 | | البحث |  |
|
|
 | |
|
الغلاء في رمضان: عادة سيئة..أم مشكلة اقتصادية؟ بتاريخ 8-9-1429 هـ
الموضوع: نقاط حبر
| |
بقلم: التهامي مجوري يعود علينا شهر رمضان المبارك في كل عام ببركاته، وفرص الطاعات والقرب من الله، ولكن بعض أبناء الأمة من الجشعين وعباد الدينار، وأهل التشهي من سائر المؤمنين، يحولونه إلى موسم للغلاء والتبذير والتربع على مائدة "كلها دين" ، لا لشيء إلا أن العادة هكذا اقتضت.
المعروف عند أهل الاقتصاد أن السوق عرض وطلب، فإذا كان العرض أكثر من الحاجة رخصت الأسعار، وإذا كان الطلب أكثر من العرض، غلت وارتفعت بقدر ما، خاضع لمستوى الإنتاج والاستهلاك معا، ولذلك رفض الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسعر للتجار، لما طلب منه أن يسعر بسبب غلاء أصاب المدينة على عهده صلى الله عليه وسلم، فقال:"إن الله هو الباسط القابض الرازق المسعر، وأرجو أن ألقى الله ولا أحد يطالبني بمظلمة"، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، ولو افترضنا أن عرض السلع في الأسواق زاد وزاد معه الطلب أيضا، فإن السعر لا يتغير؛ لأن الإنتاج لم يتغير بالنسبة للاستهلاك، ولو افترضنا أن الطلب نقص بسبب ضعف الإنتاج، فإن السعر أيضا لا يتغير..وما نشاهده في كل رمضان لا علاقة له بقواعد الاقتصاد ولا بقوانينه، وإنما هي عادات سيئة شاعت في المؤمنين، توارثوها وتناقلوها حتى أصبحت من الشهر نفسه. فالمؤمن يشعر أنه في شهر لابد أن يوسع على نفسه على غير عادة منه، ثم سرعان ما يتحول هذا الشعور إلى فعل يمكن أن يستدين من أجله، فيطلق العنان لهواه وهو يختار تلك الأطعمة المتنوعة التي ينظر إليها وهو صائم يتشهى كل شيء، لاسيما وأنه يحس بحرمان بسبب الامتناع الذي فرضه عليه الصوم..، هذه هي القصة لا أكثر ولا أقل، ولو أن الواحد منا نظر إلى شهر رمضان على أنه شهر مثل سائر الشهور في الإنتاج والاستهلاك لما تغير شيء؛ لأن هذه الشهوة التي حولت الصائم إلى مستهلك بعينيه قبل أن يتذوق أو يطعم، هي التي جرأت التجار على تجاوز الحد في فرض الغلاء على الناس كما أن أصحاب الأهواء من الانتهازيين، لا يفوتون هذه الفرصة، وإنما يغتنمونها أحسن اغتنام . فغلاء الأسعار في رمضان إذا هو عادة أكثر منه مشكلة اقتصادي، عادة سيئة يبدؤها المؤمن الغافل عن حقيقة رمضان كشهر عبادة وتمتين لعلاقة العبد بربه، وينهيها التاجر مغتنما فرصة التشهي التي تسكن كل صائم إلا من عصم الله من عباده. وحتى لو افترضنا جدلا، أن نسبة الاستهلاك ترتفع قليلا إكراما للعيال وتوسعة عليهم احتفاء بهذا الشهر المبارك، وارتفعت الأسعار بسبب ذلك، فإن المنطق يقتضي ممن يريد الطاعة بالتوسعة على عياله وإكرامهم طاعة لله، ألا يعصي الله بالتبذير والاستدانة التي يصعب تسديدها في كثير من الأحيان بسبب ضيق الحال، وإنما الواجب هو العكس، عندما يصيب الغلاء شيئا، على المؤمن أن يرخصه بالترك كما قيل قديما.
