المرأة التي نريد
التاريخ: 19-11-1432 هـ
الموضوع: مساهمات


تناولت في الأسبوع الماضي بالنقد والتحليل مدى مشروعية "كوطة" الثلث التي خصت بها المرأة، في مشروع القانون الذي يناقش هذه الأيام، وكانت الأصداء التي تلقيتها حول المقال طيبة؛ كما بلغني أن شرائح عريضة من المجتمع الجزائري رفضت هذا المشروع، مما جعل البعض يدعو إلى تقليص النسبة إلى 20 بالمائة بدل 30 بالمائة، وكأن القضية محصورة في النسبة، في حين أن المشروع نفسه مهلهل ولا يتناغم مع قضايا المجتمع الأساسية..
 التهامي مجوري

 وعلى ضوء هذه التطورات، رأيتني مضطرا للرجوع إلى الموضوع، كجزائري مسلم يهمه حسن سير بلاده، لأدلي برأيي في المرأة التي نريد، أو قل لأجيب عن سؤال الأسبوع الماضي، عندما تساءلت ماذا نريد من المرأة؟ أو ماذا نريد لها؟.
إن المرأة في كل مجتمع شقيقة الرجل، كما جاء على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم "النساء شقائق الرجال"، فلا هي أفضل منه، ولا هو أفضل منها، وإنما هي الوجه الآخر "للمدالية"، L’autre face de la médaille كما قال الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، ومن ثم فإن كل انطلاقة تعتمد المفاضلة، هي انطلاقة خاطئة، وتحمل في طياتها بذورا عنصرية، سواء من الذين معها أو الذين ضدها..؛ لأن الذي يقدمها في المناصب ويفضلها على الرجل بالصيغة التي جاء بها المشروع، قد انطلق من عقدة المرأة "المحقورة" ومهضومة الحقوق، وهذا لا يقل سوءا عن الذي همشها واستبعدها من هذا الموقع أو ذاك، باعتبارها لا تصلح لهذا أو لذاك من المناصب؛ لأن المنطلق الصحيح هو الكفاءة وليس الجنس.
صحيح أن هناك عرفا عاما، كان سببا في إيجاد هذه العقدة، التي ترتب عنها الكثير من المشكلات الاجتماعية، حيث يشعر الرجل أنه "الكل في الكل"، فيطلق العنان لهواه ويفعل ما يريد.. ولكن المرأة –حتى والرجل بهذه الصفة- ليست نائمة على أذنيها، وإنما تعمل على اغتنام أول فرصة لإخضاع الرجل وتركيعه.. إلى أن تحول المجتمع، الذي من المفروض أن تحكمه القيم، من احترام وتقدير وتبادل مصالح، إلى حلبة صراع بين الرجال والنساء، فلا يغفل أحدهما إلا وانقض عليه الآخر بكل ما أوتي من قوة، ثم جاء المشروع ليتوج هذه المعارك انطلاقا من هذا العرف الفاسد، بالتوزيع "الكوطوي"، ثلثان للرجال وثلث للنساء، إنصافا للمرأة وانتقاما لها من الرجل، بينما المشكلة هي أعمق من ذلك بكثير، والنظر فيها ينبغي ألا يكون بهذه السطحية وهذا التسرع.
إن المرأة التي نريد، هي في المجتمع وظيفيا كالرجل الذي نريد، وكالمجتمع الذي نريد..، الجميع يعاني والواجب العمل على ترقيتهم جميعا. ووضع المرأة في عالمنا الإسلامي، ليس منفصلا عن وضع الرجل، ولا عن وضع المجتمع برمته، فكل ما يصيب المجتمع، يصيب الرجل ويصيب المرأة على حد سواء، ولكن الذي يبدو من خلال المناقشات التي تثار بين الحين والآخر، هو مناقشة الخصوصيات الإسلامية في الموضوع، ولذلك كان ما يثار من قبل، هو تعدد الزوجات، وقضية الميراث، وقضية الولي في زواج، والمرأة وبيت الزوجية في حالة الطلاق.. وهلم جرا، وكلها قضايا توحي بأنها مهضومة الحقوق فيها، ولما غلّقت الأبواب اجتماعيا، ورفض المجتمع الدخول قي مناقشة الأحكام الشرعية التي هي دين قبل كل شيء.. جاءنا المشروع بإدخال المرأة إلى البرلمان "المؤسسة التشريعية" بنسبة ربما تمكنها من الحسم في هذه الأمور ذات الطابع القانوني المحض..، ليدخل المجتمع في دوامة قد تكون معلومة البداية، كما فعلن بعض مندوبات الجزائر في التوقيع على أمور تتعلق بالأسرة لا يقبل بها الشعب الجزائري أصلا..، ولكنها مجهولة النتائج والمصير حتما.
وأنا كما قلت في الأسبوع الماضي، لست ضد أن تكون المرأة في أي موقع يليق بها وتليق به بناء على الكفاءة، وإنما المرفوض أن يكون المعيار هو النساء أو الرجال، من غير مبررات معقولة ومقبولة.
وتمنيت لو أن في نساء قومي أمثال ملكة بلقيس التي قالت لقومها(يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل 32-34]، قمة النضج وقمة الديمقراطية.
ولكن القوم مع الأسف لا قيمة للكفاءة عندهم، وإنما همهم الانطلاق من "عقدة" المرأة المظلومة، ولا بد من تحريرها من هذا الظلم ولو كان من الأحكام الشرعية.. وإلا لماذا يشترط في بعض المناصب ألا تكون المرأة متزوجة؟ لماذا لا تكون الكفاءة هي الشرط الوحيد؟ ويبقى للمرأة الحفاظ على ما جبلت عليه من الشوق إلى الذرية.. أم أنها لا بأس أن تحرم من أن تكون سفيرة أو قنصلة أو غير ذلك لمجرد أنها متزوجة، وتدخل البرلمان وعندما نشعر أنها لا تستطيع القيام بمهامها نطالبها بالتخلي عن بيت الزوجية.
أهذا الذي نريد للمرأة؟ 
    
 
 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=2430