الاثنين 20 - 26 ربيع الثاني 1439

الاثنين 20 - 26 ربيع الثاني 1439هـ /الموافق لـ 08 - 14 جانفي 2018 العدد 892




القائمة الرئيسية
الصفحة الأولى
عـلى بصــيـرة
كلمة حق
مع رئيس التحرير
سانحـة
وراء الأحداث
بالمختصر المفيد
شعاع
مقامات البصائر
نظرات مشرقة
محطات
في رحاب القرآن
في رحاب السنة
عالــم الأفكــار
اسألوا أهل الذكر
ما قل و دل
حوارات
من نشاطات الشعب
خدمات
خواطر
روضة البصائر
الحديقة الأدبية
أخبر صديقك
المواضيع
المنتديات
راسلنا
معالجات إسلامية
متابعات
مـسـاهـمـات
قـافلة الجزائر-غزة
قضــايـا وآراء
الصحة والفقه
فـكرة قديمة


البحث




من يتصفح الآن
يوجد حاليا, 90 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا


مقالات سابقة
Wednesday, May 31
· نيل المرام في تحقيق مقاصد الصيام
· ابن باديس في فيلم سينمائي
· ترامب يحصد الدولارات من السعودية ويقدم الدعم لإسرائيل!
· "ترامب" في الرياض
· يوسف زيدان..التعبان..؟ا
· صيام الاحتساب..!
· عادي!
· شبابنا والطريق البديل
· المسلمون وبناء صروح العلم والحضارة
· استقبال شهر رمضان المبارك
Tuesday, May 23
· عسر الامتحان.. على نواب البرلمان
· انتقل الحبيب اللمسي إلى رحمة الله
· الشيخ البشير الإبراهيمي: موسوعة ثقافية ومنارة علمية
· الإشاعة.. والسياسة
· ذكرى العلامـــــــــة الإبــــــــراهيمي...
· لن تسلم البلاد إلا بالقضاء على أسباب الفساد...
· الرجل ـ الكتيبة
· هكذا يكون المؤمن حقا
· غيرة عمر..ومسارعة الوحي في هواه
· آخر من يدخل إلى الجنة
Tuesday, May 16
· جمعية العلماء: عظمت وما هرمت
· مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الثالثة والثمانينذ
· إيمانويل ماكرون ينقذ فرنسا من كارثة سياسية !
· الإشاعة.. والسياسة
· ماذا وراء إدمان النساء وانتحار الأطفال...؟
· "ترامب" في فلسطين
· أزمة وعي...
· ليلة القبر الأولى
· القيمة الحضارية والشرعية للسلم الاجتماعي
· فضائــل شهــر شعبــان

مقالات قديمة


  
الدكتور نذير طيار للبصائر:/ الهَمُّ الفكري كان دائما جوهر اهتماماتي...
بتاريخ 3-9-1436 هـ الموضوع: حوارات
حوارات بعد غياب طويل للدكتور نذير طيار عن الصحافة، يسر قراء البصائر استضافته بينهم عبر هذا الحوار الذي سينقلهم عبره إلى سنوات التسعينيات بحلوها ومرها التي كان فيها طيار محلقا بمقالاته السياسية التحليلية وابدعاته الأدبية الفنيبة، كما لا يفوته أن يكشف لهم جديده بعد أن حط رحاله في ساحات أخرى علمية، فكرية، فنية.

أجرى الحوار: التهامي مجوري



س1 الأستاذ نذير، غبتم عن الساحة منذ مدة، وانقطعتم عن الكتابة الصحفية تحديدا، أهو اليأس أم عدم معرفة بأن لكم قراء يتابعون ما تكتبون؟

ج1: اشتغلت بالصحافة من سنة 1990 إلى سنة 2006، وانتقلت من متعاون بجريدة العقيدة، إلى صحفي بـ "النور" فمدير ومسؤول النشر بـ "الهلال"...ثم أصبحت مراسلا لـ "المنار" (أسبوعية صدرت باللغة الفرنسية)، فكاتبا بـ"الحقيقة" و"الحدث"... وأخيرا كنت كاتب افتتاحية "رسالة الأطلس"..كما صدرت لي مقالات عدة بالصفحة الأخيرة للشروق..ورغم هيمنة التحليل السياسي على مقالاتي إلا أن الهم الفكري كان دائما جوهر اهتماماتي...على أساس مطالبتي الدائمة بهيمنة الثقافي على السياسي وليس العكس. ولا يفوتني هنا ذكر لطيفتين:

1-  كل الذين كانوا يزورن مقر الصحيفة (سنة 1990) للتعرف على شخصي المتواضع، كانوا يصدمون عند رؤيتي. فقد كان معظمهم ينتظرون شخصا جاوز الأربعين...بحكم مستوى الكتابات (كما كانوا يرددون).

2-   ذات يوم من سنة 1991، طرق باب صحيفتنا الوزير الشاعر الحالي عز الدين ميهوبي، يسأل عن اسمي للتعرف على شخصي، كان حينها مدير "صدى الملاعب وحينما قاده المرحوم صالح قيطوني إلى مكتبي، قال لي بالحرف: لقد قرأت لك القصيدة الشعرية والتحليل السياسي والتحقيق الصحفي...والدراسة الفكرية...وفي كل هذا أنت مجيد ومبدع.

لماذا توقفت عن الكتابة الصحفية؟ الأسباب متعددة:

أولها: أن معظم الصحف التي كنت أكتب فيها بكامل حريتي، تم تعليقها من قبل السلطة، وأعترف أنني سنة تخرجي من معهد الرياضيات بقسنطينة، سنة 1990، كان كل أملي هو أن أصبح صحفيا ناجحا ذات يوم، رغم عشقي للرياضيات (والعلوم الدقيقة بصفة عامة) منذ الصغر وتمكني من التحكم في معظم مفرداتها. تغيرت النظرة سنة 1995 بعد توقيف أسبوعية "الهلال"، وكنت حينها مسجلا في الماجستير والناجح الأول في دفعتي، رجعت إلى الرياضيات (التي لم أفارقها يوما) وأكملت البحث في موضوع رسالتي..وناقشت الماجستير...سنة 1996.,,,وكانت قناعتي آنذاك: أن الصحافة الحرة في الجزائر لا تطعم خبزا...ولا تصنع مستقبلا..حتى وإن صنعت لك جمهورا واسعا من القراء المحترمين...الذين يعتبرون حروفك تعبيرا صادقا عن آمالهم وتسجيلا غاضبا لتطلعاتهم.

على الإنسان الرسالي في نظري، أن يفكر في تضحياته تفكيرا وظيفيا...لا تفكيرا انتحاريا.

بعد سنة 1996 رجعت للصحافة وكانت لي تجربة جديدة متميزة مع الإخوة والزملاء في "رسالة الأطلس" الصادرة من باتنة. بعد توقيف "رسالة الأطلس" ورغم اتصال بعض رؤساء تحرير صحف يومية رفضت ذلك بعد تجربة مريرة قاسية مع يومية "الشروق" (سنة 2004)...غياب الصحيفة التي تحترم حريتك وحروفك ومجهودك ...أحد أسباب توقفي عن الكتابة الصحفية. ..ولا يسعني هنا إلا أن أشيد بالأسماء التي شاركتها هم الكتابة الصحفية أذكر منها: الأستاذ صالح قيطوني (رحمه الله) ، الأستاذ زين الدين بوحنيكة، الأستاذ حسن خليفة، الأستاذ نور الدين بليبل -رحمه الله-، الأستاذ حسن كاتب، الأستاذ مسعود فلوسي، الأستاذ عبد الحليم فقراوي -رحمه الله-، الأستاذ محمد الواتي، الأستاذ سليم قلالة، الأستاذ سعيد بن زرقة، الأستاذ سليمان سراوي، الأستاذ سالم زواوي، الأستاذ رياض حاوي، الأستاذ عيسى جرادي،  الصحفيون: حسان زهار، طاهر حليسي، ..إلخ...

ثانيا: مع رجوعي للرياضيات ومتابعتي الدائمة للصحافة وما يكتب فيها، برزت أشكال أخرى من الإبداع عندي، فالشعر جزء مني ومنذ مرحلة الدراسة في التعليم المتوسط، ولأني عاشق قديم للغات وتعلمها، فقد بدأت منذ مرحلة مبكرة الترجمة...وعندما كنت متعاونا مع صحيفة العقيدة..كنت كثيرا ما أترجم برقيات وكالة الأنباء الفرنسية الخاصة بالشؤون الإسلامية...وأول مقال كامل ترجمته ونشرته بأسبوعية "النور" (سنة 1992)  كان للكاتب جمال لعبيدي وعنوانه "الأقدام السوداء الجديدة" (Les nouveaux pieds-noirs)...وأذكر سؤالا وجهه المرحوم صالح قيطوني للبروفيسور المرحوم بشير مغلي -رحمه الله- (وهو من تلاميذ مالك ابن نبي) والبروفيسور حسن كاتب عن رأيهما في الترجمة فقالا: ممتازة...وهذا شجعني مرة أخرى لاقتحام هذا العالم وسبر أغواره. لأجل هذا، أحد أسباب توقفي عن الكتابة الصحفية انشغالي بالشعر والترجمة، والرياضيات (كباحث جامعي).

ثالثا: مع تقدمي في السن، أصبحت أميل أكثر إلى الدراسة المعمقة والترجمة الدقيقة والقصيدة المدهشة المبهرة...على حساب الكتابة الصحفية السريعة التي يحضر فيها قليل من العقل وكثير من الحماسة والعاطفة. كما أن موقفي النقدي من السلطات القائمة بأنواعها لم يتغير لكن التعبير عن الموقف هو الذي تغير.

