أفضلية توريث الفضائل على الأموال
التاريخ: 19-11-1432 هـ
الموضوع: مساهمات


من المواقف التربوية الغريبة ما يروى عن أحد "الانجليز" أنه حرم أبناءه من الميراث المالي، وقال في وصيته لهم: ليس من تقاليد عائلته أن يثرى واحد فيها، ويتحول إلى غني ذي مال، من غير جهده وسعيه، وهو قد أدى واجبه نحوهم، فرباهم وعلمهم أن يسعوا في الأرض طلبا للثروة وغيرها..
ابراهيم قمور

موقف لا يخلو من شذوذ ومبالغة في تعليم الأبناء الاعتماد على النفس، وفي معركة الحياة الدنيا، ولكن التربية القاصدة تقدر العادات الحسنة التي يرثها الأبناء من الآباء، والتي تعد ميراثا كبيرا يفوق أحيانا المزايا التي يحققها ميراث الأموال الجزيلة، ومن يستطيع أن ينكر قيمة وأهمية التقاليد المستقيمة التي يأخذها الأبناء من الآباء مثل محبة العلم وطلبه، والنظافة في الثوب والمكان والكلام، والقناعة في الطعام والشراب واللباس وكراهية المنكر وأسباب المضار مثل الجشع والطمع والصغارة والمذلة.
إن ميراث عامل القدوة الصالحة من أعظم عوامل التربية الواقعية، وليس أحسن من تربية الأبناء بأسلوب القدوة السليمة من جانب الوالدين، وذلك خلال الصبا والشباب، وهي المرحلة المتيحة للتكيف والانطباع والتخلق، والتي تمكن من زرع بذور الصلاح أو غرس شجيرات الفساد، وفي مجتمعنا الجزائري انحرف عن مساره توريث الفضائل، وهنا يحق التساؤل: هل يقتدي الشاب الأب الذي يسرق الكهرباء والماء في العمارة السكنية، ويتباهى بذلك، وهل تقتدي الفتاة بالأم التي تتحايل كي تحصل على مسكن اجتماعي بأن زوجها بطال بينما هو يمارس التجارة، ويعتبر من الأثرياء في حيه؟ ويبدو للمتأمل أن أفضلية توريث المثل العليا التي تنظم المجتمع، على توريث الأموال الثابتة والمتحركة، هدف واضح، وغاية يرشد إليها ديننا الإسلامي في آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة، ومنها قوله تعالى في الآية الثامنة والعشرين من سورة الأعراف:} وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا...{ ومعنى هذا أن التوريث ينبغي أنه يكون في الفضائل الراسخة.
وأبرز نقطة في هذا السياق تهيئة الاستعداد للتربية الصالحة بقدوة الاعتماد على النفس، ومبدإ الجد والاجتهاد في العمل.
ولعل أفضل ميراث يأخذه الأبناء من الوالدين صحة الجسم وقوة وسلامة العقل، وفي الحياة الواقعية للناس هناك أبناء كثيرون ورثوا عن آبائهم أموالا طائلة ثم أضاعوها في سنوات قليلة، والعلة في ذلك ترجع إلى السفه والعجز على التصرف الهادئ المنظم الذي يمكن من استثمار المال الموروث والإضافة إليه بالجهد والعرق والمثابرة، وفي مجرى الحياة الواقعية أيضا هناك أبناء لم يرثوا مالا من الآباء، واستطاعوا بناء ثروة احتلت الصدارة في الأحاديث والتعاليق بين الناس، وهؤلاء في الحقيقة ورثوا صحة الجسم وسلامة العقل وصواب الرأي، وهذه العوامل تكفي لترجيح الميل الواعي للاعتماد على النفس، وذلك لأن توريث العقارات الثابتة للأبناء قد أصبح يثير الخصام والتصادم بين الورثة، بينما لا نراهم يختصمون في شأن الموروث المعنوي المتصل بالفضائل التي تعين المجتمع على الاستقرار والنشاط البناء في شتى الميادين، وفي الدول المتقدمة يخاصم الأبناء الآباء فيقولون لهم: لماذا تتركون لنا إرث العقارات الثابتة، ومن أدراكم بأننا نقيم في هذا الحيز من الأرض بصورة دائمة، فنحن مولوعون بالترحال والانتقال، ولعل ما يشاهد في الواقع من خيبة بعض الوارثين وإضاعتهم لما ورثوه من أموال وعقارات بسهولة يرجع إلى أنهم حرموا مما كان يجب أن يرثوه من قدرة على التصرف الحكيم، أليس مما يطلب في التربية الناجحة السعي إلى بناء الرغبة الجارفة في الاعتماد على النفس. ولهذا يبقى الإرث المفضل يتصل بالفضائل المعنوية التي تعين صاحبها على اجتياز تقلبات الأحداث وتصادم الحوادث، وفي هذا الاتجاه يندرج حرمان "الأنجليزي" أبناءه من الميراث لأنه يرفض اتكالهم على غيرهم، إنه اتجاه صائب.





أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=2431