الاثنين 27 ربيع الثاني 03 جمادى

الاثنين 27 ربيع الثاني 03 جمادى الأولى 1439هـ /الموافق لـ 15 - 21 جانفي 2018 العدد 893




القائمة الرئيسية
الصفحة الأولى
عـلى بصــيـرة
كلمة حق
مع رئيس التحرير
سانحـة
وراء الأحداث
بالمختصر المفيد
شعاع
مقامات البصائر
نظرات مشرقة
محطات
في رحاب القرآن
في رحاب السنة
عالــم الأفكــار
اسألوا أهل الذكر
ما قل و دل
حوارات
من نشاطات الشعب
خدمات
خواطر
روضة البصائر
الحديقة الأدبية
أخبر صديقك
المواضيع
المنتديات
راسلنا
معالجات إسلامية
متابعات
مـسـاهـمـات
قـافلة الجزائر-غزة
قضــايـا وآراء
الصحة والفقه
فـكرة قديمة


البحث




من يتصفح الآن
يوجد حاليا, 86 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

أنت غير مسجل لدينا. تستطيع التسجيل مجانا بالضغط هنا


مقالات سابقة
Wednesday, May 31
· نيل المرام في تحقيق مقاصد الصيام
· ابن باديس في فيلم سينمائي
· ترامب يحصد الدولارات من السعودية ويقدم الدعم لإسرائيل!
· "ترامب" في الرياض
· يوسف زيدان..التعبان..؟ا
· صيام الاحتساب..!
· عادي!
· شبابنا والطريق البديل
· المسلمون وبناء صروح العلم والحضارة
· استقبال شهر رمضان المبارك
Tuesday, May 23
· عسر الامتحان.. على نواب البرلمان
· انتقل الحبيب اللمسي إلى رحمة الله
· الشيخ البشير الإبراهيمي: موسوعة ثقافية ومنارة علمية
· الإشاعة.. والسياسة
· ذكرى العلامـــــــــة الإبــــــــراهيمي...
· لن تسلم البلاد إلا بالقضاء على أسباب الفساد...
· الرجل ـ الكتيبة
· هكذا يكون المؤمن حقا
· غيرة عمر..ومسارعة الوحي في هواه
· آخر من يدخل إلى الجنة
Tuesday, May 16
· جمعية العلماء: عظمت وما هرمت
· مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الثالثة والثمانينذ
· إيمانويل ماكرون ينقذ فرنسا من كارثة سياسية !
· الإشاعة.. والسياسة
· ماذا وراء إدمان النساء وانتحار الأطفال...؟
· "ترامب" في فلسطين
· أزمة وعي...
· ليلة القبر الأولى
· القيمة الحضارية والشرعية للسلم الاجتماعي
· فضائــل شهــر شعبــان

مقالات قديمة


  
كلمة إنصاف في حق سيد قطب
بتاريخ 5-12-1437 هـ الموضوع: مساهمات
مساهمات

     يا أيها القلم الذي بين أصابعي، لا كنتَ إن لم تسطر حروفك دفاعا عن حق، وإنصافا لمظلوم، وردا لعدوان، وكشفا لشبهة، وبيانا لحقيقة، ونشرا لفضيلة، وتحريرا لعقل، وتنويرا لوجدان !

أ.د.عبد الملك بومنجل



 

   ها هي الذكرى الخمسون لإعدام الأديب الناقد المفكر سيد قطب تمر علينا، وها هم الحاقدون على فكره المستنير، أو الجاهلون لسيرته الزكية إيمانا بالحب والجمال، والعدل والكرامة، والخير والحرية، ودفاعا عنها، وتضحية بالمال والجسم والروح في سبيل انتصارها- يربطون، لحقدهم أو لجهلهم، بين فكره وأحداثٍ طوارئَ صنعتها عواملُ كثيرةٌ منها حقد فريق وجهل آخرين، مستندين إلى أكذوبة روّجها المُغرِضون وصدّقها الغافلون، أكذوبة تكفير سيد قطب للمجتمعات الإسلامية وتحريضه في كتبه على تغييرها بالسلاح !!