 

س2 لقد عرفك الكثير من القراء باهتمامكم بشعر أحمد مطر، كيف تقيمون تلك التجربة الفنية المتفردة؟

أحمد مطر شاعر فريد متميز، كرس شعره للقصيدة السياسية، في شكل لافتة مرفوعة ضد الظلم والفرعنة والاستبداد في كل زمان ومكان....هو شاعر وضع روحه فوق راحته، هو شاعر يبقى سيد القصيدة السياسية في العالم العربي بلا منازع، رغم وجود قصائد سياسية رائعة جدا لنزار قباني ومظفر النواب ومحمود درويش وغيرهم.
يشهد تاريخ الصحافة الجزائرية أنني أول من كتب عن أحمد مطر وتخصص في التعريف به وبشعره، منذ الأيام الأولى لصحيفة "النور" بداية التسعينيات. الأمر الذي دفع بأحمد مطر إلى إرسال لافتات 4 على عنوان الصحيفة فور صدورها سنة 1994. كنت في تلك الفترة الشبابية مشدودا كثيرا إلى الشعر السياسي الذي يكتبه أحمد مطر...وقد نشرت عنه دراسات كثيرات منها:

   -  الحاكم العربي في شعر أحمد مطر

-        الحاكم العربي في شعر أحمد مطر: متهم وكل الأدلة ضده.

-        المرأة في شعر أحمد مطر

-        فلسطين في شعر أحمد مطر

-        العراق في شعر أحمد مطر

-        الحمار في شعر أحمد مطر

-        مضحكات الصحافة والإعلام في شعر أحمد مطر

-        حوار شعري افتراضي مع أحمد مطر (على باب المنفى).

-        الدولة المطرية: مواصفات وخصائص

-        حرب الخليج في شعر أحمد مطر: بلاد ما بين النحرين.

-        البوليس السياسي في شعر أحمد مطر.

-        أحمد مطر: لماذا لا يكتب عن الحب.

-        وأذكر جيدا أن تلك المقالات عن أحمد مطر لقيت قبولا فريدا وصدى كبيرا لدى القراء...وعرَّفتْ به كثيرا داخل الجزائر.

 

اليوم وبعد كل هذه السنوات لا زلت أقدر أحمد مطر وشعره اللذين أثرا في شعري شابا وفي كثير من قصائدي السياسية بـ"النور" و"الهلال" و"رسالة الأطلس"....لكن منذ سنة 2004  تجاوزت كثيرا تأثري بشعر أحمد مطر...وأصبحت أكتب شكلا مغايرا تماما للقصيدة الشعرية هو شكلي الخاص بي، المعبر عني، وعن مطاردتي للجديد المدهش المبهر غير المكرِّر لغيري، أسلوبي الذي رشحني لنيل أكثر من أربعة عشر جائزة وطنية ودولية في الشعر.

 

س3 بعد انقطاع طويل للأستاذ نذير طيار، ظهر اسمكم مؤخرا في ملحمة قسنطينة الكبرى، لو تحدثنا عن الفكرة كيف ولدت؟ وهل لك شركاء فيها؟

ثم ما تقييمكم للتجربة؟ وإذا كانت لها نقائص ما هي؟

قبل تفصيل الحديث عن ملحمة قسنطينة وفكرتها أقول: نص (سيناريو) ملحمة قسنطينة الكبرى، التي عرضت يوم 16 أفريل، عند افتتاح سنة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015، هو من تأليف الأساتذة الشعراء الجزائريين الآتية أسماؤهم:

-       الأستاذ نور الدين درويش. (المرحلة النوميدية)

-       الدكتور ناصر لوحيشي (شاعرا) والدكتور عبد الله حمادي (محرِّرا للأحداث التاريخية) . (المرحلة الإسلامية)

-       الدكتور نذير طيار. (المرحلة العثمانية)

-       الدكتورة ليلى لعوير. (مرحلة الاستعمار الفرنسي واستعادة السيادة الجزائرية)

وقد جرت مناقشة النص الشعري والتفاصيل التاريخية جماعيا:  مع الرئاسة الشرفية والتوجيه التاريخي لكل المراحل والمراجعة النصية للدكتور عبد الله حمادي.... وبمساهمة الدكتور عبد الله بو خلخال والأستاذ محمد العلمي وملاحظات المخرج علي عيساوي.

بدأت فكرة الملحمة بلقاءين جمعا السيد لخضر ابن تركي رئيس الديوان الوطني للثقافة والإعلام بجامعة الأمير عبد القادر، ضم الأستاذ نورالدين درويش والدكتورين ناصر لوحيشي وعبد الله حمادي، والدكتور عبد الله بوخلخال، والمخرج علي عيساوي والأستاذ محمد العلمي مدير ديوان مؤسسات الشباب، والسيد سامي ابن الشيخ محافظ قسنطينة، وكان اقتراح رئيس الديوان متمثلا في إجراء تعديلات على ملحمة الجزائر العاصمة للخروج بملحمة معدلة عن قسنطينة، وكان رأي شعراء قسنطينة هو كتابة ملحمة جديدة. وقع الاجتماع في 27 نوفمبر 2014  وكان المطلوب الانتهاء من كتابتها وتسليمها في 20 ديسمبر 2015 ..أي بعد ثلاثة وعشرين يوما. وهنا تطلب الأمر الاستعانة بشاعرين آخرين ووقع الاختيار على العبد الضعيف وعلى الدكتورة ليلى لعوير.

مشاركتنا في كتابة ملحمة قسنطينة، تطلبت منا...تفرغا كاملا، ليلا ونهارا، بحكم ضغط الوقت، واتصال الأستاذ لخضر ابن تركي رئيس الديوان الوطني للثقافة والإعلام، بنا في وقت متأخر نسبيا.  كتابة ملحمة عن قسنطينة، تبرز دورها الحضاري الكبير عبر العصور، منذ رجل الكهف إلى اليوم، هو عمل إبداعي ومسؤولية أخلاقية ووطنية وعلمية. كان من الواجب علينا، التنقيب في أمهات الكتب التاريخية لاستيعاب التفاصيل وترجيح رواية على أخرى عند تعدد الروايات، ثم صياغة ذلك في شكل سيناريو جميل صالح للتجسيد على الركح المسرحي. اهتماماتنا بتاريخ قسنطينة قديمة،. وبحكم انشغالي بكتابة سيناريو المرحلة العثمانية، فقد تطلب الأمر، تمرير المشط الدقيق على تفاصيل حياة واحد وأربعين بايا (أو أربع وأربعين بايا) كلهم ارتدوا قفطان التولية على قحكم قسنطينة.

هذا بالإضافة إلى تاريخ قسنطينة منذ سقوط الأندلس، والاستنجاد بالأخوين بربروس...وحصارها من الأتراك والذي دام سبع سنين كاملة، مع مقاومة الشيخ سيدي عبد المومن وتفضيل الشيخ عبد الكريم ابن الفكون للصلح مع الأتراك. خلاصة القول: كتابة ملحمة قسنطينة تفرض الحضور الكلي للشاعر والباحث في آن واحد.

وكنا نلتقي دوريا لقراءة ما كتبه كل شاعر، ومناقشته جماعيا، وإعداد المادة تقنيا على الحاسوب...وكل هذا يتطلب تفرغا تاما من كل الانشغالات الأخرى. كما انتقلنا كذلك إلى العاصمة وسجلنا نص السيناريو بأصواتنا بقاعة الأطلس.

كانت كتابة الملحمة تجربة جماعية مهمة جدا لنا، كشعراء وباحثين، أضافت شيئا جديدا ومهما إلى أساليبنا الفردية في الكتابة الشعرية. مع العلم أن كل شاعر حرر بنفسه كل أشعار مرحلته مستفيدا لاحقا من ملاحظات زملائه.

النقائص يمكن إجمالها فيما يلي:

1-   ضغط الوقت لم يكن في صالحنا، ولو أعطينا وقتا أطول لكان أحسن.

2-   ما عرض على الركح المسرحي كان يمثل ثلث الملحمة المكتوبة، لأن العرض لا يمكن أن يتجاوز ساعتين ونصف ساعة، وهذا أدى إلى القفز على بعض المراحل التاريخية وتقليص أخرى.

 

س4 المعروف عن نذير طيار أن تخصصه رياضيات، كيف وفقت بين الرياضيات والأدب والصحافة والفكر وغير ذلك من العلوم والفنون؟

ج4: ليست حياة العصفور الطيار سهلة ميسرة، مادام التحليق ديدنه، فهو لا يحط الرحال هنا حتى يطير ليحط هناك، الثبات في الموقع الواحد يقلقه، والرتابة تربكه، والجديد الساحر يفتنه.
على اختلاف الأسماء: شعر، رياضيات، صحافة، فلسفة ،علوم وترجمة، يبقى المضمون واحدا، عشق الإبداع، والسفر إلى جزر لم يطأها أحد قبلي، والتحليق في عوالم جمالية رحبة. يكفيك أن تستفرغ وسعك للتوغل في أحد هذه العوالم كي تكتشف مقدار السحر الذي ضاع منك، ولولا هذا التحليق الدائم من زهرة إلى زهرة، ما كنت لأرى الجمال بأشكال سحرية متعددة. هو الجمال يأسرنا في قصيدة شعرية، أوفي برهان رياضياتي، أوفي مقال صحفي، أوفي دراسة فلسفية، أوفي ترجمة لنص من لغة إلى أخرى. ما أروع أن تتملَّك روحك دهشات لا دهشة واحدة في اليوم الواحد. أنا مشدود منذ الصغر إلى اقتحام الفضاءات الملغَّمة قصد تفكيك جميع ألغامها، ومنجذب إلى اختراق المساحات المحصَّنة قصد كشف أسرارها وخباياها. أعترف بأن اليوم عندي يظل قصيرا جدا، فالمشاريع أكبر منه، وتلك مشكلة من يؤمن بتعدد الاختصاصات في عصر الميكرو-اختصاص.

في ظل هذا االتزاحم لهواجس و اختصاصات متعددة داخل كيان واحدة. ينقصني الوقت، هذا البعد اللامرئي الساحر الذي أغوى الفلاسفة من قديم الزمان، فالمشاريع أكبر منه بكثير.

قسنطينة مدينة صخرية، والرابط بين صخورها العتيقة هو الجسور المعلَّقة، وذاك مبعث السحر والجاذبية فيها. 

ربما أشبه مدينتي قسنطينة، لأنني جمعت بعض الجزر الإبداعية المتباعدة وكنت أحد الجسور الرابطة بينها جميعا، رغم صعوبة الانتقال من جزيرة إلى أخرى، وعسر التأقلم مع أجواء كل جزيرة جديدة. وهكذا كان الشاعر الكبير عمر الخيام صاحب الإنجازات الكبرى في الرياضيات العالمية....وهكذا كان الخليل ابن أحمد الفراهيدي الذي حصر أوزان الشعر باستعمال التراتيب والتبديلات الرياضياتية، وهكذا كان ابن قنفذ القسنطيني صاحب التصانيف الكثيرة في الرياضيات والفلك والأنساب واللغة والمنطق.

