطلق من نظرية وضعها المستشرق الألماني هرمان دي كسرلنج صاحب كتاب "البحث التحليلي لأوروبا"، وهذا ما صرح به بن نبي منذ الصفحة الأولى من كتابه. كما ناقش في الكتاب نفسه النظريات الكبرى التي عالج من خلالها كبار مفكري القرنين التاسع عشر والعشرين (كارل ماركس، أزوالد شبنغلر، أرنولد توينبي...)  قضايا التاريخ والحضارة والتطور ومصير الإنسان.

وهكذا نلاحظ أن بن نبي كان منذ بدايات اشتغاله بالفكر وولوجه إلى عالم الكتابة سالكاً طريق عالم أفكار أوسع، فلم يهتم فقط بقضايا محلية ويقتصر على معالجتها في أفق محدود، بل طرحها في أبعادها الإنسانية وتناولها من مقاربات شاملة.

أما الكتاب الثالث: "وجهة العالم الإسلامي" فهو أيضاً عبارة عن مناقشة وتحليل لكتاب "الاتجاهات الحديثة في الفكر الإسلامي" للمستشرق الكبير هاملتون جب، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد. يقول بن نبي في شأن هذا الكتاب: " هو سند له عندي وزن كبير". ويقول عنه في مكان آخر: "كتاب المستشرق الإنجليزي يعتبر مرشداً ثميناً لكتابي هذا في دراسة الأمراض (شبه الصبيانية) في العالم الإسلامي، ولكم أتمنى أن يتأمل موضوعاته كثيرون من المسلمين، كما تأملتها، وأن يقدروا فيه نزاهته التي سمت على كل مركب عقيدي أو سياسي."

لقد اهتم مالك بن نبي بأربع قضايا كبرى، وكلها تحمل الباحث المشتغل بها في طريق المستقبل، وان كانت مواضيعها مرتبطة بالتاريخ، وهي: التراث الإسلامي، الحضارة المعاصرة، العلوم الاجتماعية، النهوض الحضاري. فبن نبي سبح في محيط التراث الإسلامي، واستنبط منه معالم هادية، ثم توقف عند مسالك الحضارة المعاصرة وناقش عوائقها وبيّن فرصها. كما عالج المنهج الغربي في التعامل مع الوجود في جميع عناصره وأشكاله وأبعاده المختلفة. وكان غاية فكره هو استلهام من كل العناصر السابقة لتأسيس نهضة جديدة في العالم الإسلامي بكل مكوناته.

واقع الدراسات العالمية حول مالك بن نبي

تفطن مالك بن نبي مبكراً إلى أهمية ترجمة كتبه من الفرنسية إلى العربية لبناء جسور التواصل مع النخبة العربية والإسلامية خاصة بعد أن اكتشف خلال إقامته في القاهرة واتصاله بالطلبة العرب والمسلمين الذين كانوا يحضرون ندوته الأسبوعية في بيته وأصبحوا فيما بعد خير سفراء لفكره. أسرع بن نبي إلى تعريبها مستعيناً ببعض مريديه كاللبناني عمر كامل مسقاوي والمغربي عبد السلام الهراس والمصري عبد الصبور شاهين.

كما حرص على الولوج إلى الوسط الفكري العربي ونشر أفكاره بلا حدود، فوضع لكتبه الأولى المعربة تصديرات بأقلام مفكرين معروفين أمثال الأستاذ محمود شاكر، الدكتور محمد عبد الله دراز، والأستاذ محمد المبارك. كذلك حرص على إهداء نسخ من كتبه إلى الشخصيات المؤثرة آنذاك في عالم السياسة والثقافة في الدول العربية والإسلامية وغيرها، سواء بالمراسلة أو تسليمها لهم مباشرة خلال زياراته لهم مثل الرئيس جمال عبد الناصر والزعيم الصيني ماو تسي تونغ، معمر القذافي...الخ.

لقد تزايد الاهتمام بفكر مالك بن نبي في العالم الإسلامي وفي الغرب. وترجمت كتبه إلى العربية والفرنسية والإنجليزية وغيرها من اللغات. وأقيمت حوله عدة مؤتمرات دولية تناولت بالبحث والدراسة فكره من جوانب متعددة. وأنجزت حوله رسائل جامعية في جامعات جزائرية وليبية ومصرية ولبنانية وسورية وسعودية وفرنسية وبريطانية وأمريكية ...الخ. كما نشرت حوله كتب ومقالات كثيرة بلغات متباينة في دول متعددة.

ليس غرضي هنا تحليل كل ما كتب عن فكر مالك بن نبي، فذلك يحتاج إلى بحث مستقل، ولكن لا بأس أن أشير هنا إلى الأرقام التالية التي تلخص ما أحصيته من كتابات حول مالك بن نبي (باللغات العربية والفرنسية والانجليزية)، ونشرتها بالتفصيل في الطبعة الأولى (2011) من كتابي مالك بن نبي في الكتابات المعاصرة: 26 كتاب، 28 رسالة جامعية، 210 مقال وبحث، 40 محاضرة، 28 حوار وشهادة، والمجموع 332 عمل. ويتضمن كتابي في طبعته القادمة أكثر من 400 عنوان.

وتوصلت كل هذه الدراسات إلى القول بنجاح بن نبي في وضع نظريات أو مشروع فكري متكامل لميلاد مجتمع، وارتقائها إلى النظريات الكبرى التي وضعها عمالقة الفكر الإنساني. ولعلّ هذا ما دفع عديد من المؤسسات العلمية التي اعترفت بالقيمة العلمية لأفكار مالك بن نبي وأبعادها الإنسانية إلى ترشيحه لنيل جائزة نوبل العالمية للسلام تقديراً لإسهاماته في حل مشكلات الإنسان المعاصرة.

