انتشار عصابات السيوف.. أين الدولة؟
التاريخ: 4-11-1432 هـ
الموضوع: مساهمات


    كثُر الحديث في الأشهر الأخيرة عن نزوع اللصوص إلى استعمال السيوف بإفراط في الاعتداءات على المواطنين وعدم الاكتفاء بالخناجر الصغيرة كما كانوا يفعلون من قبل، وكذا حدوث "معارك" ضارية بين شبان مختلف الأحياء، ما يخلف عادة الكثيرَ من الجرحى، بعضهم في حالة خطيرة.

 

 

 

    وقد بلغ الأمرُ درجة عالية من الخطورة إلى حدِّ أن شبان بعض الأحياء ببرقي وباب الوادي وباش جراح ومناطق أخرى دخلوا في معارك طاحنة بالسيوف لأيام متتالية كانت خلالها مادة خصبة للصحافة الوطنية التي استغربت كيف تدوم "معركة" بين شبان حيين متنازعين أربعة أيام كاملة دون أن يتمكن الأمنُ من السيطرة على الوضع ووضع حد للمهزلة؟
    ومنذ أيام قليلة تطرقت إحدى الصحف إلى مسألة بالغة الخطورة وتتعلق بمدى تفشي عصابات"الساموراي" في مختلف مدن الوطن، والانتشار الواسع للورشات السرية التي تُصنع فيها هذه السيوف، وكذا تهريبها من الخارج وبيعها بمبالغ تصل إلى 3 ملايين سنتيم للسيف الواحد. وقالت الصحيفة إن العصابات أضحت تعتدي على المواطنين جهارا نهارا وتسطو على ممتلكاتهم باستعمال سيوف "الساموراي" دون أن تخشى ملاحقة الدولة لها ولا عقابَها.
    ولا شك أن بلوغ الأمر إلى هذه الدرجة يعبر عن مدى تفشي الجريمة في المجتمع، ولكنه يعبِّر أيضاً عن غياب الدولة وتراجع هيبتها والخوف من عقابها في قلوب شباب اليوم، وإلا لما تجرأ بعضُهم على تشكيل عصابات وحمل السيوف والاعتداء على المواطنين وأملاكهم في وضح النهار دون الاكتراث بأحد.
    صحيح أن الأمن تمكَّن من تفكيك الكثير من هذه العصابات وتطبيع الوضع في الكثير من الأحياء السكنية التي كانت تشكو انتشار الجريمة بها، ولكن الصحيح أيضاً أن هذه العصابات أضحت تنمو كالفطريات كل يوم وتهدد المواطنين في أملاكهم وأرواحهم، والمطلوب أن تتحرك الدولة بأجهزتها الأمنية بقوة لوضع حدٍّ لها اليوم قبل الغد، حتى لا تخرج الأمورُ عن نطاق السيطرة وتتحول بعضُ أحيائنا الشعبية إلى ما يشبه بعض أحياء كارتلات المخدرات والجريمة بكولومبيا، حيث لا تدخلها مصالح الأمن هناك إلا بعد تعزيزات كبيرة.
    لقد واجهت الدولة الإرهابَ بقوة في التسعينيات على ضراوته الشديدة، وتمكنت من التغلب عليه أخيراً بعد صراع دموي مرير، فكيف تعجزها اليوم عصاباتٌ شبانية تستعمل فقط السيوف، وليس الكلاشينكوف والقنابل والمتفجرات والسيارات المفخخة؟
    الأمر يحتاج فقط إلى إرادة سياسية قوية كالتي توفرت منذ بداية التسعينيات إلى الآن، وهو الأمر الغائب حالياً لأسباب غير معروفة، إذ يبدو لعموم المواطنين، وكأن الدولة تستهين بتفشي آفة حمل السيوف والأسلحة البيضاء، ولا تكافحها بالحزم الكافي، ولا تعمل ما ينبغي للقضاء عليها كما فعلت مع الإرهاب، الأمر الذي جعل الشكوك تتسرب إلى المواطنين بعمق، حيث أصبحوا يتهمون الدولة بالتقاعس والتراخي إزاء تفشي هذه الآفة، وهو أمرٌ بالغ الخطورة وقد يؤول إلى بروز مظاهر أخرى ومنها اتجاه المواطنين إلى التسلح لحماية أنفسهم وأملاكهم وعائلاتهم من الأخطار التي باتت تهددهم في عقر ديارهم.
    لقد تعالت أصواتٌ كثيرة من مواطنين يطالبون الدولة بتوفير الأمن الكافي للجميع أو الترخيص لهم بحمل الأسلحة البيضاء بدورهم لحماية أنفسهم، والكف عن تقديمهم إلى العدالة لمعاقبتهم بتهمة حمل أسلحة محظورة خصوصاً وأن القانون يعاقب على ذلك بعامين حبساً نافذاً، ذلك أنه لا يُعقل أن لا تتوفر لهم حماية أمنية كافية وتتم معاقبتهم في نفس الوقت لحملهم أسلحة بيضاء للدفاع عن أنفسهم؛ إما أن تحميهم الدولة أو تتركهم يتولون المهمة بأنفسهم، وهو ما سيوصلنا في النهاية إلى ما يشبه قانون الغاب وتغيب أكثر سيادة القانون، وسيُشعر المواطنين أكثر بغياب الدولة.
    وأعتقد أن التراخي عن وضع حد لعصابات السيوف سيشجعها مستقبلا على تجاوزها واللجوء إلى حمل المسدسات والأسلحة النارية كما تجاوزا الخناجر الصغيرة من قبل، وقد يكون ذلك قريباً جدا إذا بقيت دارُ لقمان على حالها، والتردد مستمراً، ما يُفضي في النهاية إلى استشراء سرطان الجريمة على الطريقة الأمريكية التي يُعدّ حملُ المسدسات فيها أمراً عادياً لدى مواطنيها.
   باختصار، لقد بلغ السيلُ الزبى وآن الوقت لتقوم الدولة بواجبها الدستوري في حماية مواطنيها من كل الأخطار التي تهددهم، ومنها انتشار آفة حمل الأسلحة البيضاء والجريمة على نطاق واسع، ومكافحتها بكل صرامة وحزم، وبسط الأمن وتوفير الأمان والطمأنينة لكل المواطنين على أرواحهم وأملاكهم وعائلاتهم، وكذا تعديل القانون لتشديد العقوبات على هؤلاء المجرمين لكي يرتدعوا ويكفوا عن غيهم وتهديدهم أرواح المواطنين وأرزاقهم، أما إذا بقي الوضعُ على حاله، قد نشهد تطورات أخرى خطيرة لن تهدد المواطنين وحدهم، بل الدولة برمّتها، فحذار من التراخي في معالجة الآفة.
بقلم: الأستاذ حسين لقرع







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=2411