وبالمناسبة أنا عضو فرقة بحث بجامعة الأمير للعلوم الإسلامية (قسنطينة) موضوعها: " المنظومة المصطلحية في حقل الدراسات العروضية الإيقاعية: بحث في الإشكالات والبدائل"...ومجال بحثي هو: الرياضيات وموسيقى الشعر...وهاجسي الآن هو اكتشاف المعادلة الرياضية التي تحكم العروض العربي.

هو عشق واحد يضم هذه الاختصاصات جميعا...فقد كبرت في عقلي جنبا إلى جنب...لتشكل عقلا إنسانيا واحدا.

أعترف أنني حينما حصلت على البكالوريا تقني رياضي، كدت أسجل في العلوم الإنسانية، لولا نصائح العقلاء فقد قالوا لي: يمكنك دراسة الأدب والفلسفة وعالم الأفكار عموما دون الاختصاص فيها، لكن إن طلقت اليوم الرياضيات والفيزياء اللذين تعشقهما كذلك،  فهو طلاق بائن لا رجعة فيه.

س5 هل من مشاريع أخرى في الأفق؟

-      لي تحت الطبع أربعة كتب ستصدر عن دار الألمعية (في إطار قسنطينة عاصمة الثقافة العربية)

-      الأول: شاهد القرن: من سقوط أم الحواضر إلى علم سقوط الحضارات.

-      الثاني: قسنطينة تاريخ اسم: حفريات في النسق المعرفي الاستئصالي.

-      الثالث: السياسة الثقافية الفرنسية بالجزائر: 1830 - 1962 حدودها وأبعادها (كتاب فرنسي قمت بترجمته إلى العربية.)

-      الرابع: ثلاث نصوص أجنبية عن قسنطينة: (ترجمتها إلى العربية من الفرنسية والانجليزية).

س6 في كتابك "شاهد القرن من سقوط أم الحواضر إلى علم سقوط الحضارات" من تقصد بشاهد القرن أهو بن نبي؟ وما هي أم الحواضر؟

ولماذا هذا الاختيار وبهذه الكيفية؟

ج 6 :

بخصوص شاهد القرن أقول: شاهد القرن هو المفكر الجزائري الكبير مالك ابن نبي، وهو من أطلق على نفسه هذا اللقب، في "مذكرات شاهد القرن" Mémoires d'un témoin du siècle التي أنصح الشباب بقراءتها، وهو فعلا من شهود هذا القرن (1905-1971)،  وقد تعرَّض شاهد القرن لتهميش مقصود، انطلق من فهم خاطئ وسطحي لبعض أفكاره كـ"القابلية للاستعمار" تارة، ومن حرب مفتوحة مقصودة تارة أخرى، سببها معاداة كل ما هو فعَّال وإيجابي وبنَّاء وعميق واستيراتيجي وجوهري، أي حضاري بتعبير مالك بن نبي نفسه.

لن نوزَّع الاتهامات جزافا، فالأدلة الواقعية موجودة والوثائق المكتوبة متوفرة.

إن كتابات مالك بن نبي تشكل إجابة حقيقية لسؤال الحداثة بكل أشكاله وألوانه، وما يحز في النفس أن كثيرا من النقاشات الجزائرية التي تطرق سؤال النهضة، تجري على هامش الأفكار المدهشة لهذا المفكِّر العظيم. حتى قال مفكر سوري: «مالك بن نبي مفكر جزائري ولكن أقل الناس استفادة منه الجزائريون» في إشارة إلى العشرية الدموية التي عاشتها البلاد خلال المأساة الوطنية. ويتذكَّر العبد الضعيف، أول احتكاك له بمالك بن نبي في بداية المرحلة الدراسية الثانوية. فقد كان أخي الأكبر سليمان مسحورا بفكر الرجل، يحدثنا عنه دائما، ولكن التيار لم يكن يمر بيننا، بسبب ما بدا لنا حينها أفكارا معقدة تتجاوز قدرات استيعابنا الفكرية.  وفي أحد الأيام جلب أخي الهادي (الذي يكبرني بأربع سنوات) كتاب"الديمقراطية في الإسلام"، ولأني وجدت في عنوانه، كلمة إسلام، قررت قراءته. لكني عدلت عن فكرتي منذ الصفحات الأولى، لأنني بحثت عن آيات وأحاديث فلم أجدها؟؟؟. وكان ذاك موقفا طبيعيا، في مرحلة شبابية تتحرك في وسط محكوم بثقافة إسلامية تراثية جاهزة، بعيدة عن التحليل الفكري العميق.

إنني أعتقد جازما، أن مالك بن نبي لم ينل بعد، نصيبا كافيا من الدراسة النافذة إلى عمق أفكاره.

والدراسات المقارنة قد تكون أفضل سبيل إلى بيان قيمة إبداعه الحضاري، وتحديد موقعه من خارطة إنتاج الأفكار على مستوى العالم.

لماذا تتملك الدهشة كل من يقرأ مالك بن نبي لأول مرة؟؟؟

علينا الوقوف طويلا، أمام كل جملة بدأها مالك بن نبي في مذكراته بقوله: " أنا مدين لـ"، وهو لم يستعملها كثيرا.

مهما كانت دقة الترجمة إلى العربية، على الباحث أن يضع أمام عينيه الأصل الفرنسي لمذكرات شاهد القرن، الجزء الأول: الطفل. وهي فرصة لتصحيح بعض أخطاء الترجمة. (سيدي الجليس ترد في الترجمة العربية سيدي الجلي وهو خطأ فاضح)

بخصوص أم الحواضر أقول: "أم الحواضر" أحد ألقاب مدينة قسنطينة، وكتاب " أم الحواضر في الماضي والحاضر" من تأليف محمد المهدي بن علي شغيب. (مطبعة البعث قسنطينة 1980) من الكتب المؤرخة لمدينة قسنطينة. وليس هذا هو اللقب الوحيد الذي اشتهرت به المدينة فقد نعتها المؤرخون والرحالة والشعراء قسنطينة "بالحصن الإفريقي" أو "بأمّ المعاقل" أو "المدينة التي لا تُقتحم عُنوة" أو "عُش البازيِّ " أو "بلد الهواء"

بخصوص اختيار عنوان وموضوع الكتاب أقول: ليس من الغريب، البحث في العلاقة الخفية القائمة بين "سقوط قسنطينة" (أم الحواضر) تحت الاحتلال الفرنسي سنة 1937، و"سقوط الحضارات" كفكرة جوهرية شغلت بال المفكر الجزائري مالك بن نبي، ضمن نظريته المتكاملة عن النهضة وشروطها. قد تبدو هذه العلاقة، منذ أول وهلة، مصطنعة، غير ذات وجود حقيقي. كما أن البعض قد يستغرب، محاولة الربط هذه، بين سقوط أم الحواضر وعلم سقوط الحضارات، كنظرية فكرية فلسفية اجتماعية.

بداية، لن ندَّعيَ وجود علاقة عِلِّية سببية، بين هذا السقوط وتلك النظرية. ولكن كتابات شاهد القرن، قد تشكِّل منفذا لاكتشاف بعض خيوط هذه العلاقة البكر.

كثيرون، ربما، سمعوا مثل شاهد القرن، حكايات جداتهم عن سقوط قسنطينة المرعب، ولكن، كم عدد الذين تحوَّلت لديهم عواطف الخوف والغضب الطفولية، المختزَنة في اللاوعي، إلى حركة مستقبلية فكرية فاعلة، تتساءل بجدية، ليس لماذا سقطت قسنطينة فحسب، بل لماذا سقطنا جميعا كعرب  وكمسلمين، من مركز التاريخ فأصبحنا نتحرك على هامشه؟ لماذا قامت تلك الحضارة في لحظة ما؟ ولماذا أفل نجمها في لحظة أخرى؟. إنه التنقيب عن إرهاصات الانتقال العفوي، من سقوط مدينة إلى سقوط حضارة بأكملها، في وعي طفل ينحصر تصوره للجغرافيا ببعض شوارع وبنايات مدينته، وذكرياته فيها.

ومن المثير للانتباه، أن أبلغ قصيدة في رثاء الأندلس، كتبها شاعر لم يشهد سقوط غرناطة، ولا سقوط مدينته رُنْدَة؛ بل شاهد في سقوط المدن البعيدة، الواحدة تلو أخرى، مقدمة طبيعية لنتيجة محتومة هي سقوط حضارة بأكملها.

ولكن التحليل الحضاري للمأساة وفق المنظور البنَّابي للتاريخ يقول: إن سقوط الحضارة هناك هو الذي أدَّى إلى سقوط المدن والدولة وليس العكس.

في البدء، من حقنا أن نتساءل : كيف ساهمت المدينة (قسنطينة) كفضاء عمراني حضاري في صناعة الوعي بالذات الثقافية لدى مالك الطفل والشاب؟

هي محاولة جديدة لقراءة مذكرات شاهد القرن، من خلال التركيز على عناصر التفاعل بين المفكّر والمدينة، لأجل الانتقال من التفاصيل الخاصة إلى النظريات العامة.

هو حديث عن المدينة، ليس بوصفها فضاءً معلوم الحدود الطبوغرافية، أي كما هي قائمة في العالم المحسوس المجسَّد، وإنما بوصفها عالما من القيم والأفكار المجرّدة.

خلال المرحلة الثانية (1914-1917) من حياة شاهد القرن، بدأت  الأمور تتصنَّف في تفكيره وذاته. ففي تبسة كان يرى الأمور من زاوية الطبيعة والبساطة، أما في قسنطينة فقد أخذ يرى الأشياء من زاوية المجتمع والحضارة، بمضمون عربي وأوروبي في آن واحد. (من الصفحة 30 إلى الصفحة 36 في المذكرات).

«ظلت قسنطينة تستقطب تفكيري طيلة سنوات طفولتي»

هكذا، يكشف الأستاذ مالك بن نبي، عن علاقته الحميمية بمدينة قسنطينة، منذ الصفحات الأولى من مذكراته، التي اتخذت صورة الحكي  الساحر من وراء حجاب.