لم أجد خلال دراستي لفكر بن نبي من ينافسه في معالجة مشكلات الإنسان من حيث شموليتها الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلا ابن خلدون وكارل ماركس. فإذا استطاع المتأثرون بابن خلدون أن يؤسسوا الخلدونية، وتمكن المعجبون بماركس من تأسيس الماركسية، فلماذا عجز لحد الآن تلامذة بن نبي والمتأثرون بفكره -على كثرتهم- أن ينشئوا "البنابية" رغم عبقرية هذا المفكر واكتمال مشروعه الفكري؟

·      رئيس التحرير


***************************

 

معرفة الغرب في السياق الحضاري؛ قراءة في تراث مالك بن نبي

بدران بن الحسن

 

نحاول في هذه الدراسة أن نتناول تراث مالك بن نبي الفكري بالدراسة والتحليل فيما يتعلق بموضوع جهوده في بناء منظور متميز للتعرف على الغرب الحضاري ودراسته والاستفادة منه ونقده بما يخدم المشروع الحضاري للعالم الإسلامي، يوفر له مفاتيح معرفية للتعامل مع الظواهر الحضارية والاستفادة منها في بناء حضارتنا الإسلامية من جديد في دورتها الثانية.

ومن أجل تفهم أكثر، فإني قمت بتقسيم هذه الدراسة إلى أربع حلقات تهدف الحلقة الأولى إلى بناء مقدمات نظرية تتضمن الإطار النظري لمعرفة الغرب، والحاجة إلى معرفة الغرب وتحديد الصلة به. أما الحلقة الثانية فتتضمن مناقشة مادية الحضارة الغربية (باعتبارها رؤية تصورية عن الخالق والكون والحياة والإنسان)، في حين أن الحلقة الثالثة تتناول الفعالية الحضارية الغربية والنزعة الجمالية وأثرهما في تشكيل أنماط الحياة الغربية، أما في الحلقة الرابعة فإن الدراسة تتجه إلى مناقشة العولمة الغربية باعتبارها محاولة غربية لاستعادة الهيمنة على العالم في مرحلة ما بعد الحداثة، وفي الأخير نختم بحلقة خامسة نعمل على حوصلة مساهمة بن نبي في بناء علم "الاستغراب" وآفاق الاستفادة من تراثه الفكري في هذا المجال وتعميقه وتحقيق خطوة أكثر منهجية وعمقا، وتنتقل إلى بناء حقل معرفي بدأت معالمه تتشكل بوضوح يهدف إلى دراسة الغرب ومعرفة أنساقه الثقافية وإطاره الحضاري وخصائصه وأنماط حياته المتنوعة.

مثلت العلاقة بالغرب في خطاب التجديد الإسلامي محورًا مهمًا، ويكاد الغرب يكون عاملاً حاضرًا في كل الخطابات الإسلامية منذ الغزو الاستعماري للعالم الإسلامي في القرن التاسع عشر، وكانت الدراسات الإسلامية للحضارة الغربية لم تتجاوز في أغلبها النظرة الحدية التي اتسمت بها ثقافة رجل ما بعد الموحدين؛ فالغرب إما طاهر مقدس، وإما دنس حقير. كما لم تتجاوز في معظمها خطاب التحذير والتعبئة. وذهب كثير من المفكرين لدراسة الظواهر المصاحبة للهيمنة الغربية على العالم بشيء من الاجتزاء والقصور.

غير أن هناك بعض المحاولات المبكرة في الفكر الإسلامي المعاصر، حاولت أن تؤسس لخطاب علمي يتجه إلى البحث في عمق الظاهرة، وتتبع جذورها وصيرورتها، وآثارها وانعكاساتها على الواقع الإسلامي، كما اتجهت إلى دراسة التجربة الحضارية الغربية في خصائصها، ومدى إسهاماتها في الحضارة الإنسانية وآثارها عليها، مما أفرز توجهات ومؤسسات أكاديمية إسلامية كثيرة، تحاول أن تجعل من دراسة الغرب في حضارته وثقافته حقلاً معرفيًا، تدرس من خلاله التطور التاريخي للحضارة الغربية، وكيفية تشكل المفاهيم الغربية في ارتباطها مع الوعي الغربي، وانضوائها في نسق معرفي وحضاري عام للحضارة الغربية، وذلك من منظور حضاري إسلامي يحيط بالمشكلة ويحللها ويدرسها، ثم يقدم التصورات والحلول العلمية والعملية لمسألة التخلف الحضاري في العالم الإسلامي، باعتبار غياب الحضارة الإسلامية الفاعلة المشكلة المركزية التي يتخبط فيها العالم الإسلامي.

ومهمة مثل هذه تحتاج إلى تراكم الخبرات المعرفية، سواء عن طريق البحث في جوانب من الظاهرة الحضارية الغربية في صلتها بالمشكلة الإسلامية، أو في نقد الرؤى والتصورات والأطروحات التي قام بها رواد الفكر الإسلامي في هذا المجال، وذلك لضمان التواصل العلمي، وتأسيس تقاليد علمية تتجاوز نطاق التجارب الفردية المعزولة عن بعضها، وتتحول إلى حقل معرفي للدراسات المتخصصة التي تركز بحثها في الغرب؛ لفهمه، وفهم أنساقه الثقافية والمعرفية، وأنماط حياته، وتقديم خلاصة علمية للاستفادة منها في تحقيق الخروج من حالة التخلف والتراوح والتبطل التي تعاني منها أمتنا الإسلامية.

ولقد كان لمالك بن نبي محاولة رائدة فيما يتعلق بدراسة الظاهرة الحضارية عمومًا، والظاهرة الغربية بوجه خاص، ومدى صلتها بالوعي الإسلامي، وصلتها بالمشكلة الحضارية في العالم الإسلامي.