    آه على الحقيقة الضائعة بين قومٍ يتعمّدون تشويه الحقائق وترويج الأباطيل، وقومٍ لا يقرؤون وإذا قرؤوا لا يفهمون ! من أي كتاب استنبطوا هذه الأكذوبة، وبأي ضمير تجاهلوا مأساة أديب مفكر لا يحمل سوى فكره وقلبه، وكلماته وقلمه، يدافع بها عما يراه من الحق، وما يشرئب إليه من العدل، وما يعشقه من الحرية، وما يتعلق به من التوحيد؟ مأساة مثقّف من طراز رفيع، ومؤمن من نمط عزيز، التهمته السجون سنوات على ضعف في الصحة، وتركت جسمه المعتل تنهشه الأمراض، ولم ترحم ضعفه ومرضه فأغرت به زبانية الدنيا فعذبته عذابا تشيب لهوله الولدان، ثم أصرّ الحاقدون على فكره، الحاسدون له على صدقه واستعلائه، أصروا على إرواء غليل أحقادهم بإعدامه؛ وكان من علامات إصرارهم الجبان، وحقدهم اللئيم، أنهم لم يقبلوا وساطات أهل الوجاهة والشأن من قادة السياسة والفكر، وأنهم أسرعوا إلى تنفيذ الإعدام وخالفوا في توقيت تنفيذه القوانين ! (في الثالثة ليلا، ودون حضور أطراف لها حق الحضور).

     يحدّثنا السلفيون عن محنة ابن حنبل إذ سجن وعذّب عذابا شديدا، وعن محنة ابن تيمية إذ سُجن مرات وتهاطلت عليه الوشايات. ويُحدّثنا العلمانيون عن محنة الفيلسوف ابن رشد إذ أحرقت كتبه، ومحنة طه حسين إذ حوكم بسبب كتابه في الشعر الجاهلي وصودر كتابه، ومحنة نصر حامد أبو زيد إذ رُفعت ضده قضية تطليق من زوجته بعد اتهامه بالكفر  فهربا معا إلى أوربا.. ولا يملون من تكرار الحديث عن هذه المحن البسيطة قياسا على محنة سيد قطب.. فهلا انتبهتم قليلا، أيها الفريق من السلفيين المعادي لسيد قطب، وأيها الفريق من العلمانيين الحاقد عليه، هلا انتبهتم قليلا إلى محنةٍ هي أعظم من محنهم جميعا: محنةٍ جمعت إلى السجن التعذيب الشديد، وإلى التعذيب الإعدام، وإلى الإعدام مصادرة كتبه وتجريم الكتابة عنه زمانا  طويلا!

    ألا يستحق أن يتعاطف معه الأدباء، وقد كان أديبا؛ والنقاد، وقد كان ناقدا؛ والمفكرون، وقد كان مفكرا مستنيرا؛ وطلاب الحرية، وقد كان عاشقها وفاديَها؛ والدعاة إلى الله، وقد كان صادق الدعوة إليه، كريم التضحية في سبيله؟

     لقد مر على سيد قطب، بعد استشهاده، زمان كان فيه الباحثون في الأدب والنقد والفكر يقتاتون على أفكاره ونظرياته دون أن يذكروه، ويقتبسون من كلماته ولمحاته دون أن يُحيلوا عليه.. يرتعدون من ذكر اسمه أمام قوة غاشمة تريد أن تجتثه من الأرض حسدا وحقدا؛ ثم أذن الله بزوال تلك الغاشية فإذا بالكتب والبحوث والمقالات التي تمجد ذكراه وتحتفل بسيرته وتنشر فكره، وإذا بدور النشر التي تنشر كتاباته بشرعية وبغير شرعية، تظهره إلى العالم أعظم ما يكون الإظهار !

     يا له من محظوظ! يا له من مُبارَك! صدقَ اللهَ فصدقَه.. ضحى بحياته فأمدّه بحياتين أخريين أخلدَ وأحلى: حياة الشهادة وحياة مجدٍ أدبي ونقدي وفكري لا نكاد نجد له نظيرا في التاريخ الحديث. عاش حياته حتى شارف الستين، ثم خُتم له بالشهادة ولم يمتْ حتفَ أنفه، ثم فُتح أمامه باب المجد على مصراعيه!