يبدأ شاهد القرن مذكراته بحكايات جدته لأمه، الحاجة (زليخة)، عن خروج عائلتها من مدينة قسنطينة، بعد دخول الفرنسيين إليها في 13 أكتوبر 1837م، إثر انتصارهم في معركة قسنطينة الثانية.

تمركزت القوات الفرنسية بالمنصورة في شهر سبتمبر من عام 1837م، وأخذت مدفعيتها تقصف بشدة أسوار المدينة وأبوابها، بل لم تتورع عن قصف الأحياء الآهلة بالسكان، حتى ترعبهم وترغمهم على الاستسلام، وبعد سقوط المدينة تركها الكثيرون، وحتى أحمد باي الذي رابط ببأس شديد، اختار الجنوب وظل 13 سنة مجاهدا لأجل العودة إلى قسنطينة وطرد الاستعمار.

وقد جرت المعارك داخل المدينة في الشوارع والأزقة، وانتقلت من دار إلى دار، والتحم المقاومون بالفرنسيين التحاما، باستعمال البنادق والسكاكين والعصي والأيدي...

«في ذلك اليوم، لم يعد لعائلات قسنطينة من همٍّ، سوى إنقاذ شرفها، وخاصة تلك العائلات التي كانت تكثر فيها الصبايا. فقد أخلوا المدينة من ناحية وادي الرمل، حيث توجد اليوم في الجهة السفلى مطاحن كاوكي، ومن الناحية العليا الجسر المعلَّق.»

«بينما كان الفرنسيون يدخلون المدينة من كوَّة السور، كانت صبايا المدينة يسرع بهن آباؤهن إلى الجهة الأخرى منه يتدلين هربا، وكثيرا ما كانت تتقطع بهن الحبال فتلقي بالعذارى في هوة المنحدر.»

ولكن جدة شاهد القرن نجت من مصيرها المرعب، فالحبل الذي تدلى بها فوق السور قاوم ولم يلق بحمله فسلمت الحاجة (بايا)، التي ماتت وعمْر شاهد القرن ثلاث أو أربع سنين. لجأتُ العائلة إثر ذلك، إلى تونس، ثم إلى مكة، وبعد سنوات  عادت إلى الجزائر.

وقد أثارت الحادثتان (هجرة الجد إلى طرابلس الغرب ونجاة الجدة من موت مرعب) ألما في نفس شاهد القرن ظل ملازما له كظله..فيقول عنه «الألم الذي حمله جدي..والذي حملته جدتي.. إن الأجيال تتناقل رسالة ذات طابع سري لكنها لا تُقرأ بطريقة واحدة. لأن شبكة رموزها التي يعطيها التاريخ لكل جيل كيما يقرأ هذه الرسالة ليست هي ذاتها»

كانت فاجعة السقوط، سقوط قسنطينة   المدرسة الأولى في حياة شاهد القرن الطفل. تركت هذه القصة المحزنة، أثرا كبيرا على نفسية شاهد القرن الطفل، وظلت حية بقلبه. بل إن مالك بن نبي يعتبر جدته (زليخة)، ذات الأسلوب البارع في الحكي، مدرستَه الأولى، حيث تكوَّنت عبر حكاياتها مداركه. ويروي أنه اعتبرها، بعد ثلاثين سنة في عملية استبطان مع رفاقه الطلبة في باريس، أهم حدث في حياته.

إنها قصة استمع إليها مالك بن نبي «في ليالي الشتاء الباردة».

حكايات الجدات كنز ثمين غني بالقيم الذاتية والبطولات الوطنية.... والمآسي العائلية كذلك.

(الجدة-الشتاء-الليل-البيت) رباعية سحرية إذا اجتمعت قد تصنع الأعاجيب.

تلك كانت إرهاصات الوعي بالسقوط الحضاري، فقد بدأت الأمور تتصنَّف في تفكير مالك بن نبي وذاته، في مرحلة مبكِّرة، وشرع يرى الأشياء، بقسنطينة، من زاوية المجتمع والحضارة، لا الطبيعة والبساطة، كما يقول هو نفسه:«كانت أحاسيس في تبسة تختلف عنها في قسنطينة، فهناك الحياة الطبيعية والرجل البسيط الجاف، كان هؤلاء جميعا يحاورون روحي. أما قسنطينة فالتاريخ والمجتمع ومأساته الواضحة الماثلة بشكل ظاهر، تسائلني دون أدري في الغالب تساؤلاتها ولكنني مع ذلك أشعر بها.».

ولأن مالك بن نبي فرَّق دائما بين أسباب السقوط ومظاهر السقوط، و كان يرى أن الأسباب القريبة تخفي وراءها أسبابا بعيدة. ولأجل تحقيق النهضة المنشودة، على المجتمع أن يحدد موقعه بدقة من الدورة الحضارية، من خلال تشخيصه الدقيق لحجم سقوطه.

ينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة فصول وست ملاحق:

- في الفصل الأول محاولةٌ للغوص في أعماق العلاقة الحميمية، بين مالك بن نبي وقسنطينة، خلال مرحلة الطفولة، وسعيٌ لتحسس بوادر الوعي بسقوط المدينة فالحضارة، للوصول إلى تأسيس نظرية سقوط الحضارات، فيما بعد، وليس في ذلك نفي لعوامل أخرى كثيرة، ثقافية وتربوية واجتماعية، ساهمت في التمهيد لصناعة هذا المفكر العظيم.

- في الفصل الثاني دراسة فكرية في أسباب سقوط أم الحواضر (قسنطينة) (وسقوط وطن بأكمله)، وتشريح لمفهوم القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي، ودحض لكل الشبهات المثارة حوله.

- في الفصل الثالث، انتقال من الخاص إلى العام، من سقوط مدينة وحضارة بعينها، إلى محاولة الكشف عن نظرية أو علم سقوط الحضارات، كما فصَّله مالك بن نبي. ولرؤية قيمة الفيلسوف المفكر، شاهد القرن، كان علينا مقارنته بفيلسوف كبير  من مستوى الفرنسي روجي غارودي، الذي تقاطع معه في طروحات وأفكار كثيرة، وقدم شواهد وأدلة حديثة جدا، على صحة نظرية مالك بن نبي. هما مفكران شغلتهما الأسئلة نفسها أحيانا، وإن اختلفت وجهة نظر كل واحد منهما لاحقا.

س7 ماذا تقصد بالنسق المعرفي الاستئصالي في كتابك "قسنطينة...."؟

 

بدأت قصتنا مع الأنثى طينة، منذ اطَّلعنا على كتاب «نفح الأزهار عما في مدينة قسنطينة من الأخبار»، للأستاذ المرحوم سليمان الصيد، الذي أكَّد منذ الصفحات الأولى، أن اسم المدينة مركب من كلمتيْ: قصر وطينة، اللتين امتزجتا وصارتا بحكم النطق المتغير والتطور الزمني قسنطينة، بتبديل الصاد سينا والراء نونا، ويؤكد الأستاذ سليمان الصيد أن هذه النتيجة جاءت بعد بحث طويل عن اسم قسنطينة في الكتب التاريخية وغيرها، كما يقدم شواهد نصية على رأيه، من عصر العلامة أحمد ابن الخطيب المعروف بابن قنفذ القسنطيني المتوفى سنة 810هـ (1407م) ، وعصر الشيخ عبد الكريم بن محمد الفكون المتوفى سنة 1073هـ (1662م)، وعصر الشيخ بركات بن عبد الرحمن بن باديس، وعصر الشيخ العلامة صالح بن مهنا المتوفى سنة  1327هـ (1910م)، هذا الأخير الذي يقول في تعليقه القيم على رحلة الشيخ الورتلاني المسماة "نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار":«وقسنطينة بلدة قديمة جاهلية من البلاد التي وقع عليها الفتح بأفريقية، وسميت باسم بانيها قسطنطين من أسماء الرومان كالقسطنطينية العظمى. وقيل أصل الاسم ، قصر طينة، منسوب إلى امرأة من الرومان اسمها طينة، فأضيف إليها ثم دخله التصحيف والتحريف فقيل قسمطينة بالميم والنون»[1].

وتنبع أهمية رأي الأستاذ سليمان الصيد من عناصر عدة، نفصِّلها لاحقا:

أولها: مكانة الرجل كباحث في التاريخ الجزائري، استشهد برأيه شيخ المؤرخين الجزائريين الدكتور أبو القاسم سعد الله في مواطن كثيرة من كتبه، سيما "تاريخ الجزائر الثقافي"، ومن هنا فليس هو بالباحث الذي يلقي القول على عواهنه، استجابة لرغبة حماسية جارفة.

ثانيها: وجود آراء أخرى مساندة لهذا الرأي، غربية وعربية.

ثالثها: استخفاف بعض باحثي المرحلة الكولونيالية بهذا الرأي، واستكبارهم على الإنصات له ومناقشة أدلته.

رابعها: صدور بعض الدراسات الحديثة التي تعيد النظر في كثير من نتائج البحوث العلمية الفرنسية بالجزائر، وبقسنطينة تحديدا وآثارها الرومانية، ونسبتها إلى الإمبراطور الروماني قسطنطين.

توجَّب علينا، في سبيل تأليف هذا الكتاب، التنقيبُ في مئات المصادر التاريخية والعلمية، المطبوعة والإلكترونية، وترجمة عشرات النصوص إلى العربية، كما لزم الأمر تقريب البعيد منها رغم الصعاب والعقبات، وكانت عملية البحث في بدايتها تبدو أشبه بمحاولة العثور على إبرة وسط كومة من القش.

إنها دراسة، أردناها عابرة للأزمان والثقافات والديانات واللغات والعلوم، تهدف الكشف عن سر تسمية تعددت الآراء والتحليلات بشأن مصدرها، ووصلت حد التناقض أحيانا. قد تشكِّل هذه الدراسة مساهمة متواضعة في "فقه التحيز المعرفي الغربي"، على حد تعبير المفكر د.عبد الوهاب المسيري، أو دليلا جديدا على ما أسماه مفكرنا الكبير مالك بن نبي "الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة"، أو وجها بيِّن الملامح، لما فصَّله الدكتور غريغوار مرشو في كتابه "مقدمات الاستتباع" ، أو تأكيدا علميا للخطاب الإدواردي النقدي للفكر الغربي، اللاَّموضوعي غالبا في قراءته للآخر.