ويمثل مالك بن نبي عليه رحمة الله حلقة مهمة في مشروع دراسة الحضارة عموما ودراسة الحضارة الغربية بوجه خاص لما يمثله من نقطة انطلاق منهجية مهمة لتعميق الوعي، وتأسيسه على قواعد بيّنة، وإعطائه مداه الواسع، لنتمكن من تحديد موقع الحضارة الغربية ومكتسباتها المختلفة في مشروعنا الحضاري الإسلامي، في سبيل تحقيق العودة إلى صناعة التاريخ وبناء الحضارة الإسلامية من جديد لتمارس أمتنا دورها في القيادة والشهادة.

وفي هذا السياق، فإن مالك بن نبي تناول دراسته للحضارة الغربية في إطار عام من خلاله صاغ مجموعة من المفاتيح المنهجية لفهم الغرب والتعامل معه. فهو أولاً حدد إطاره النظري الذي من خلاله درس الحضارة الغربية، ثم بين أهمية ومبررات التعامل مع الغرب، ثم حدد أهم الخصائص الحضارية للغرب.

1 - الإطار النظري لمعرفة الغرب: المنظور الحضاري.

يرى مالك بن نبي "أن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها". هذه المقولة تبين الإطار النظري العام الذي صاغ وفقه بن نبي تصوره لحل مشكلة التخلف الحضاري للعالم الإسلامي.

ولهذا فإن المسألة الحضارية أو بتعبير أدق "مشكلات الحضارة" كانت محور اجتهاده الفكري لصياغة منظور يمكن من خلاله استيعاب مختلف المشكلات التي اكتنفت المجتمع الإسلامي واختلفت مسمياتها من جهة إلى أخرى. كما سعى لإيجاد وحدة فهم وتحليل لمختلف تمظهرات الأزمة ومدخل منهجي مناسب لإعادة بناء حضارة العالم الإسلامي من جديد.

ونجد هذا الوضوح في الهدف ووحدة الجذر لمختلف المشكلات واضحا في مواضع كثيرة من تراثه الفكري المدون في كتبه أو الذي دونه عنه أصدقاؤه وتلاميذه. وفي هذا السياق ينقل إلينا أحد الباحثين موقف نبي واضحا بقوله: "أعتقد أن المشكلة التي استقطبت تفكيري واهتمامي منذ أكثر من ربع قرن وحتى الآن، هي مشكلة الحضارة". ولذلك فإنه اتجه في كل إنتاجه الفكري إلى محاولة صياغة منظور يمكن من علاج مختلف المشكلات المتعلقة بالظاهرة جوهر اهتمامه.

وفي سياق بحثه عن تطوير منظور يتناول مشكلات الحضارة فإن بن نبي أعطى اهتماما خاصاً بالحضارة الغربية باعتبار إشعاعها العالمي وتأثيرها على العالم سلبا وإيجابا خلال القرنين الأخيرين.

ولذا فإنه وقف موقفا نقديا من التيارات الفكرية السائدة في العالم الإسلامي في زمنه سواء التيارات التي رأت في الغرب مصدراً للشر فرفضته جملة، أو التي رأت الغرب الحضارة عينها ولا مناص من اتباعه في مساره الحضاري لإدراك الحضارة وتحقيق التحديث والخروج من حالة التخلف الحضاري في العالم الإسلامي.

وقد دعا بن نبي إلى "معرفة الغرب" واتخاذ موقف علمي منه وتطوير خبرات وآليات للتعامل مع الحضارة الغربية بما يحقق لنا التميز الحضاري الذي نريده وفي الوقت نفسه نبني مع الغرب علاقات حضارية قائمة على الاستفادة والإفادة وفق معايير حضارية إسلامية.

ومن هنا فإن مالك بن نبي قام بعملية نقدية للذين ينظرون إلى مشكلة العالم الإسلامي بسطحية ومعزل عن التيار العام للإنسانية، والقانون الذي يضبط انتقال الحضارة في شروطها النفسية والاجتماعية. ويعبر عن ذلك بقوله: "هذه الملاحظات تدفعنا إلى أن ننتقد مسلك بعض الباحثين حين ينظرون إلى ظاهرة (الحضارة) منفصلة عن ظاهرة (الانحطاط)؛ وإن العالم الإسلامي لفي حاجة ماسة في هذه النقطة إلى أفكار واضحة تهدي سعيه نحو النهضة، ولهذا فإن مما يهمنا في المقام الأول أن نتأمل الأسباب البعيدة التي حتمت تقهقره وانحطاطه".

وفي دراسته لانحطاط العالم الإسلامي، والسبيل إلى تحقيق النهضة، دعا مالك بن نبي إلى تأمل دورة التاريخ وتسلسله، لتحقيق إدراك واعٍ بمكاننا من دورة التاريخ، وأن ندرك أوضاعنا، وما يعترينا من عوامل الانحطاط، وما ننطوي عليه من أسباب التقدم. فإذا ما حددنا مكاننا من دورة التاريخ، سهل علينا أن نعرف عوامل النهضة أو السقوط في حياتنا. فتحديد المكان الذي نوجد فيه يسهِّل علينا كثيرًا معرفة إمكانياتنا، كما يساهم في تحقيق الوعي بأسباب التخلف وعوامل النهوض الكامنة في ذاتنا، وإذا ما غاب هذا التحديد، فإننا قد ننهمك في حل إشكاليات ليست حقيقية، أو إشكاليات لها صلة واهية أو معدومة بأزمتنا الحضارية. إذ من الواضح أن الفرق شاسع بين مشاكل ندرسها في إطار الدورة الزمنية الغربية، ومشاكل أخرى تولدت في نطاق الدورة الإسلامية. فهناك فرق بين مشاكل مجتمع يعمل على التخلص من ركام التخلف والدخول في دورة حضارية جديدة، وبين مشاكل مجتمع في قمة حضارته.

ولعل من أعظم ملامح زيغنا وتنكبنا عن طريق التاريخ، أننا نجهل النقطة التي منها نبدأ تاريخنا، مما جعلنا نراوح المكان، بين أن نحتمي بالتاريخ، أو نطفر إلى الإمام طفرة عمياء في حركتنا نحو الغرب.  

