كيف نحسن العبادة في مجتمع عاص؟
التاريخ: 4-11-1432 هـ
الموضوع: affaff7@gmail.com


هذا السؤال لطالما أرقني، خاصة أنني مواطنة مسلمة تعيش في مجتمع جزائري مسلم بالديانة ولا تحكمه ضوابط شرعية في الكثير من الميادين، ابتداء من السياسة إلى الاقتصاد إلى الثقافة إلى أنماط المعيشة التي تتعاقب عليها الأجيال.

في الجزائر وفي جل دول العالم العربي والإسلامي، مظاهر فصل الدين عن الدولة وعن الحياة الاجتماعية ظاهرة للعيان، أتحدث عن بلدي لأنني أعيش فيه منذ حوالي أربعة وعشرين سنة بشكل دائم والتطورات التي عشتها عن كثب جعلتني أقف على هذه الحقيقة المخيفة أن الناس عندنا ابتعدوا عن التدين الصحيح بعد التجربة المريرة التي خاضها بسطاء الشعب طيلة عشرية كانت تسفك فيه الدماء وتنتهك فيه الأعراض.
وقعت شبه ردة كبيرة على إثر تلك الجرائم البشعة ونحن اليوم نعيش نتائج تلك الردة، فالمجتمع الجزائري يوما بعد يوم يفقد ملامحه كمجتمع مسلم، فلا الصلاة تنهيه عن السرقة والغش والمشي بالنميمة وهذا طبعا إن صلى ولا الصوم ينهاه عن الغيبة وعن التفوه بكلام قبيح ولا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله تهذب سلوكه العصبي العنيف.
كثيرة هي مظاهر التغريب والانحلال التي غزت مجتمعنا، فالرجل الجزائري -إلا من رحم ربك- لا يرى حرجا في الإخلال بالأخلاق الإسلامية كأن تتعرف ابنته على العشرات من الرجال وتصاحبهم قبل الزواج أو بدون أن يحصل الزواج، والأخ كذلك لا غيرة له على عرض وسمعة أخته، فالديوثة انتشرت بشكل مخيف في بلاد كنا نعتقدها معقل الرجال والرجولة.
فالانحلال الأخلاقي المنتشر في أوساط شبابنا بات يهدد ديمومة المجتمع وقد نزعت عنه الحصانة (الدين) التي كان يتمتع بها في سابق الأزمان.
منذ شهور زرت حرما جامعيا بإحدى مؤسساتنا الجامعية في العاصمة، خلت نفسي في ملهى ليلي أكرمكم الله وحمدت الله أن العلم المتواضع الذي حزت عليه تحصلت عليه في بيتي بين أربع جدران بمقتضى جهدي الشخصي.
فيا ترى هل أن مجتمعا جزائريا كهذا يستطيع أن يتجاوز الأزمات المتعددة التي تعصف به من فساد الذمم والاستبداد واحتكار النفوذ وتعاظم الظلم من أصغر مسؤول إلى أكبر مسؤول في هرم السلطة؟
فهو بدون حصانة روحية وأخلاقية غير قادر على الخروج من الدائرة المفرغة التي زج فيها نفسه من جراء إعراضه عن الإسلام أخلاقا وقيما.
العالم العربي من حول الجزائر يتغير إلى الأفضل بفضل انتفاضات سلمية راقية وحضارية ورغبة التغيير في الاتجاه الصحيح بالرجوع إلى انتمائها الإسلامي الحضاري موجة تكتسح جل الشعوب العربية، فأين الشعب الجزائري من هذه التغييرات المباركة؟
يحس المواطن الجزائري بالتذمر ولا يفعل شيئا من أجل التغيير الصحيح، وأما الجزائري الملازم لدينه والوسطي في تدينه فهو يجاهد لئلا يقع في المعاصي والكبائر التي تفرض عليه فرضا كونه يحتك بأفراد مجتمع يغلب الحرام على الحلال في حياتهم ومثل هذا الجزائري الملتزم يمثل قلة وسط بحر من مسلمين يعرفون الإسلام على أنه عادات ومراسم يتوارثونها جيلا عن جيل، فلا يفعّلون إيمانهم ولا يتقون الله في أنفسهم وفي الآخرين.
فالجهد الجبار الذي يبذله الفرد منا إن بقي في حيره الضيق سيصعب مهمة المسلم في طاعة الله وعبادته العبادة الحقة، والإنسان المسلم التقي عليه في هذه الحالة أن يعمل على ربط وجوده الإيماني وتجربته العقائدية بتجارب ووجود إخوة آخرين له في العقيدة، هكذا تنحسر معالم الغربة القاتلة التي يعيشها في مجتمع صار لا يعرف من الإسلام سوي الاسم.





أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=2408