أردنا  لبحثنا هذا أن يقدم مثالا توضيحيا دقيقا، يفكِّك عمل آليات التحيز، ويطرح أسلوب مواجهتها معرفيا، بعيدا عن الاكتفاء بالإدانة والشجب والرفض. وسوف نرى أمثلة على عناصر وسمات وأدلة تم استبعادها بسبب تحيز المنهج المتبنَّى.

وقد حصرت آليات التحيز ومواطنه فيما يلي:

1- تسليط الأضواء بشكل هستيري على الفكرة المراد ترسيخها في العقول: إن اسم قسنطينة، كان وما يزال مسرحا لصراع حضاري، متعدد الأبعاد والأهداف، كما يشكل دليلا علميا ملموسا على "التحيز المعرفي الغربي"، وقد رأينا كيف يسلِّط معظم الباحثين الفرنسيين الأضواء على ما يخدم الغايات الاستدمارية، فالنسبة إلى قسطنطين تعني بشكل واضح عندهم: شرعية عودتهم لاستعادة أرض الرومان الأجداد، كما أن التقليل من قيمة بعض الروايات المخالفة لم يكن له مبرِّر غير الإيديولوجيا التوسعية الاستدمارية، وهذا باعتراف المنصفين منهم، كما مر في الفصل الثاني. ولترسيخ هذه النسبة وصل الأمر الاستدماري إلى السلطات الفرنسية المحلية بقسنطينة، فكان نصب تمثال الامبراطور قسطنطين، والتأكيد كتابةً أسفله على نسبة اسم المدينة إليه ، تلك النسبة التي أصبحت لدى البعض، حتى الجزائريين، أمرا لا يحتمل المراجعة ولا المناقشة. لقد سعينا في هذا البحث إلى تسليط الضوء أكثر على المهمش، والمغيَّب، والمستضعَف، في الجغرافية الاسمية لقسنطينة، كما حاولنا طرح علامات استفهام كبرى بشأن الرأي الشائع في هذه المسألة، لم يجب عليها أنصار الرأي الأول أنفسهم. وعندما نقابل المرأة طينة، بكل تجلياتها الحقيقية أو الأسطورية (امرأة فقيرة أم ملكة أم إلهة) مع الإمبراطور قسطنطين، نجد أنفسنا أمام مقابلة للأضداد، على جميع الجبهات والمستويات. فالطيبة القصوى والتضحية العالية هنا لصالح قيم ثقافية محلية نبيلة ، يقابلها  جشع لا حدود له هناك، لأجل السلطة التوسعية، وطغيانٌ وسفكُ دماءٍ لا يستثني أحدا، حتى الزوجة والأبناء. أنا على يقين، أن الرأي الثاني بأدلته القوية، المستخرجة من تفكيك مقاطع اللغة البونية أو البربرية، لو توفَّر له، من سنة 1830 إلى 1962، من الدعاية الإعلامية، معشار الدعاية السياسية والعسكرية والإعلامية، الفرنسية التي توفَّرت للرأي الأول، ما كان الرأي الشائع ليصبح ما يردده الكثيرون منا اليوم، أو ليتحول إلى مسلَّمة تغزو حتى الكتابات الروائية والشعرية المسرحية. وإذا كانت الروائية الشاعرة أحلام مستغانمي تقول في ذاكرة الجسد (انطلاقا من الرأي الشائع):

«ككلّ الغزاة.. أخطأ قسطنطين.      
المدن كالنساء.. نحن لا نمتلكها لمجرد أننا منحناها اسمنا»

فإني أقول:

«ككل الغزاة... أخطأ الفرنسيون.

الحقائق التاريخية كالنساء... لا يمتلكها من يملك منطق القوة، وإنما الذي يملك قوة المنطق».

إننا لم نسعَ هنا، إلى ترجيح رأي على آخر،كما أننا لم نتهم جمعية قسنطينة للآثار بتزوير نتائج البحوث، ولكن إدانة الحركة العلمية الفرنسية بالجزائر، في المرحلة الاستدمارية، وقعت على لسان باحثين فرنسيين وغربيين. إن التحرك العلمي لإثبات نتائج محددة سلفا، هو أكبر تزوير للحقيقة التاريخية، وإن تسليط الضوء على رأي ضعيف قد يجعله راجحا مؤقتا، ومقولة رجل الدعاية الألمانية غوبلز :«اكذب..ثم اكذب... ثم اكذب.. حتى يصدقك الناس» صالحة جدا للاستئناس بها هنا. كما أن محاصرة رأي قوي والدفع به إلى الكهوف البعيدة والأغوار المظلمة، قد يطمسه مؤقتا. أما الحقيقة التاريخية، فستنتصر يوما، ولو فقدت في حياتها كل أسباب القوة والمنعة، لأننا نفهم انتصار الباطل على الحق حركةً استيعابية شاملة، لا تهمل شيئا من الحركات الإنسانية، بما فيها الاجتهادات العلمية والفكرية.

2- الخوف من طرح الأسئلة المطلوبة.

لم نهدف من وراء بحثنا هذا إلى ترجيح رأي على آخر، بقدر ما هدفْنا إلى تذكير الباحث العلمي بضرورة طرح الأسئلة المطلوبة، ونحن هنا لا نتعصب لرأي دون آخر، وندعو إلى مزيد من البحث والتنقيب في هذا لموضوع، الذي استفرد به الباحثون الفرنسيون، طيلة 132 سنة. وقد رأينا كيف استخرج الفرنسيون، من أغوار التاريخ فقرة "آحادا"  رواها المؤرخ الأفريقي أوريليوس فكطور، واستفرغوا وسعهم في إثبات صدقيتها، في حين أهملوا تماما كل رواية أخرى مستخفين، مستهزئين بقائليها، الذين كان بعضهم فرنسيون من بني جلدتهم، وقد وقع الإهمال عن سابق إصرار وترصد، "لأسباب إيديولوجية" كما قرأنا على لسان شاهد منهم في الفصل الثاني. كنت أود، انطلاقا من موضوعية علمية مجرَّدة، أن يطرح الفرنسيون الأسئلة التالية:

-      لماذ انفرد أوريليوس فكطور الأفريقي بالرواية الشهيرة؟ ونكتشف أهمية هذا السؤال عندما نعلم أن المؤرخ الشهير أوسيب دو سيزاري Eusébe de Césarée لم يشر في كتابه المعروف "عن حياة قسطنطين" In vita Constantini (الذي اطلعنا عليه) إلى هذه الرواية، مع ملاحظة أن كتابه كله مخصص لقسطنطين، في حين أن كتاب أويليوس فكطور مخصص لجميع القياصرة. ولو وجد مؤلف آخر معاصر لتلك الفترة البعيدة، يشير لهذه الفكرة، ما كان الفرنسيون ليغفلوا عنها أبدا.!!!!

-      لماذا حصل الإجماع على نسبة القسطنطينية إلى قسطنطين، في حين حدث العكس حول قسنطينة بين الباحثين الفرنسيين أنفسهم، على قلة الرافضين منهم لفكرة أن قسنطينة مشتقة من قسطنطين.؟؟؟؟

-      لماذا رفض كثير من الباحثين الفرنسيين، نسبة قسنطينة إلى غير قسطنطين، ولو إلى شخصية رومانية أخرى..؟ فهناك من قال بأن طينة امرأة رومانية لا بربرية. والسبب، في اجتهادنا الخاص، يكمن في ما يمثله قسطنطين في الحضارة الغربية، دينيا وسياسيا.

-      ما تقوله فقرة فكطور أن: سيرتا أصبحت قسنطينة بعد قيام قسطنطين ببنائها مجددا، إثر تخريبها، ولكن الفقرة لا تقول صراحة أن قسنطينة مشتقة من قسطنطين. وتأخذ هذه الملاحظة أهميتها عندما نعلم أن قسطنطينة Constantina هي إحدى بنات قسطنطين، وقسطنطية   Constantia أخته، وقسطنس Constance هو اسم أبيه وابنه!!! وكلها أسماء تصلح لاشتقاق قسنطينة منها، ونضيف إلى هذا الروايات التي ذكرناها سابقا، والتي تنص صراحة على أن إحدى بنات قسطنطين هي التي بنت قسنطينة بعد تخريبها....

-      إن الأدلة الأقوى التي ساقها أصحاب هذا الرأي، تتمثل في اكتشافات الجمعية القسنطينية للآثار، التي لا يمكننا أن نغفل دراسة مالاركاي عن التركيبة المأساوية لأعمالها بحكم الخلفية الإيديولوجية المهيمنة عليها، إضافة إلى ما قرأناه عنها وعن البحث العلمي الفرنسي بالجزائر خلال المرحلة الاستدمارية، في كتاب حديث جدا (أشرنا له أكثر من مرة في الفصل الثاني) هو "السياسة الثقافية الفرنسية بالجزائر، 1830-1962"، من حقائق دامغة تدعو إلى إعادة النظر في كل النتاجات الثقافية الفرنسية المتعلقة بالجزائر في تلك الفترة. إعادة نظر تتوخى البحث عن الحقيقة العلمية، كل الحقيقة العلمية، ولا شيء غير الحقيقة العلمية.