ولهذا يؤكد مالك بن نبي أنه "لا يجوز لأحد أن يضع الحلول والمناهج، مغفلاً مكان أمته ومركزها، بل يجب عليه أن تنسجم أفكاره، وعواطفه، وأقواله، وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته، أما أن يستورد حلولاً من الشرق أو الغرب، فإن ذلك تضييعًا للجهد، ومضاعفة للداء، إذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار".   

وإدراك الفرق بين الدورة الحضارية الإسلامية والدورة الحضارية الغربية لا يدفع إلى الانعزال عن بقية الإنسانية والتعلم من التجارب التي يتم إنجازها، وبخاصة في عالم يشهد انحسار الحدود، وتقريب المسـافات بين الشعوب والأمم والحضارات، مما يدفعنا إلى تحديد مكاننا من منطلق واقع اجتماعي معيش.

من هذه الرؤية الواقعية ينطلق مالك بن نبي معتبرا أن العالم يتجه نحو التوحد، ولا يمكن للعالم الإسلامي أن يعيش في عزلة. وعلى الرغم من أن حلول مشكلات العالم الإسلامي لا تأتي من خارج حدوده، فإنه مطالب بأن يتعلم من التجارب الإنسانية، ومنها التجربة الغربية، التي شهدت إنجازات كبرى كما شهدت إخفاقات رهيبة في جوانب أخرى تتصل من قريب أو من بعيد بالمشكلة الحضارية الإسلامية في بعض جوانبها.

ولهذا ينبغي أن ينشأ علم خاص بدراسة الحضارة الغربية وطرق التعامل معها والسياق الحضاري لعلاقتنا بها. وفي هذا المضمار فإن ابن نبي كان شديد الاهتمام بمعرفة الغرب وفق منظور حضاري متكامل لما لهذه الحضارة من حضور وإشعاع وتدخل في نشأة أو تطور كثير من المشكلات التي نعاني منها أو نواجهها.

2.   الحاجة إلى معرفة الغرب وتحديد طبيعة الصلة به:

يقول ابن نبي، وهو يتحدث عن صلة الغرب بالمشكلة الحضارية في العالم الإسلامي: "ولا شك أن هذا الإشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب، هو الذي يجعل من فوضاه الحالية مشكلة عالمية، ينبغي أن نحللها وأن نتفهمها في صلاتها بالمشكلة الإنسانية عامة، وبالتالي بالمشكلة الإسلامية".   

وهذا لا يجعل العالم الإسلامي تابعًا في حلوله للغرب، وإنما يتطلب منه أن يعرف التجارب حتى يتحقق من مدى نسبيتها ومدى قابليتها للنقل والاستفادة، فإذا ما أدرك العالم الإسلامي أن صدق الظواهر الغربية مسألة نسبية، فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيها، كما سيعرف جوانب عظمتها الحقيقية، وبهذا تصبح الصلات مع العالم الغربي أكثر خصوبة، ويسمح ذلك للنخبة المسلمة أن تمتلك نموذجها الخاص، تنسج عليه فكرها ونشاطها. فالأمر يتعلق بكيفية تنظيم العلاقة وعدم الوقوع في الاضطراب كلما تعلق الأمر بالغرب.

فالعالم الإسلامي منذ بداية الجهود التجديدية الحديثة يضطرب، كلما تعلق الأمر بالغرب، غير أن هذا الأخير لم يعد له ما كان يتمتع به من تأثير ساحر، وجاذبية ظفر بها على عهد أتاتورك.. فالعالم الغربي صار حافلاً بالفوضى، ولا يجد فيه المسلم الباحث عن  النظام نموذجًا يحتذيه، بقدر ما يجد فيه نتائج تجربة هائلة ذات قيمة لا تقدر، على الرغم مما تحتوى من أخطاء، بل بسبب ما بها من أخطاء.  

فالغرب تجربة تعد درسًا خطيرًا لفهم مصائر الشعوب والحضارات، فهي تجربة مفيدة لبناء الفكر الإسلامي، وتحقيق الوعي السنني، الذي ينسجم مع البعد الكوني لحركة التاريخ، ذلك البعد الذي يسبغ على حركة انتقال الحضارة قانونًا أزليًا أشار إليه القرآن في قوله تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس}(آل عمران، 104).  

فالتأمل في هذه التجربة التي صادفت أعظم ما تصادفه عبقرية الإنسان من نجاح، وأخطر ما باءت به من إخفاق، وإدراك الأحداث من الوجهين كليهما، ضرورة ملحة للعالم الإسلامي في وقفته الحالية، إذ هو يحاول أن يفهم مشكلاته فهمًا واقعيًا، وأن يقوم أسباب نهضته كما يقوّم أسباب فوضاه تقويمًا موضوعيًا

وحتى تنظم هذه العلاقات، ويستفاد من هذه التجربة البشرية، ويدرك مغزى التاريخ، لا بد من فهم هذا الغرب في عمقه، وتحديد خصائصه، ومعرفة ما يتميز به من إيجابيات وسلبيات، حتى لا تكون معرفتنا به سطحية مبتسرة، وأفكارنا عنه عامة وغير نابعة من إطلاع متأمل، وبالتالي يكون وعينا به مشوهًا أو جزئيًا. ولهذا ينتقد ابن نبي النخب المسلمة في صلتهم بأوروبا، بأنها صلة تجارية أو وظيفية، بدل أن تكون صلة تأمل وإدراك لسر حركة التاريخ في أوروبا والغرب عموما، فيقول: "نرى أن الطالب المسلم لم يجرب حياة أوروبا، بل اكتفى بقراءتها، أي أنه تعلمها دون أن يتذوقها. فإذا أضفنا إلى ذلك أنه ما زال يجهل تاريخ حضارتها، أدركنا أنه لن يستطيع أن يعرف كيف تكونت، وكيف أنها في طريق التحلل والزوال لما اشتملت عليه من ألوان التناقض، وضروب التعارض مع القوانين الإنسانية".