    لا يملك صاحبُ الإحساس النبيل إلا أن يُحبه.. لا يملك صاحب الفكر المستنير إلا أن يُجلَّه.. لا يملك صاحب الإيمان الصادق إلا أن يُعزَّه.. لا يملك صاحب الحس الإنساني إلا أن يتعاطف معه.. ولكنه الحقدُ في جهة والجهلُ في أخرى.. إليكم بعضاً من كلماته وطُرَفا من أخلاقه:

    1-"حين نعتزلُ الناسَ لأننا نُحسُّ أننا أطهرُ منهم روحا، أو أطيبُ منهم قلبا، أو أرحب منهم نفساً أو أذكى منهم عقلا لا نكون قد صنعنا شيئا كبيرا.. لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلَّها مؤونة!

    إن العظمة الحقيقية: أن نخالطَ هؤلاء الناس مُشبعينَ بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع!

    إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا ومُثُلِنا السامية أو أن نتملق هؤلاء الناس ونُثني على رذائلهم أو أن نُشعرهم أننا أعلى منهم أفقا.. إن التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد: هو العظمة الحقيقية!"

   2-"نفسي خيِّرةٌ مُحبّة، يغمر الحنانُ جوانبَها.. تريد –لو استطاعت- أن تبسِمَ لكل شيء، وأن يبسم لها كلُّ شيء.. وهي تعشق الرضا والهدوء، وتتلمسهما في كل ناحية، وفي كل مظهر من مظاهر الحياة.. وتودّ لو كانت الحياةُ منبسطة هادئة، لا عوجَ فيها ولا نتوء!

     تصطدم هذه الطبيعة بالواقع، فتحار وتتألم وتشكو، وقد تغضب وقد تنفعل، وقد تسخرُ وتهدد بالانتقام.. ولكنها مع ذلك تحتفظُ بخيرها وحنانها، في أشد ساعات الغضب والانفعال والسخرية.. (...)

    هذا الحبُّ الذي يخفق به قلبُ شاعرنا [يقصد نفسه]، ليس مقصورا على حب المرأة ولا حب الأصدقاء، وما أردتُ ذلك فقط حين قلت: إن نفسي مُحبة.. وإنما قصدت إلى معنى أشمل: هو معنى الحب العام، الذي يعمرُ النفوس، فلا يدع فيها مكانا للبغضاء أو الحقد.. يجعلها نزّاعة أبدا إلى الاجتماع والعطف، وتلقّي كلِّ مظهر من مظاهر الحياة، بنوع من القبول والرفق.. فهو يودّ لو يشمل الكونَ جميعَه بالحنان، وأن يشملَهُ كلُّ شيء في الكون بالحنان كذلك، يكون بينهما تعاطفٌ وتراحمٌ وتوادّ.."

3- قال صلاح عبد الفتاح الخالدي في كتابه (سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد): "روى لي الأستاذ "أحمد عبد الغفور عطار" –عندما قابلتُه في بيته في مكة المكرمة عام 1399هـ-1979م- هذه الحادثة، عن كرم وسخاء وجود سيد قطب عليه رحمة الله.

   كان "عطار" يزور سيد في منزله في حلوان كثيراً –وهذا في الأربعينيات- وكان أثاثُ غرفة الاستقبال متواضعا، لأن حالة سيّد المادية لم تكن تسمح بتحسينه..

    وزاره عطار ذات يوم فوجد عنده أثاثاً جميلاً جديداً، فسُرَّ بذلك! ثم زاره مرة أخرى بعد أيام، فوجد الأثاثَ القديم، فاستغرب مما رأى، وألحّ على سيّد في معرفة مصير الأثاث الجديد. وأمام إلحاحه أخبره سيّد أنه باع الأثاث الجديد، وقدّم ثمنَه مساعدةً لأحد إخوانه، ليتمِّم مصروفات زواجه!!"