 

3- القفز على الأدلة المناقضة للرأي المتبنَّى (إشكالية حار أصحاب الرأي الشائع في حلها)

على حافة وادي الرمال، بين المنصورة وكدية عاتي، قبل مدخل الوادي بقليل، وعند الهوة التي يغيب فيها عن الأنظار، عثر النقيب الفرنسي كاريط Carette على نقش كتابي لاتيني منقوصة بدايات أسطره ونهاياتها (أنظر الشكل)، يعود إلى سنة 328م، أي بعد تحول سيرتا إلى قسنطينة بخمسة عشر سنة، ودون الغوص في تفاصيل النقش الذي يؤكد  شهودَ المكان  "احتفالا بذكرى" بعض "الشهداء  المسيحيين" من ضحايا الاضطهادات الحاصلة قبل اعتناق قسطنطين للمسيحية، ورغم اختلاف الباحثين في بعض التفاصيل الكتابية للنقش، فهم مجمعون على أن اسم سيرتا Cirtæ لا اختلاف بشأنه. كما يرد النقش مختوما بعبارة: الدورة المالية الخامسة عشرة Indictione XV. وحسب الرأي الشائع فإن حساب الدورات المالية قد بدأ حوالي سنة 313م، لهذا تتوافق الدورة المالية الخمسة عشر مع سنة 328م. وهذا في أقل تقدير، إذ ليس ضروريا أن ينطلق استعمال الحساب بالدورات المالية في أفريقيا فور تشريعه. والسؤال الجوهري هنا : لماذا لا نجد اسم قسنطينة منقوشا عوضا عن سيرتا؟. الجواب صعب جدا، ولكن الإصرار الفرنسي على نسبة قسنطينة إلى قسطنطين عثر على الفكرة التالية: إن تغيير اسم سيرتا إلى قسنطينة لم يقع إلا في الوثائق الإدارية ودوائر الختم الروماني. أما بالنسبة لسكان البلد، فإن قسنطينة ظلت سيرتا. فقد حافظوا عليه بنوع من الإجلال، لأنه يُذَكِّرهم بالمجد والاستقلال، بينما كانت التسمية الأخرى تذكِّرهم بخضوعهم لهيمنة أجنبية؛ ولهذا، إذا تفحصنا النصب الكهنوتية ذات العلاقة بأفريقيا، نجد فيها اسم سيرتا Cirta أكثر شيوعا من اسم قسنطينة Constantine. ونجد في الشرق أمثلة تثبت ، على نحو مدهش، تعلق السكان بالأسماء القديمة لمدنهم.[2]

تبرير محتمل، ولكنه ليس الوحيد. والاحتمالات الأخرى لا يتم التطرق إليها، لأنها قد تعيد النظر في تاريخ تحول  التسمية من سيرتا إلى قسطنطينة.

ينقسم البحث إلى أربعة فصول وخاتمة:

- الفصل الأول: بحث معجمي موسوعي في مفردة «قسنطينة»، ومطاردة تعريفية شاقة لجميع أخوات «قسنطينة الجزائرية» في الجغرافية الاسمية.

- الفصل الثاني تعرية علمية للتحيز المعرفي الغربي، سيما في مجال علم الآثار، ودعوة لإعادة النظر في كثير من النتائج العلمية الفرنسية بشأن الجزائر خلال الفترة (1830-1962).

- الفصل الثالث طرح تفصيلي للرأي الشائع حول التأصيل الاشتقاقي لاسم قسنطينة، وغوص في أدلته التاريخية والعلمية، وإشارة إلى سبب تعصب كثير من الباحثين الفرنسيين لهذا الرأي.

- الفصل الرابع حديث عن المهمَّش والمنسيِّ في تسمية قسنطينة، وهو الهدف المركزي للكتاب، وعرض للروايات المتعلقة بالمرأة الطينة، وتأصيل للرأي الثاني غير الشائع حول تسمية قسنطينة.

- الخاتمة كشف لآليات التحيز الفرنسي في مسألة التأصيل الاشتقاقي لتسمية قسنطينة.

س8 حدثنا عن كتابك "السياسة الثقافية الفرنسية بالجزائر: "1830 – 1962"، كيف كانت الفكرة وما الجديد فيها؟

ج 8: لماذا هذا الكتاب بالذات؟

 يكتسي هذا الكتاب أهمية بالغة من عدة جوانبَ، علينا أنْ نضعها نصب أعيننا:

أوَّلها: أنَّه بيان مختصر جديد لحقيقة الاستدمار وماهيته على الصعيد الثقافي، حقيقة يعرفها الجزائريون جيدا، وقد عبَّر عنها أمير البيان - العلاَّمة محمد البشير الإبراهيمي - قائلاً : «الاستعمار كلُّهُ رِجْسٌ من عَمَل الشيطان، يَلْتَقِي القائمون به على سَجَايَا خبيثة، ذو غرائزَ شَرِهةٍ، ونظراتٍ عميقة إلى وسائل الافتراس، وإخضاعِ الفرائسِ، وأَهَمُّ تلك الوسائل َقتلُ الـمعنويات، وتَخديرُ الإحساسات الروحية.» وأضاف: «إنَّ الاستعمار القائم على الجنديِّ، والمعلِّم، والطبيب، والراهب، هَيكلٌ حيوانيٌّ يَمشِي على أربع…وإنَّ الاستعمار قد قَضَى بواسطة هؤلاء الأربعة على عشرةِ ملايين من البشر، فَرمَى مَواهبَهم بالتعطيل، وعُقولَهم بالخمود، وأذهانَهم بالركود، وأفكارَهم بالعقم، وأضاع على الإنسانية بضياعهم عشرَةَ ملايين من المواهب، والعقول، والأذهان، والأفكار، وهي رأسُ مالٍ عظيم كانت تستعينُ به- لولا الاستعمار- على الخيْر العام والمنفعة، وتنتفعَ به في إقامة دعائم المدنية، فَما أشْأَمَ الاستعمارَ على الإنسانية!!!..»...لأجل هذا... «يا معشر الجزائريين: إنَّ الاستعمار كالشيطان الذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان قد يئس أنْ يُعْبَد في أرضكم هذه، ولكنه رضي أنْ يُطَاع فيما دون ذلك))، فهو قد خرج من أرضكم، ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم، ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم....»..«وإنَّ الاستعمار شَرٌّ، ومحالٌ أنْ يأتيَ الشر بالخير، ومُحَالٌ أنْ يُجْنى من الشوك العنبُ»... وقد أتى:«إلى هذا الوطن كما تجيء الأمراض الوافدة، تحمل الموت وأسباب الموت. والاستعمار سُلٌّ يحارب أسباب المناعة في الجسم الصحيح»...« جاءَ الاستعمار الَّدنِسُ الجزائرَ يَحْمِلُ: السيفَ والصليبَ، ذلك للتمكُّن. وهذا للتمكين، فَملَكَ الأرضَ واسْتَعْبَدَ الرقابَ، وفَرضَ الجِزية، وسخَّر العقولَ والأبدانَ، ولو وقَفَ عند حدُود الدُّنيويات لقلْنَا: تلك هي طبيعةُ الاستعمار الجائع، تدفعه الشهواتُ إلى اللذات، فيجْرِي إلى مَداها وَيقف، وتدفعه الأنانيةُ إلى الحيوانيةِ فيلتقمُ ولا ينتقمُ، ولكنَّه كان استعمارًا دينيًّا مسيحيًّا عاريًّا».

تلك حقيقة الاستدمار، التي سنطَّلع هنا، على جانب واحد منها فقط، هو الجانب الثقافي.

ثانيها: أن مؤلِّفة الكتاب كميلْ ريسليرْ Camille Risler فرنسية، من مواليد سنة 1975، وهذا يعني أنها من جيل لم يشهد الحقبة الاستدمارية الفرنسية للجزائر، كما أنها نشرت هذا البحث سنة 2004 خلال دراستها بمعهد التاريخ، في جامعة مونتريال (كندا)، الأمر الذي قد يُحَرّرُ البحث العلمي من أجواء الضغوط الإعلامية والفكرية والسياسية الفرنسية الممجِّدة لجرائم الاستدمار. ورغم أنَّ هدف الكِتاب، كما تُقَرِّر صاحبته، هو: تسليط الضوء بـ "الجزائر الفرنسية"، على وجود عنصر تقليدي من السياسة الخارجية لفرنسا في العالم، منذ عصور الأنوار، ممثَّلا في استعمال ثقافتها لترسيخ تأثيرها، وخدمةِ مصلحتِها السياسية بمفهومها الواسع، على المدى البعيد جدا، بإمكاننا أنْ نعتبره اعترافا غير مباشِر من باحثة فرنسية بجريمة الإبادة الثقافية الفرنسية بالجزائر، في انتظار اعتراف السياسيين الفرنسيين بجريمة الإبادة الشاملة للجزائريين خلال الحقبة الاستدمارية. فهي لا تقوم بتوصيف المسألة على هذا النحو، كما تتجنَّب إصدار أي حكم قيمي، قد يدين أيَّ ممارسة سياسية أو ثقافية فرنسية، بل تتعامل ببرودة تامة أحيانا مع جرائم ثقافية بَيِّنة، ولكنَّها تقول ما هو أهمُّ من ذلك: تترك القادة الفرنسيين أنفسهم يقدمون اعترافاتهم، وتستخرج من الأرشيف الفرنسي المتعلق بالجزائر (أو الأرشيف الجزائري الذي تحتكره فرنسا)، جميع الأدلة المثبتة للحكم دون أن تنطق به. وهذا دون أن ننكرَ، أنَّ كثيرا من هذه الأدلة مبثوث في بطون كثير من الكتب الجزائرية، وأنَّ كُتَّابا فرنسيين انتقدوا الممارسات الاستدمارية، على نحو غير استقصائي.

ثالثها: أنَّ هذا الكتاب هو أبلغ رد علمي فرنسي على جميع التصريحات الرسمية الفرنسية الممجِّدة للاستدمار، سِيَّما تصريح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي جاء فيه : «إنَّ الوجود الفرنسي بمصر والجزائر والمغرب كان حلما حضاريا لا استعمارا». والذي قدَّم خلفيته الفكرية في تصريح آخر له، قال فيه : «إنَّ مأساة أفريقيا، تكمن في عدم دخول الإنسان الأفريقي إلى التاريخ بالقدر الكافي، الفلاَّح الأفريقي الذي جعل بقاءه متناغما مع الطبيعة، مثَلَه الأعلى في الحياة، لا يعرف إلا الإعادة الأبدية للزمان... في هذا المتخيَّل، حيث كل شيء يتكرر دائما، لا مكان للمغامرة الإنسانية ولا للفكرة التقدمية. في هذا العالم حيث تتحكم الطبيعة في كل شيء، يبقى الإنسان ثابتا وسط نظام جامد، حيث يبدو كلُّ شيء مكتوبا سلفا. فلا الإنسان ينطلق نحو المستقبل، أبدا. كما لا ترد عليه، أبدا، فكرة الخروج من التكرار، لابتكار مصيرٍ ما لنفسه». لقد كان الاستدمار "من أسوأ الفترات في العلاقات الدولية، وكانت الجزائر في طليعة الضحايا لهذا النظام الجائر"، ولقادة فرنسا من كل ألوان الطيف السياسي أنْ يقرروا تقديم تاريخ بلادهم السياسي والعسكري والثقافي بما يرضي صورتهم عن بلادهم، وللنوستالجيين والشوفينيين أنْ يختاروا المساحيق التي تخفي الحقائق وتحرِّف الوقائع، ولكنْ لضحايا الظلم والعدوان أن يرفضوا تبييض الجريمة. وقد تصدى بعض الساسة والمفكرين الأحرار من الفرنسيين للتنديد بأسطورة مساهمات فرنسا المتعددة بالجزائر في المجالات العلمية والتقنية والإدارية والثقافية واللغوية، أحصى منهم الأستاذ كلود ليزو ما يزيد عن 300 فرنسيا حرا، الذين حكموا على قانون تمجيد الاستعمار بقولهم: إنه ليس تاريخا بل هو ضد التاريخ. وسنطلِّع في هذا الكتاب على هذه الحقيقة، ثقافيا، حيث تقول كل المصادر الفرنسية المستشهد بها هنا، أنَّ فرنسا لم تفكر أبدا في تقديم شيء واحد لمصلحة الجزائر، وكل ما فعلته كان لمصلحتها هي فحسب. قد يُشكِّل هذا الكتاب، من خلال بعض فصوله، مساهمةً متواضعة غير مباشِرة، في "فقه التحيز المعرفي الغربي"، على حد تعبير المفكر د.عبد الوهاب المسيري، مع العلم أنَّ هذا الكتاب لا يطرق إلا جانبا واحدا للاستدمار، هو سياسته الثقافية.