وإذا كان القرن العشرين قد تميز بتقريب المسافات، واتجاه البشرية نحو التوحد، في مصيرها، وفي علاقاتها، فإن المثقف المسلم نفسه ملزم بأن ينظر إلى الأشياء من زاويتها الإنسانية الرحبة، ويرتقي إلى إطار الحضور العالمي، وعيًا وإنجازًا، حتى يدرك دوره الخاص ودور ثقافته في هذا الإطار العالمي، إذ لا يمكن أن نطرح مشاكلنا في زمن العولمة، دون أن نأخذ في الاعتبار كل المعطيات السياسية والتاريخية والجغرافية

وتحديد الصلة بالغرب وبغيره من الكيانات الحضارية، يمكننا من الوصول إلى تحديدين مهمين في إنجاز مشروعنا الحضاري التجديدي؛ التحديد الأول; هو التحديد السلبي، من خلال إدراك نسبية الظواهر الغربية، ومعرفة أوجه النقص فيها وأوجه العظمة الحقيقية. والتحديد الثاني; هو التحديد الإيجابي، من خلال تحديد ما يمكن أن نسهم به في ترشيد الحضارة الإنسانية وهدايتها. وهذا في حد ذاته ينضج ثقافتنا ويعطيها توجهًا عالميا.

فمن المفيد قطعًا أن ننظر إلى مشكلة الثقافة من زاوية عالمية… فإذا ما أدرك المثقف المسلم مشكلة الثقافة من هذه الزاوية، فسوف يمكنه أن يدرك حقيقة الدور الذي يناط به في الحضارة المعاصرة.    

ففي هذا العصر؛ عصر العولمة، هناك وحدة في المشكلة الإنسانية تنبثق عن المصير المشترك[18]، وتجعل التاريخ الانساني موحداً، ولذا فإن ابن نبي يؤكد ذلك بقوله: “فوحدة التاريخ تتأكد في القرن العشرين [والواحد والعشرين] بطريقة لا تدع مجالاً لفكرة (الوحدات التاريخية) المستقلة، التي تفهم فيها كل وحدة في حدودها؛ فلقد دخلت الإنسانية مرحلة لم يعد ممكنًا فيها تحديد مجال الدراسة الخاص على طريقة (توينبي). ولعله للمرة الأولى ينبغي على التاريخ أن يضع مشكلته وضعًا منهجيًا.  

ولهذا علينا بأن نولي عناية خاصة بأهمية الرؤية المتوازنة للأشياء، ولحركة التاريخ، ولتطور مسار الحضارة. ذلك أن موقف المثقفين المسلمين من الغرب، ما زال موقفا حديا جزئيا مفككا تغلب عليه ثقافة عهد ما بعد الموحدين؛ تلك الثقافة الحدية الجزئية التي ترى أن الشيء إما طاهر مقدس وإما دنس حقير، ولا تعطي مكانا لاحتمالات أخرى أكثر توازنا ونضجا وسعة.

ولذا يرى ابن نبي أن عددًا كبيرًا من المسلمين، لم يرحل في طلب العلم بالغرب، ودراسته في جوهره. فالحركة الحديثة “لا تعدو على هذا مستوىً يتخبط فيه مجتمع فقد توازنه التقليدي، إذ هي مكونة في جوهرها من عناصر خالية من المعنى، مأخوذة عن المدرسة الاستعمارية، ثم يضاف إلى هذه العناصر، بعض العناصر الأخرى التي التقطتها اتفاقًا الشبيبة الجامعية، التي نشأت في طبقة متوسطة، وأقامت في أوروبا إقامة قصيرة لم تهدف من خلالها إلى معرفة الحضارة الغربية 

ومن ثم وجدنا المسلم يحكم على الحضارة الغربية والنظام الغربي الذي يحيط به أو الذي يستشعر وجوده في مطالعاته المبتورة، فأفكاره عن الحضارة الغربية تصدر عن ذلك الحكم المبتسر، وعن تلك العلاقة السطحية -الوظيفية أو التجارية- بينه وبينها. وهذا مرض متجذر في ذاتنا منذ قرون مضت، حينما صار الفكر الإسلامي عاجزًا عن إدراك حقيقة الظواهر، فلم يعد يرى منها سوى قشرتها; وأصبح عاجزًا عن فهم القرآن، فاكتفى باستظهاره، حتى إذا انهالت منتجات الحضارة الغربية على بلاده اكتفى بمعرفة فائدتها إجمالاً، دون أن يفكر في نقدها، وتفهمها، وغاب عن وعيه أنه إذا كانت الأشياء قابلة للاستعمال، فإن قيم هذه الأشياء قابلة للمناقشة.

فصرنا لا نكترث بمعرفة كيف تم إبداع الأشياء، بل نقنع بمعرفة طرق الحصول عليها، فاستحكم فينا ذهان السهولة، وهكذا كانت المرحلة الأولى من مراحل تجديد العالم الإسلامي، مرحلة تقتني أشكالاً دون أن تلم بروحها، فأدى هذا الوضع إلى تطور في الكم، زاد في كمية الحاجات دون أن يعمل على زيادة وسائل تحقيقها، فانتـــشر الغــرام بكل ما هو مستحدث، وكان الأولى التفريق بين عمق الحضارة ومظاهرها السطحية. وذلك من خلال رؤية شاملة ومنهج واضح المعالم والخطوات من أجل معرفة متوازنة وعلمية بالغرب وتحديد منهجي مثمر لعلاقتنا به.


********************************

 

مالــك بن نبــي، ذلك المستشرف المغيَّب1...