4- ورد في الكتاب نفسه: "يروي الأستاذ "علي عبد العزيز حسين" في مقاله "شاهد وشهيد" الذي نشره في مجلة المجتمع، عن صهره الذي كان طالبا في كلية دار العلوم، وكان سيّد قطب محاضرا غير متفرغ فيها –ولعل هذا كان بعد عودته من أمريكا عام 1950م-

   "حدثني صهري يوما، عندما كان طالبا في دار العلوم، وكان شهيدنا أستاذ الأدب العربي فيها.. فقد لاحظ عليه الأستاذُ حضورَه في بداية العام الدراسي ببدلته القديمة –على غير المعهود من أترابه الطلبة- فإن الكل يتبارى في إظهار الزي الجديد في هذا اليوم..

    وفوجئ صهري باستدعاء الأستاذ سيّد له إلى مكتبه. وعندما دخل فوجئ أكثرَ بخلع الأستاذ بدلتَه الجديدة، وطلبِه منه أن يرتديها! ويأخذ هو بدلته القديمة... وبدون كثيرِ كثيرِ حوارٍ تمَّ ما أراد!! وعاد صهري إلى البيت، على غير الصورة التي خرج بها منه، لتكون المفاجأة الأكثر للأسرة، بالزيّ الجديد!"

5- ورد في الكتاب ذاته: "حدّثني الأستاذ "أحمد عبد الغفور عطار" هذه الحادثة التي رآها من سيّدٍ بعينيه، وعاشها بكيانه، وهي أغرب من الخيال.

    قال: اتصل بي سيد قطب تلفونيا ذات يوم، وطلب مني أن آتي إلى منزله سريعا. وطلب مني –باستحياء- أن أحضرَ معي بضعةَ عشرَ جنيها قرضاً، ليشتريَ بها دواء، وهو مريضٌ ولا يملكُ ثمن الدواء!!

    فذهبتُ إلى المنزل سريعا، ومعي المبلغ المطلوب.. ولمّا دخلتُ غرفةَ الاستقبال، رأيتُ مشهداً عجيباً، أقسم لقد دهشتُ مما رأيت!

   كان يجلس في الغرفة، موظَّفٌ دبلوماسيٌّ في سفارة دولة عربية بترولية، وأمامَه حقيبةٌ مليئةٌ بالأوراق المالية من مختلف الأرقام والفئات، تبلغ في مجموعها عدة آلافٍ من الجنيهات!! وهو يرجو سيد قطب بإلحاحٍ ورجاءٍ وحرارةٍ أن يأخذَ الحقيبة، بما فيها من الأموال، فهي هدية من دولته له، لأنها تعرف منزلته ومسئولياته، وتريد منه أن يستعين بها على أعباء حياته، وتمويل مشروعاته الأدبية والفكرية، وكان سيد وقتها بصدد إصدار مجلة أدبية وفكرية إصلاحية –لعلها العالم العربي أو الفكر الجديد-.

    فنظرتُ إلى سيّد قطب الذي كان جالساً مريضاً، فإذا به حزين.. ثم ردّ هديةَ الرجل بحزم، وبدا عليه الغضبُ والحدة، وهو يخاطبه قائلا: إنني لا أبيع نفسي وفكري بأموال الدنيا، فأعِدْ أموالَكَ إلى حقيبتك!!!

   ثم التفتَ سيّد إليّ وقال لي: هل أحضرتَ ما طلبتُه منك؟ فقلتُ له: نعم، وناولتُه المبلغ، وأنا في غاية الدهشة والاستغراب والانفعال!!"

    هل نزيدكم شيئا عن طبيعته السمحة الرحيمة، وأخلاقه العظيمة الكريمة، وعن حبه وإيثاره، وزهده واستعلائه، ورحمته وعطفه، أم نكتفي؟

    اقرؤوا في الكتاب نفسه: "عاملَ سيد قطب إخوانَه المسجونين بكرمٍ بالغ، فعندما كان أهله يزورونه، كانوا يكرمونه بدجاجة أو "وزة" مشويّة محمّرة، ملفوفة بالأوراق، فكان يتناولها بيده كما هي، لم يفتحها ولم يذق طعمَها، ويقف على شرفة الدور، وينادي إخوانَه في الطابق الأسفل، ويعطيهم تلك الهدية ليتقاسموها فيما بينهم!"