رابعها: أنَّ هذا الكتاب يضع أمام أعيننا وبشكل مُرَكَّزٍ، الترسانة الضخمة التي جنَّدتها فرنسا، والأدوات الجبارة، العلمية والإعلامية والثقافية والتربوية، التي استعملتها طيلة 132 سنة، كي تبقى بالجزائر إلى الأبد. وقد ظلت غير مُصَدِّقة بضرورة رحيلها عن الجزائر، حتى بعد اندلاع الثورة التحريرية الكبرى. كما ظلت التقارير المرفوعة إلى الحكومة العامة بالجزائر، متفائلة بنجاح المشروع الاستدماري سنوات بعد الثورة وإلى غاية إعلان الاستقلال. ولم يتحدث الكتاب إطلاقا عن التحركات الشعبية والجمعية والحزبية الجزائرية إلا عند استدعاء السياق لذلك، لأن البحث مخصص، كما أسلفنا، للسياسة الثقافية الاستدمارية، ومنْ أراد أنْ يطَّلع بالتفصيل على الفعل أو رد الفعل الجزائري، الشعبي والجمعوي والحزبي من منظور المستدمَر نفسه، فليفتح موسوعة شيخ المؤرخين الجزائريين الدكتور أبو القاسم سعد الله، فقد أحبَبْنا مرة أخرى، أنْ يدان الاستدمار بلسان واحدة منهم. لأجل هذا لا يحتوي الكتاب على أسماء القادة الكبار من صنَّاع الوعي الثقافي الذاتي بالجزائر، خلال المرحلة الاستدمارية.

خامسها: أنَّ هذا الكتاب رغم بعض مآخذنا القليلة عليه (المسجلة في هوامشنا النجمية داخل الكتاب)، يبقى نفعُه أكبر بكثير من ضرره. فهو يُبْرِزُ دون وعيٍ من صاحبته، عظمة الشعب الجزائري بعلمائه وقياداته ومجاهديه، حيث ثَبَتَت الأغلبية على دينها ولغتها رغم كل ما تعرَّضت له من إبادة شاملة. وأنا شخصيا، باعتباري واحدا من جيل الاستقلال، أنظر بعين الإكبار والإجلال لهذه الأغلبية، التي أنجبت رغم كل ذلك، عالما وأديبا وصحفيا بمقام أمير البيان الشيخ محمد الإبراهيمي، ومفكرا حضاريا كبيرا بمستوى مالك بن نبي، وهما نموذجان رِسَاليَّان أُقَدِّمُهُما على سبيل المثال فقط، ولا نظير لهما في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي. وشخصيا لا يثير في نفسي، حديثُ الكاتبة أحيانا عن مجد فرنسي بالجزائر في مرحلة معيَّنة، سوى إحساسٍ بالفخر والاعتزاز والكبرياء، لأن كل تلك الأوهام الفرنسية سقطت على أرض الواقع وانكشف زيفها لاحقا وإنْ ظلت مُعَشِّشة في بعض الرؤوس.

سادسها: أنَّ ورود بعض الأسماء الجزائرية الكبيرة، في ثنايا بعض الأحداث، لا ينقص من قدرها لدينا شيئا. وكما كانت السلطة الاستدمارية تعتقد توظيف بعض التحركات الثقافية لمصلحتها، فإن هؤلاء الكبار كانوا يتحركون بفعالية ضمن هامش ضيق جدا. والعبرة في كل هذا بالمضمون الفكري للعمل الثقافي المنجز: هل يخدم الثقافة الاستدمارية أم الثقافة العربية الإسلامية؟ هل يُكَرِّس مشروع الجزائر-الفرنسية أم يعمل بذكاء لهدف الجزائر العربية المسلمة؟.

سابعها: أنَّ القارئ سيكتشف بنفسه خواء النسق المعرفي الاستئصالي وبطلان كثير من أدلته، المستعملة لأجل الإبادة الحضارية للآخر، على لسان قادة فرنسيين استدماريين. لأجل هذا لن نكلِّف نفسنا بالرد على كثير من الدعاوى المتهاوية بداهة. وإلاَّ تطلب الأمر تأليف كتاب مواز للكتاب المترجم.

ثامنها: أنَّ الكتاب يكشف عن غير قصد، فضيلة كبرى من فضائل الثورة التحريرية الجزائرية الكبرى، لم تلق عناية كبيرة لدى الباحثين والعلماء، رغم مرور أكثر من سبع وأربعين سنة على استعادة الجزائر لسيادتها. سنتابع في هذا الكتاب تفاصيل المجزرة الفرنسية الرسمية بحق العلم والمعرفة، في شتى الاختصاصات والمجالات، من علم الآثار وعلم الأعراق والأنتروبولوجيا إلى اللسانيات وعلم ما قبل التاريخ، وهذا منذ احتلال الجزائر سنة 1830، وإلى غاية انتزاعها استقلالها بقوة السلاح العسكري والسياسي والثقافي. كما سنرى أيضا، كيف تصاعدت وتيرة تلك المجزرة الوحشية الواقعة على الحقيقة العلمية والنزاهة المعرفية، مع اندلاع الجهاد الجزائري للمرة الأخيرة، ضد العدوان الفرنسي الجائر. وباختصار شديد نقول: لولا الثورة التحريرية الكبرى، التي انتهت بتوفيق من الله، إلى تحقيق النصر المظفَّر، لاستمرت جرائم الاكتشافات الأثرية، المرتكبة عن سبق إصرار وترصد، بأيدي الجمعيات الأثرية الفرنسية بالجزائر، وبتحريض من السلطات العسكرية والسياسية الفرنسية.

س9 هل هناك تقاطع او تباين بين كتابكم وكتاب سعد الله "تاريخ الجزائر الثقافي في هذه الفترة 1830/1962

ج9: فور انتهائي من ترجمة الكتاب اتصلت بالدكتور المرحوم أبو القاسم سعد الله، أرسلت له نسخة وأخبرته عن رغبتي في قيامه بتحرير مقدمته، مع العلم أن إهداء الكتاب موجه إلى شخصه الكريم هكذا: "إلى شيخ المؤرخين الجزائريين الدكتور أبو القاسم سعد الله مؤرخا ورساليا"....ابتهج كثيرا للخبر وأعلمني بموافقته شرط حصولي على موافقة من دار نشر..ولم يتحقق حلمي فقد وافته المنية بعد ذلك.

أعترف أنَّ التصدي لترجمة كتاب من هذا النوع يتطلب شجاعة ودراية، بل هو مغامرة ثقافية تتطلب عدم الوقوع في محاذير كثيرة، وذلك من عدة نواحٍ:

أوَّلها: تعلُّقه بتاريخ الجزائر (الثقافي) خلال المرحلة الاستدمارية، وهي مرحلة دقيقة جدا بالنسبة إلينا كجزائريين، ومن أكبر المستحيلات العثور على فرنسي واحد، قد يقول كل الحقيقة بشأن المرحلة ولا شيء غير الحقيقة، سِيَّما بعد ما خطّه شيخ مؤرخينا الدكتور أبو القاسم سعد الله....مع تأكيدي أني استعنت كثيرا بكتاب سعد الله كمصدر رئيسي في تحقيقي للكتاب المترجم.

ثانيها: مجانبته في بعض الأحيان القليلة، للحقيقة التاريخية أو الرؤية التحليلية، المتبنَّاة جزائريا، وفي هذه الحالة لا يمكنني أنْ أخون النص الأصلي، بيد أني قادر على عرض رؤيتي بأدلتها المختصرة عبر هوامشي النجمية (*) المفتوحة خصيصا لذلك، في مقابل الهوامش الرقمية لصاحبة الكِتَاب كميلْ ريسليرْ (سواء كانت نصوصها بالعربية أو الفرنسية). وفي ذلك فتح لحوار فكري هادئ سلاحه الحجة والدليل والإحالة على المصادر، لا غير، وتأسيسٌ لمنهج جديد في ترجمة بعض الكتب الأجنبية المنتمية إلى مجال العلوم الإنسانية المهمة. علينا أنْ ننتقل إلى مرحلة الهجوم الحضاري باقتحام ما يكتب عنا والدخول معه في حوار هادئ راقٍ.

ثالثها: هناك كثير من المصطلحات التي علينا التدقيق جيدا في دلالتها، عند نقلها من الفرنسية إلى العربية، نكتفي بذكر الأمثلة التالية:

- ارتأينا أن نترجم الكلمة الفرنسية colonialisme إلى كولونيالية، إشارةً إلى المضمون التاريخي، كما فضَّلنا ترجمة colonisation إلى استِدْمار في كثير من الأحيان للمضمون الدلالي السلبي، المعبِّر صراحة عن حقيقة هذا الشيطان، وإيحاء كلمة استعمار بمضمون إيجابي مناقض لتلك الحقيقة. ورحم الله عالمنا الكبير مولود قاسم نايت بلقاسم رحمات واسعة. والشيء نفسه فعلناه مع جميع مشتقات الكلمة، فالكولون colons همُ المستدْمِرون (بكسر الميم)، والمستدمَرون (بفتح الميم) هُمْ les colonisés..إلخ. وفي ذلك تذكير دائم بالوجه الحقيقي لهذا الشيطان، حتى لا ننخدع ببعض ما يسميه البعض "أعمالا إيجابية" تُنْسَبُ إليه في فترة ما، فكل تلك الأعمال كما يؤكِّد هذا الكتاب صراحة، خيرٌ ظاهرٌ جزئيٌّ يهدف إلى تحقيق شرٍّ خفيٍّ محضٍ. مع حرصنا في هذه الحالات على تسجيل المصطلح الفرنسي والمصطلح العربي جنبا إلى جنب.