 

أ. أميــر نــور *

 

 

بتبصر و برؤية ثاقبة تنبأ الأستاذ مالك بن نبي باكراً بوقوع الفوضى العارمة التي يتخبط فيها العالم الإسلامي اليوم. إذ صرح في سنة 1956 بأن "العالم الإسلامي في مرحلة مخيفة من مراحل السديم المتخلق، حيث لم تدخل العناصر كلها في البناء طبقا لنظام خاضع لقوانين محددة، ومن الجائز أن تؤدي مرحلة التخلق إلى نظام إسلامي، أو إلى فوضى شاملة تغرق فيها جميع القيم التي جاء بها القرآن إلى العالم. و لكن القرآن دائما على أهبة الاستعداد لتكرار معجزته...إن شاء الله".2 

كما أشار في مقدمة الطبعة الثانية التي وضعها في سنة 1970 لكتابه المتميز "وجهة العالم الإسلامي" إلى أن: " الصراع الأيديولوجي قد بلغ ذروته في العالم و أمواجه الجارفة تضرب البلدان الإسلامية (...) ففي الوقت الذي  تهبّ فيه أعتى الرياح في التاريخ على العالم، مزيحة من الوجود حكومات متجذرة و مؤسسات عمرّت لآلاف السنين، فإن الإسلام ذاته قد يتزعزع. لقد تعرض العالم الإسلامي لهزّتي 1948 و جوان 1967. أما الثالثة فستغرقه بالتأكيد، إذا لم يحسب المسلمون حساب الأحداث المأسوية لهذا الزمن و اكتفوا فقط بمتابعتها بخطى وئيدة. لقد ولّى ذلك العهد الذي يمكن فيه للمجتمعات أن تعيش في انتظار أن تلاقي يوم ما، صدفة على الطريق، وجهتها التاريخية. اليوم، يجب أن نعرف، وابتداءا من الخطوات الأولى، الهدف البعيد الذي نشد إليه الرحال"3.

وإلى غاية آخر لحظات عمره، لم يتوان بن نبي عن دق ناقوس الخطر للفت أنظار المسلمين إلى التحديات القائمة والمصاعب التي تحيط بهم. ففي حديث خص به مجموعة من المثقفين التونسيين الذين أدوا زيارة له في منزله بالجزائر، أفاد بما يلي: " إننا نمر بفترة مفصلية و منعرج حاسم، مما يقتضي القيام بتغييرات ثورية : فإما أن نقوم نحن المسلمون بالتغيير في مجتمعاتنا و إما طبيعة العصر ستفرض علينا تغييرات من الخارج (...) لأن هذه هي روح العصر. فالذي يجب أن نؤكد عليه أولا و أن تتذكروه دائما هو أننا إذا لم نقم نحن بثورتنا فان التغيير سوف يأتي من الخارج و ُيفرض علينا فرضاً ".

 

هذه الكلمات الصائبة ليست وليدة الحدس، بل هي على العكس نتاج لقراءة مستنيرة وعميقة للأحداث الماضية و استشراف مبني على فكر موضوعي خال من العاطفة فيما يتعلق بالديناميكية الداخلية للمجتمع الإسلامي. وهي كذلك وصية "شاهد القرن"4، و"رجل ما قبل البارحة و أكثر من ذلك رجل ما بعد الغد"5 أخطأ العالم الإسلامي على وجه الخصوص، و العالم أجمع بعدم الإصغاء إليه بالشكل الكافي...    

و يتبين لنا اليوم بإعادة قراءة كتابه "وجهة العالم الإسلامي" الذي ألّفه بعد نكبة 1948،  أن الإشكالية التي طرحها، تلك التي تخص أسباب انحطاط العالم الإسلامي و سبل ووسائل نهضته، مازالت تحتفظ براهنية حادة.

بعد قيامه بتحليل مفصل لهذا الوضع المتقهقر، لاسيما منذ سقوط دولة الموحدين، التي حكمت المغرب العربي و جزءا من الأندلس إلى غاية نهاية القرن الثالث عشر، استنتج بن نبي أنه "طالما ظل مجتمعنا عاجزا عن تصفية هذه الوراثة السلبية التي أسقطته منذ ستة قرون، ومادام متقاعسا عن تجديد كيان الإنسان طبقا للتعاليم الإسلامية الحقّة، ومناهج العلم الحديثة، فإن سعيه إلى توازن جديد لحياته وتركيب جديد لتاريخه سيكون باطلا عديم الجدوى."

و يرى المفكر مالك بن نبي أن مأساة العالم الإسلامي المزمنة، تتجسد في إنسان ما بعد الموحدين "الذي يتحدى الزمن كرواسب تاريخية ضارة يستحيل القضاء عليها. فالمعضلة الأساسية تضل دون شك لصيقة بالإنسان و هي ليست بحديثة العهد".

 

أسبــاب الانحطاط

لقد ظهرت الجذور التاريخية التي أدت إلى انحطاط العالم الإسلامي مع أول انفصال تجسد في معركة صفين، في السنة السابعة و الثلاثين للهجرة،"عندما استوجب الاختيار بين علي ومعاوية، بين المدينة المنورة ودمشق، بين سلطة الخلافة الديمقراطية و السلطة العصبية". و كان من نتائج هذا الحدث أن تحطم " ذلك البناء الذي قام لكي يعيش طويلا وربما إلى الأبد بفضل ما تضمن من توازن بين عنصر الروح وعنصر الزمن. ومنذ ذلك الانفصال الأول (...) فقد العالم الإسلامي توازنه الأولي على الرغم من بقاء الفرد المسلم متمسكا، في قرارة نفسه، بعقيدته التي نبض بها قلبه المؤمن." ونتيجة لذلك "عمّ الفساد المدينة الإسلامية بفعل طواغيت استولوا على السلطة، بعد الخلفاء الأربعة الأوائل. فالمسلم الذي كان له الحق في إبداء الرأي في كل ما يخص مصالح الأمة، ترك مكانه "للرعية التي تنحني أمام التعسف و للمُغازل الذي يمتدحه. فسقوط المدينة الإسلامية كان سقوطاً للمسلم الذي جُرّد من مهمته المقدسة المتمثلة في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". لقد تحطمت الطاقة التي تحرك ضميره ودخل المجتمع الإسلامي عندئذ تدريجيا في عصر ما بعد الموّحدين حيث أضحت القابلية للاستعمار تستجلب الاستعمار".