    ألا يستحق رجلٌ هذه أخلاقُه وصفاتُه وتضحياتُه أن يُحبّ؟ أيكون هذا هو حنانُه وكرمُه ورحمتُه وإيثارُه، وصدقُه واستعلاؤُه.. ثم تتجه إليه الأنظارُ (أنظارُ بعض العلمانيين وأنظارُ بعض السلفيين) شزراً، تحمل الحقدَ أو التشفي أو الازدراء أو المقت؟!

    وإن أكثر من يفعل ذلك لممن تمتلئ بطونهم وجارُهم جائع، أو يتبخترون في مكاتبهم أو منازلهم أو فنادقهم وشعوبُهم تُقهَر وتُرهَق، وأعراض أخيارهم ودماؤهم تُهدَر وتُزهَق، أو يقبلون الهدايا والهبات، من كل ما قدّر الله من الجهات، يبيعون بها ذممهم، ويسخّرون لأجلها أقلامهم، وربما فتاواهم، بلا ضمير ولا مروءة ولا حياء ولا خوف من الله!

    قالوا: لقد كفّر المجتمعات الإسلامية، بل كفّر المسلمين جميعا بما جاء به من مصطلحيْ "الحاكمية" و"الجاهلية"!  وقد كان فكرُه سببا في ما حصل ويحصل من نشوء حركاتٍ متطرفة تكفيرية، تكفّر من يخالفها الرأي، وتسعى إلى تغيير الأوضاع بالعنف!

      فوالله ما فهموا الرجلَ، ولا أصابوا الحقيقةَ في ما يزعمون..

       يقول السلفيون: إن منهجنا هو الكتاب والسنة، فهل خرج سيّد عن الكتاب وهو يتحدث عن الحكم والحاكمية، وعن الطاغوت والجاهلية، من آياته البيّنات المحكَمات لا المتشابهات؟

      ويقول العلمانيون: إن القرآن الكريم مفتوح على مختلِف القراءات، وقابلٌ لشتى التأويلات: أفلا يقبلون، إذاً، بقراءة سيّد قطب لبعض آيات القرآن الكريم متحدثةً عن الحكم أو الجاهلية، وأن يبني عليها تصورَه للوضع المعاصر، وهو من هو في قدرته اللغوية وطاقته الفكرية وثقافته الإنسانية؟

    نظر سيّد قطب في أوضاع المجتمعات المسماة إسلامية فلم يجدْ قيمَ الإسلامِ الصحيحة، وموازينَه المستقيمة، وقوانينَه العادلة المتوازنة الضامنةَ للحياة الكريمة، ولا آثارَه في حياة المسلمين: طهارةً واستقامةً، وعدالةً وكرامةً، وأمناً وحريةً، وقوةً ومنعةً، ووحدةً وصفاءَ توحيد؛ بل رأى قيمَ أوربا وأخلاقها وموازينها وقوانينها وثقافتها ونمط حياتها، هي المهيمنةَ على أوضاع المجتمعات الإسلامية، على تفاوت بين بلد وآخر؛ بل رأى أن المستوردَ من ثقافةِ أوربا هو المخالف لمنهج الإسلام (من عريٍ وإباحيةٍ، ورِباً وتهافت على المادة..) وليس الموافق لهذا المنهج (من نظافة ونظام، وجدّ وإتقان، وعدالة وكرامة..).. ورأى النافذين في دواليب الحكم يصرون على السير بمجتمعاتهم بعيدا عن الإسلام بقيمه وأخلاقه وموازينه وقوانينه، بل يضيّقون على المصلحين الخناق، ويسومونهم ألوان القهر والاضطهاد، ليخلو لهم إفساد الأوضاع أخلاقا واقتصادا وثقافة وسياسة.. فهل كان عليه أن يقول: إن أوضاعنا هي أوضاعٌ إسلامية، وإن من مظاهر إسلاميتنا هذا التخلف والفساد والاستبداد وانتشار الرداءة وانحطاط الأخلاق في كل موضع وقطاع؟

