كلام جرائد حقوق أم واجباته؟
التاريخ: 12-11-1432 هـ
الموضوع: مساهمات


إن الواقع الدولي الذي قرر مبدأ حقوق الإنسان، هو نفسه الذي قرر الميثاق الاستعماري، وهو ذاته الذي قرر مبدأ تقرير مصير الشعوب، وهو الذي قال بمبدأ تحرير المرأة، وهو الذي قرر الحرب الباردة، وهو الذي قرر إنهاءها، وهو الذي قرر جملة من الانقلابات في العالم، وهو الذي أعلن الحرب على أفغانستان والعراق.
التهامي مجوري

وفي المقابل لم نر شعبا حصل على استقلاله إلا بجهد أبناءه، ولم نر دولة استقر أمرها إلا برشد حكامها، ولم نر امرأة شعرت بالحرية إلا عندما مارست أنوثتها على أحسن وجه..
ومن ثم فما تقرر في المواثيق الدولية من حقوق، لا معنى له إن لم يكن مسندا بفعل قائم يحقق تلك الحقوق المقررة في المواثيق.. وهذا الفعل القائم هو الواجبات التي تقوم بها الشعوب من أجل تغيير واقعها..
إن هذه الحقوق التي يتغنى بها العالم في مواثيقه، في تقديري لا تمثل إلا الشعار الذي يمارس بها "البوليتيكيون" خطاباتهم، فهي بمثابة المشجب الذي يعلق عليه القوم فشل خصومهم، وهم فاشلون في الأساس.. ولكن عندما تمارس السياسة انطلاقا من القيام بالواجب، فإن الأمور تنقلب رأسا على عقب.. فتنكشف عورات الفاشلين سياسيا، والراسبين في امتحان الحياة..  
وهذا ما قرره رب العزة في قوله سبحانه (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، والقوم في هذا النص القرآني لا ينحصر في فئة دون أخرى من المجتمعات، وإنما يشمل كل ما يشمله المجتمع، من أفراد ومؤسسات وقيم وأعراف.
وهذا ما اهتدى إليه الممارسون لسياسة المجتمعات وقيادتها بالرشد، أمثال الشيخ العلامة عبد الحميد ابن باديس عندما قرر إعادة صياغة الجزائري المسلم الذي حاولت فرنسا مسخه، والزعيم الهندي المهاتما غاندي، الذي قلب موازين الممارسة السياسية من أجل تحرير بلاده بلا حرب ولا تهديد بالسلاح، ومن غير اعتماد على المطالبة بالحقوق.
لقد دعي غاندي إلى مؤتمر لحقوق الإنسان، بوصفه محاميا ومناضلا من أجل تحرير بلاده، فرفض وقال لمن دعاه عندما تنضموا مؤتمرا لواجبات الإنسان سأكون من الملبين للدعوة..
هذه "اللفتة الغاندية"، في تقديري هي أهم ما ينبغي أن يهتم به المناضلون والمصلحون، الذين يتباكون على مصير الإنسان. فالإنسان من حيث هو إنسان، لا حد لحقوقه؛ بل هي نسبية وتختلف من شخص لآخر ومطاطة.. فحقوق الجائع الشبع، وحقوق العاري الكسوة، وحقوق المستعمر الاستقلال، وحقوق المظلوم العدل... واهتمامات الناس في كل ذلك متفاوتة، إذ أن الجائع لا يعني له الاستقلال شيئا، والمستعمر لا يهمه عدل المستعمر له بقدر ما يهتم باستقلاله عنه وهكذا..، ولذلك فإن المجتمعات المتطورة ربطت هذه الحقوق بواجبات معينة ومحددة، وأهم هذه الواجبات دفع الضرائب، فالمواطن الأمريكي مثلا لا يضطر إلى تعداد حقوقه التي على حكومته، وإنما يذهب رأسا إلى أنه لا يستجدي أحدا لأنه يدفع ضرائبه بانتظام، ومن ثم لا أحد له الحق في التأخر عن تمكينه من حقوقه، والمسؤول الأمريكي أيضا لا يفكر في تأخير الحق عن صاحب الحق، لأنه يشعر أن ما يقوم به واجب مقابل الواجب الذي دفع ضرائبه بانتظام.
إن قصة الحق والواجب جدلية، تشبه إلى حد بعيد قصة الدجاجة والبيضة، هل القيام بالواجب هو الذي يأتي بالحق؟ أم أن توفير الحق هو الذي يمكن من القيام بالواجب؟ ولكن المقطوع به أن الحقوق لن تنال إلا بالقيام بالواجبات؛ لأن الحقوق ثمار القيام بهذه الواجبات وليس العكس..
على أن قصة حقوق الإنسان في تقديري، لا يصنعها أحد غير صاحبها؛ لأن الحقوق تصنع عبر ممارسة الواجب الذي يقوم به كل فرد؛ لأن هذه الحقوق هي رصيد حركة المجتمع فيما يقوم به من واجبات؛ إذ لا أحد لديه مخزون من الواجبات يتبرع بها على الناس..
قد يقول قائل إن السلطة هي التي عليها تمكين الناس من هذه الحقوق.. وهذا حق، ولكن من أين تأتي هذه السلطة بتلك الحقوق؟ إذ طبيعة السلطة متعجرفة فلا تشعر بما عليها من واجب، بل ولا تشعر بتقصير الآخرين؛ ولأن طبيعتها الفرعونية تشعرها أنها هي القادرة عن توفير الحقوق فيقع الإشكال..      





أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=2420