و في تحليله لظاهرة الاستعمار التي حلت بالعالم الإسلامي مع مطلع القرن التاسع عشر يقول مالك بن نبي أن الأوربي " لم يصطحب من العالم المسيحي سوى بعض استعدادات نفسه، تلك النفس الطيبة التي تكشف النظرة الفاحصة داخلها عن مجمع للفضائل الجذبية، تميزت به نفس مُغلقة كثيفة تجاه المسلمين". لكن " ومهما كان في موقفه من انفصال عن بقية الإنسانية المحتقرة في نظره والتي لا يرى فيها سوى سلّم إلى مجده، فانه قد أنقذ العالم الإسلامي من فوضى القوى الخفية، التي يغرق فيها كل مجتمع يستبدل الخيال الساذج بالروح ظلّ مشوه لتصورات المعتوهين الذين فقدوا ببعدهم عن معنى الواقع عبقرية الأرض. لقد منح نشاط الأوربي- إنسان ما بعد الموحدين- إلهاماً جديدا لقيمته الاجتماعية، حين نسف وضعه الاجتماعي الذي كان يعيش فيه راضيا بالدون، وحين سلبه وسائله التي كان يتبطل بها هادئ البال حالما. فإنسان أوروبا قام - دونما قصد – بدور(الديناميت) الذي نسف معسكر الصمت والتأمل و الأحلام، وبذلك شعر إنسان ما بعد الموحدين، كما شعر بوذي الصين و برهمي الهند، بهزة انتفض بعدها مستيقظا".  

وهكذا فقد نشأت "حركات تاريخية أعطت للعالم الإسلامي صورته الراهنة. "هذه الحركات صدرت عن تيارين: تيار الإصلاح الذي ارتبط بالضمير المسلم، وتيار التجديد وهو أقل عمقا و أكثر سطحية، ويمثل مطامح طائفة اجتماعية جديدة تخرجت من المدرسة الغربية ".

إن الحركة الإصلاحية " لم تستطع تغيير النفس الإسلامية، بل لم تستطع أن تُترجم إلى لغة الواقع فكرة (الوظيفة الاجتماعية) للدين، و لكنها -على أية حال- نجحت في إزالة الركود الذي ساد مجتمع ما بعد الموحدين، حين أقحمت في الضمير الإسلامي فكرة مأساته المزمنة. فإذا ما أريد للنهضة أن تبرز إلى عالم الوجود، فان علينا أن نواجه مشكلة الثقافة في أصولها".

أما الحركة الحديثة فإنها "إن لم تأت بعناصر ثقافية جديدة لعدم اتصالها الواقعي بالحضارة الحديثة،            و لانفصالها الفعلي عن ماضي ما بعد الموحدين، فإنها قد خلقت بما جلبت من الغرب تيارا من الأفكار، صالحا للمناقشة، و إليه يرجع الفضل في أنه وضع على بساط البحث جميع المقاييس التقليدية".

 

و يلخص بن نبي فوضى العالم الإسلامي المعاصر باعتبارها خليط ناتج من بقايا موروثة عن عصر ما بعد الموحدين و أجلاب حديثة غير ناجعة جاء بها تيار الإصلاح وتيار الحركة الحديثة، مما جعل النهضة الإسلامية تختار الطريق الذي يؤمن لها ما تريد من "أشياء و حاجات" بدل أن تبحث عن"الأفكار و الوسائل". ويدين مالك بن نبي ضروب الشلل الخُلقي والاجتماعي والعقلي التي تزيد من حدّة الجمود العام، مثلما ينتفض ضدّ الأعذار الثلاثة المتمثلة في الجهل والفقر و الاستعمار.

شــروط النهضــة

وعن السبل التي ينبغي انتهاجها- والتي تناولها بإسهاب في كتابه "شروط النهضة"6، - يرى بن نبي أن على العالم الإسلامي التخلص من قابليته للاستعمار" و إيجاد أنواره في ذاته نفسها لأن " أوروبا التي كان عليها أن تهدي سعي الإنسانية، قد اتخذت من مشاعل الحضارة (فتيلا) يحرق بدل أن يضيء، وفي ضوء ما أشعلت من نار أشاعت وهجها في المستعمرات حتى جارت على أرضها هي؛ أوروبا هذه رأينا الفوضى تنتشر فيها، الفوضى نفسها التي أشاعتها في أجزاء الأرض و الضلال نفسه. بل إنها قد تجرعت الكأس المحتومة نفسها؛ كأس الاستسلام لقوى الشر الأسطورية (...) " أيّة كانت وجهة الأمر، فان العالم الإسلامي لا يستطيع في غمرة هذه الفوضى أن يجد هداه خارج حدوده، بل لا يمكنه في كل حال أن يلتمسه في العالم الغربي الذي اقتربت قيامته، ولكن عليه أن يبحث عن طرق جديدة ليكشف عن ينابيع إلهامه الخاصة. ومهما يكن شأن الطرق الجديدة التي قد يقبسها، فإن العالم الإسلامي لا يمكنه أن يعيش في عزلة، بينما العالم يتجه في سعيه إلى التوحد، فليس المراد أن يقطع علاقاته بحضارة تمثل ولا شك إحدى التجارب الإنسانية الكبرى، بل المهم أن ينظم هذه العلاقات معها"7.