      ألم يكن من حقه أن يصف أوضاعنا تلك بأنها أوضاع جاهليةٌ لا إسلامية، دون أن يعني ذلك أنه يرمي أفرادَ المسلمين بالكفر؟

     كلُّنا يقولُ ما قال سيد قطب. كلُّنا يسأل أين الإسلام في واقعنا المعاصر. وكثيرٌ منا يقول: لقد وجدنا في الغرب الإسلامَ ولم نجد المسلمين، ووجدنا عند العرب المسلمين ولم نجد الإسلام.. أنكون قد حكمنا على العرب المسلمين بالكفر، لأنا قلنا إن الإسلامَ الحق بين أظهرهم غائب؟

     لقد تعامل سيد قطب مع قوله تعالى:  ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) تعاملا لغويا منطقيا، فرأى أن نظام الحكم في أي بلد لا يخرج عن أحد نوعين: إما أن يكون حكما يستند إلى أمر الله ((ألا لهُ الخَلْقُ والأَمْرُ))، فتكون القيم والموازين والأوضاع والقوانينُ مستمدّةً كلها من الإسلام، فيكون الحكم إسلاميا، والمجتمع المنتظمة حياته به مجتمعا إسلاميا؛ وإما أن يكون حكما غير مستند إلى قيم الإسلام وموازينه وأحكامه وقوانينه، فليس له من اسم (حسب الآية الكريمة)، ولا للأوضاع الناشئة عنه، سوى الاسم القرآني الواضح الصريح: "الجاهلية". 

    قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي العظيم أبي ذر الغفاري، لما عيّر صحابيا بلونه: "إنك امرؤ فيك جاهلية"؛ فهل يكون، بهذا الوصف، قد نسبه إلى الكفر؟ 

    كذلك فعل سيد قطب: لقد نسب حال المسلمين، استنادا إلى الآية الكريمة الصريحة، لمّا رأى غيابَ قيم الإسلام وموازينه وأحكامه وقوانينه، إلى الجاهلية، فكان ذلك حكما معنويا على الوضع، لا حكما شرعيا على كل فرد من المسلمين.. وقد أنكر كذا مرة –حينما كان يبلغه خبر سوء فهمٍ لبعض أنصاره- أنه يقبل بتكفير المسلم الذي يدين بالشهادة لله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة.

     لم يكفِّرْ سيِّدٌ أحداً أيها الناس. ولم يدعُ أحدا إلى قتالِ مسلم. كان الرجلُ معنيا بالتفكير لا التكفير؛ وقد هداه تفكيره إلى دعوة قومه إلى إخلاص العبودية لله، وإلى أخذ القيم والموازين والأحكام والقوانين عن الله، وإلى التحرر من الجاهلية المهيمنة الضاغطة أيا يكن مصدرها ومهما تكن قوتها، إحقاقا للحق وتوجها إلى الله.. وسخّر حياتَه لهذه الفكرة، وقدّم روحَه فداء لها.. فهل يكون سيّد أخطأ الطريق إذ فعل ذلك؟ وهل تكون كتبُه النفيسة تستحق الإحراقَ أو الطردَ من مكتبات المسلمين (كما يفعل بعض السلفيين) بسببِ ذلك؟

    ألا رحمةُ الله عليكَ أيها العملاقُ الشهيد.. ألا رحمةُ الله عليك أيها الحنون العطوف، الكريم الرحيم، الصدوق الصبور، الأبيُّ الشجاع، المخلص لربه، المستعلي بإيمانه، صاحب الأدب الرفيع، والفكر النيّر، والموقف السامق.

 


 

  • عنوان البصائر: 17 شارع محمد مربوش – حسين داي، الجزائر 16040
الهاتف: 021.49.52.67 – 021.49.51.19 / الفاكس: 021.23.33.73
البريد الالكتروني:   
info@albassair.org
info.bassair@gmail.com 


PHP-Nuke Copyright © 2005 by Francisco Burzi. This is free software, and you may redistribute it under the GPL. PHP-Nuke comes with absolutely no warranty, for details, see the license.
انشاء الصفحة: 0.06 ثانية