*** حتى لا يعبد المال قصة قارون كان قارون من قوم موسى -عليه السلام- وقيل كان من أقاربه، وكان من أهل المال، آتاه الله من المال ما لم يؤت غيره من الناس، حتى إن مفاتيح خزائنه يعجز عن حملها المجموعة من الرجال أولي القوة:}وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ{، وكان معجبا بهذه المكانة وبهذه السلطة التي خصه الله بها، مغتر بالكنوز التي أوتيها؛ لأن للمال سلطة على النفس، إذا لم يراقب المرء نفسه فإنه يكون ضحية الفهم الخاطئ . فرب المال إذا ما استبد به، فإن الحياة تتحول عنده إلى مجرد بيع وشراء، بحيث يخيل إليه، أنه لا يستعصى عليه شيء في هذه الحياة ، "الدراهم الدير طريق في البحر"..، كما يقال في لغتنا الشعبية. لا شك أن المال محبب إلى النفس، والسعي إلى طلبه مشروع، ولكن مرحلة ما بعد تحصيله، تحتاج إلى جهد إضافي في مراقبة الذات، حتى لا يتحول هذا المال إلى عامل هدم، وهذا ما غفل عنه قارون عندما رأى نفسه في ذلك المستوى من الغنى، بل إن قومه أنفسهم، انقسموا في النظر إليه إلى فريقين، فريق يغبطه ويتمنى أن يؤتى ما أوتي قارون إذ قالوا:}يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{ ، ظنا منهم أن المال الذي أوتيه قارون هو كل شيء في هذه الحياة، أو أنه بلغ المستوى الأقصى من السعادة. وفريق ثان لم يول اهتماما كبيرا لما يملك قارون، وإنما اعتبروا هذا المال نعمة وإحسان من الله، يمكن أن يكون عامل خير وفضل لصاحبه ومن حوله، فتوجهوا لقارون بالنصح والإرشاد:}وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ{.ولكن طغيان سلطة المال على نفسه، أنساه طبيعته البشرية وضعفه وأنساه موقعه من إرادة الله سبحانه، فغفل عن فضائل الله عليه فرد على ناصحيه بلغة المتعجرف المستغني الذي لا يحتاج إلى أحد ويحتاج إليه كل الناس قائلا:}إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي{، ليس فضلا من الله ولا تكرما منه، وإنما أنا الذي جئت به وبشطارتي وفطنتي، ولا فضل لأحد علي في تحصيله (على علم عندي)، فخسف الله به وبداره الأرض ليكون عبرة للمغترين بالمال وبسلطة أهله، }فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ{، حتى أن الذين كانوا يغبطونه تراجعوا وندموا، وهم يرون تلك الخزائن تنهار أمام أعينهم:}وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُون{. إن المال نعمة من نعم الله على العباد، ولكنه يصبح غير ذي قيمة، إذا بلغ بصاحبه الغرور، أنه على كل شيء قدير، وأنه لا يحتاج إلى أحد ويحتاج إليه كل الناس. ***
مصطلح اقتصادي التضخم المالي التضخم المالي زيادة متواصلة في الأسعار في كل جوانب اقتصاد الدولة، ويقاس معدل التضخم بالتغيرات في مستوى الأسعار، فإذا ارتفعت أسعار وانخفضت أخرى بنفس المستوى، يبقى مستوى الأسعار معتدلا، أما إذا كان ارتفاع الأسعار أكثر من انخفاضها أو كان ارتفاعا دون انخفاض، فيحدث التضخم، ويكون التضخم أكثر ظهورا عند ارتفاع أسعار السلع الرئيسية. ومن آثار التضخم البارزة والسلبية انخفاض قيمة النقود التي تسمى أيضًًا القدرة الشرائية؛ لأن الناس يشترون بنفس كمية النقود سلعًا وخدمات أقل مما كانوا يشترون بها سابقًا، بسبب ارتفاع سعر التكلفة عند المنتجين، الذي يفرضه التضخم، ومن ثم العجز عن إنتاج الكميات الكافية التي يحتاج إليها المستهلكون، فترتفع أسعار السلع المنتجة، وربما يبلغ مستوى التضخم إلى الاستغناء عن النقود أصلا، لتحل محلها المقايضة، أي تبادل السلع من غير حاجة إلى النقود لعدم ثقة الناس في النقود، يذكر أن أحد المجتمعات بلغ مستوى التضخم به، أن طلاء بيت بأوراق نقدية، أرخص من شراء دلو طلاء يطلي به البيت .
|
|
| |
|
|