لقد بات واضحا اليوم أنه لا مناص من تغيير الإنسان المسلم وإعادة بناء التنظيم السياسي في العالم الإسلامي على أساس التضامن قصد التمكن من مواجهة التحديات التي تفرضها العولمة. إن الرّافعة اللازمة لإعادة التشكيل هذه، يقول بن نبي، "لا يمكن أن تكون ذات أثر خلاّق إلا إذا قامت على أساس «المؤاخاة » بين المسلمين (وهي التي تقوم على فعل ديناميكي)، لا على أساس « الأخوة » الإسلامية (التي هي عنوان لمعنى مجرد أو شعور تحجر في نطاق الأدبيات). والمؤاخاة الفعلية هي الأساس الذي قام عليه المجتمع الإسلامي مجتمع المهاجرين و الأنصار". 

و لقد  شرح  بن نبي هذه الفكرة أكثر في كتاب عنونه ب "فكرة كمنويلث إسلامي"8 و بيّن في تقديم حرره عام 1971 الأسباب التي دفعته إلى تأليف هذا الكتاب قائلا : " لقد صدرت الطبعة الأولى لهذه الدراسة قبل أكثر من عشر سنوات، في وقت كان يمكن اعتبارها، وفق منظور" الواقعية" التي لازالت تطبع بعض السياسات القصيرة النظر المنتهجة في العالم الإسلامي، على أنها خيال يطارد فكر رجل مثالي. ولهذا السبب فقد مرت هذه الدراسة دون أن تحظى بالاهتمام الكافي، إلا من جانب أخصائيي الصراع الأيديولوجي الذين لا يمكنهم أن يدعوا أي فكرة جيوسياسية ذات أهمية تمر بدون العمل على الحط من قيمتها بطرق مكيافيلية، هذا ان لم يقدروا على اقتحامها والسيطرة عليها بأساليب شيطانية".9 لاشك أن بن نبي كان يشير هنا إلى " فكرة الافريقية الآسيوية" المتضمنة في كتاب قيّم والتي نجح أخصائيو الصراع الأيديولوجي في إجهاضها في المهد.

ثم وضّح بن نبي انه إذا كان قد استقى نموذجه من مثال موجود فعلا، وهو الكومنويلث البريطاني، فان مواطن الاختلاف عديدة بين النموذجين.

من ذلك أن المثال البريطاني " يتجسد في شخص هو جلالة الملك أو الملكة" بينما في النموذج الإسلامي يجب أن تكون الرابطة العضوية " مشخصة في فكرة، هي الإسلام".

ومن ذلك أيضا، أنه إذا كان النموذج الأول قد ظهر إلى الوجود وسط الظروف الجيوسياسية التي تلت الحرب العالمية الأولى وتجسد في "تغير حتّمته هذه الظروف على الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية" فان النموذج الثاني "يجب أن يولد في صورة حضارة متجددة وليس كشكل جديد من أشكال الإمبراطوريات".

وعلاوة على هذا، فان الكومنويلث الإسلامي "لا يجب أن ينظر إليه على أنه مجرد هيكل سياسي واقتصادي واستراتيجي يتلاءم وموازين القوى الجديدة في العالم، كما هي الحال بالنسبة للنموذج البريطاني، بل يجب اعتباره كهيكل أخلاقي وثقافي ضروري ليس فقط لفك عقدة الأزمة التي تعيشها البلدان الإسلامية، بل كذلك لمعالجة الأزمة الروحية التي تعاني منها الإنسانية جمعاء".

على ضوء ما سبق ذكره، أليس حريا بالحكام والنخب وحتى جمهور العوام من المسلمين على حد سواء أن يعيدوا قراءة التأملات الفكرية التي تركها هذا المستشرف المغيّب، والاسترشاد بها لإيجاد حلول ناجعة لأزماتهم المستكانة التي طال أمدها واستعصى حلها.

أما نحن، فلا يساورنا أدنى شك بأن العالم الإسلامي اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى استرجاع "مؤاخاته" التي هي السبيل الأوحد لدرء الفتنة الكبرى التي تهدد بنسف الأسس التي قام عليها. ولا ريب أن التضامن والحوار بين مختلف مكونات المجتمع الإسلامي هما وحدهما الدعامتان الكفيلتان بضمان صحة وسلامة هذا المجتمع، مثلما هو الحال بالنسبة لسلامة العالم كله " تحالف الحضارات للأمم المتحدة" الذي يتبنى شعار " ثقافات متعددة، إنسانية واحدة".      

    

*باحث في العلاقات الدولية

 

 1  هذا النص مستخرج من إصدار جديد لكاتب المقال بعنوان:" الشرق و الغرب في موعد مع -سايكس بيكو جديد-"، صادر عن منشورات عالم الأفكار بالجزائر، سبتمبر 2014.

2  مالك بن نبي، " الفكرة الإفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ"، دار الفكر، ص254.

3  ترجمة كاتب المقال.

 4 مالك بن نبي، " مذكرات شاهد القرن"، دار الفكر، دمشق.       

5  صادق سلام،في محاضرة ألقاها بمدينة بيزنسون الفرنسية تحت عنوان: "كيف جعل الربيع العربي فكر مالك بن نبي أكثر راهنية"، جوان 2013.

6 مالك بن نبي، "شروط النهضة"، دار الوعي، الجزائر، 2013 .

7  مالك بن نبي، "وجهة العالم الإسلامي"، دار الفكر، دمشق، 2002.

 مالك بن نبي، "فكرة كمنويلث إسلامي"، دار الفكر، الجزائر و دمشق، 1990 8

9  ترجمة كاتب المقال.


 

  • عنوان البصائر: 17 شارع محمد مربوش – حسين داي، الجزائر 16040
الهاتف: 021.49.52.67 – 021.49.51.19 / الفاكس: 021.23.33.73
البريد الالكتروني:   
info@albassair.org
info.bassair@gmail.com 


PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.10 ثانية