- اخترنا ترجمة مصطلح Algérianisme بـ "المدرسة الأوروبية بالجزائر"، وتلك هي حقيقة المصطلح، ولا علاقة لها بالجزأرة، إطلاقا، إضافة إلى ما قد يوحي بها هذا الأخير، مِنْ إرباكات معرفية كثيفة، نتيجة بعض مضامينه الحركية الحديثة.

 

س10 علمنا أن لكم اهتمام بالترجمة، هل من مشاريع في ذلك؟

 ج 10 : هناك كتاب ضخم عن تاريخ الجزائر بالانجليزية كان حلم الدكتور سعد الله هو ترجمته إلى العربية...وقد شرعت في الأمر منذ مدة....أرجو أن أنجح في ذلك إن شاء الله.

س11 حسب ممارستكم للترجمة ما هي ملاحظاتكم على الترجمات العربية عموما؟ لاسيما أن بعض المهتمين يقولون إن ترجمات أعمال بن نبي كلها دون المستوى، كيف تكون دون المستوى؟

ج 11: يعرف المترجم عن نفسه من خلال توسطه بين وضعيتين ثقافيتين وسياقين لغويين متمايزين.

والترجمة - بأعم تعريف -: هي التعبير بلغة ثانية (اللغة الهدف) عن المعاني التي تم التعبير عنها بلغة أولى (أو اللغة المصدر ). ويدل هذا التعريف على وجود مستويين: مستوى المعاني، ومستوى التعبير عن هذه المعاني بلغة معينة. وفي حين يتساوى بنو البشر في كيفية اكتساب المعاني، يختلفون في طريقة التعبير عنها بحسب اختلاف لغاتهم. ويحدَّد هذا الاختلاف في أن لكل لغة وسائلها التركيبية والصرفية والصوتية التي تستعملها للتعبير عن المعاني المختلفة.

أعتقد أن المترجم الناجح هو الذي يوالف بين القواعد العلمية للترجمة وبين مهاراته الفنية والأدبية. فالخضوع الكلي للقواعد يفرغ العمل المترجم من مضمونه الحي المتحرك. والاعتماد على المهارات الفنية الخاصة يفقد النص الأصلي أصالته وخصوصياته. وتبقى الترجمة على حد تعبير مثل ألماني بليغ كالمرأة-الغربية طبعا-لا يجتمع فيها الوفاء والجمال إلا قليلا.

ليست الترجمة عملا حياديا، فقد ارتبطت لمدة طويلة بمجال التبشير الديني، كما ارتهنت للإيديولوجيا وتوجيه الهوية، ومع ذلك فإن للترجمة أهمية بالغة في

مجال تمتين الحوارات الثقافية بين مختلف الشعوب.

بخصوص ترجمة مالك ابن نبي، تبقى دون المستوى في نظري، لعدة الأسباب:

1-  لا يمكن لترجمة ما خاصة بأي نص أن تكون بمقام ومستوى النص الأصلي...لن تغترف كقارئ من أفكار وجماليات النص جميعا إلا باللغة الأصلية التي كتب بها.....لا يمكنك أن تسبر أعماق القرآن جيدا خارج اللغة العربية...مع العلم إن الإسلام يدعو إلى تشكيل نفسي لا لغة له....ويستحيل أن تتذوق شكسبير جيدا خارج الإنجليزية، ولا كافكا خارج الألمانية، ولا تولتسوي خارج الروسية، ولا المتنبي خارج العربية...لهذا قيل: الترجمة حجاب...والترجمة خيانة (من المثل الإيطالي (Traduttore, traditore....ويصدق هذا على وجه خاص على الأعمال الأدبية.

2-   غياب التوازن في التكوين اللغوي للمترجم، فهو إما جيد في العربية، متوسط في الفرنسية، أو العكس. والترجمة الناجحة هي تلك التي يقوم بها مجيد للغتين لا لغةٍ واحدة، ومعلوم أن مستوى المشارقة عموما (باستثناء اللبنانيين) ضعيف في الفرنسية أو متوسط في أحسن الأحوال (إلا من رحم ربك)، وأهل المغرب العربي ولأسباب تاريخية هم أكثر إجادة للغة الفرنسية التي حرر بها مالك ابن نبي جل كتبه,.

3-   طبيعة كتب مالك ابن نبي تتطلب مترجما متابعا لعالم الأفكار...أو مسكونا بتاريخ الأفكار عبر تاريخها الطويل، أو على الأقل متابعا للكتب الفكرية الصادرة بالفرنسية والعربية في هذا المجال....

4-   لا يمكن لمن لم يغص في فهم أفكار مالك ابن نبي وفي شخصيته...أن يوفق في ترجمة أعماله...ستجيء الترجمة دون طعم...جافة. والغريب العجيب أن المترجم الدكتور اللغوي عبد الصبور شاهين خاض هجوما عنيفا بداية التسعينيات على مالك ابن نبي متهما إياه بمرض نفسي هو مرض الشك في كل ما حوله؟؟؟ بسبب حديث مالك ابن نبي المفرط عن أساليب الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة.

5-   بالنسبة لترجمة مذكراته هناك أخطاء كارثية فادحة في تسمية الأعلام والأماكن وما شابه....وكان المفروض من دار الفكر أن تعرض تصحيح الترجمة على عارف بمدينة قسنطينة وغيرها.

12 هل في أعمالك بالترجمة، لك تخصص معين أم أنك تترجم ما يستهويك أو حسب الطلب؟

معادلة الترجمة في مسيرتي العلمية والأدبية مركبة من مفردات عدة، فقد بدأت بترجمة برقيات وكالة الأنباء الفرنسية في صحيفة النصر، ثم المقالات السياسية، فالمقالات والكتب العلمية. واهتمامي بالترجمة تولَّد من عشقي للغات الأجنبية، فقد درست في كل مراحل تعليمي بالفرنسية من الابتدائي إلى الجامعي، ولم يقف هذا حائلا دون غوصي في لغة القرآن العربية. أنا حاصل على شهادة في الترجمة من الإنجليزية إلى العربية.

مارست كثيرا الترجمة العلمية، مع مؤسسات أجنبية، سيما الاستبيانات الطبية بالتنسيق مع جامعة أكسفورد، وأميل أكثر إلى الترجمة العلمية  والتاريخية...المتعلقة بالفريد المتميز لا المستهلك العادي.

س13 ما تقييمكم للحياة الثقافية في الجزائر؟ وما هو دور المثقف في المجتمعات عموما؟

ج 13 : الحياة الثقافية في الجزائر ورغم حركيتها تبقى بعيدة جدا عن المستوى المطلوب، فالثقافة هي آخر ما يهم كثيرا من الجزائريين اليوم..في ظل هيمنة أشياء أخرى على تفكير المواطن المثقف...

وعن دور المثقف عموما أقول: المطلوب من المثقف الرسالي أن يتصدر الساحات، ويوجه العقول، ويصنع التغيير، بعقلانية وانفتاح وأصالة، بعيدا عن التحريض الطائفي والتكفير المذهبي والخطاب العنفي...المطلوب من المثقف اليوم هو ترسيخ ثقافة الاختلاف والحق في الاختلاف والدعوة إلى التعايش والتحاكم إلى الصندوق الشفاف ونبذ الإقصاء والتأسيس لمجتمع الحريات وحقوق الإنسان ، ومقاومة كل أشكال الظلم والحقرة.

س14 كيف تقيمون دور المثقف في الجزائر؟

ج 14: المثقف الجزائري لا يزال يبحث له عن دور فاعل، وضياعه جزء من الضياع العام الذي غرق فيه المجتمع...فالثقافة الفاعلة البنائية ليست في جدول أعمال كثير من مسؤولينا....وهناك تركيز فاضح على الشكل الاستعراضي التهريجي للثقافة...وعلى المثقف أن يتحرك ويفتك حضورا فاعلا في الساحة وألا ينتظر التصدق عليه بهذا الدور.

س15 ما رأيكم فيمن يقول إن الأزمة في بلادنا ثقافية، على خلاف من يقول من السياسيين أنها سياسية أو أمنية؟

الأزمة في بلادنا متعددة الأوجه، وفي كل مرة يطغى جانب ما على الجوانب الأخرى، فقد يهيمن الأمني على كل شيء في فترة ما، وقد يهيمن السياسي على كل شيء في فترة أخرى، ولكل عامل من هذه العوامل دوره في  صناعة الأزمة، هي في الظاهر أزمة سياسية، لكنها في العمق ثقافية أخلاقية.

الإقصاء السياسي واحتكار السلطة هو مرض يعاني منه الجميع، رجالات السلطة والمعارضة على حد سواء، ...

إن الإنسان بطبيعته كائن متعصب، ولكنه يصبح متسامحا بالضرورة أولا ثم عن طريق الذكاء والعقل ثانيا، فهو مضطر للعيش في المجتمع والتعامل مع الآخرين يوميا، وبالتالي فلا بد من تدجين مشاعره العدوانية لأنه لا يستطيع أن يعيش في حالة حرب كل يوم.

الاستبداد ليس المسؤول الوحيد عن مآسينا، فداخل كل واحد فينا داعشي صغير موجود بالقوة ومستعد للخروج الفعلي بمجرد توفر الظروف الملائمة والسياقات المناسبة، وحالة الفوضى التي يعيشها عالمنا العربي هي المناخ المناسب لنمو الدواعش وتكاثرهم.     


  • عنوان البصائر: 17 شارع محمد مربوش – حسين داي، الجزائر 16040
الهاتف: 021.49.52.67 – 021.49.51.19 / الفاكس: 021.23.33.73
البريد الالكتروني:   
info@albassair.org
info.bassair@gmail.com 


PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.09 ثانية