العنف المستشري في الجزائر أسبابه ومعالجاته...!
التاريخ: 19-11-1432 هـ
الموضوع: محطات


نظمت جريدة "الشروق اليومي" في بحر الأسبوع المنصرم ندوة حول موضوع "العــــــــــــــنف" الذي عم وطم في الجزائر، دعت إليها نخبة من النفسانيين والقانونيين والاجتماعيين والأئمة، وذلك بغية معرفة الأسباب والدواعي الممكنة له، والمساعدة على انتشاره، واقتراح الأساليب والطرق العلاجية الكفيلة بمحاصرته والحد منه،

وقد تباينت الآراء في أسباب بروز  ظاهرة العنف واستفحالها، فهناك من أرجعها إلى غياب دور الأسرة وعدم تكفلها  بتربية الأبناء، وهناك من ردها إلى سوء تكفل الدولة بالمساجين وعدم تكفلها بإعادة إدماجهم، وبعضهم أرجعها إلى سلوكيات حديثة ظهرت في المجتمع ساعدت على تهيئة الظروف التي فرخ فيها العنف وباض، كتلك التي أطلق عليها علماء الاجتماع الغربيين ظاهرة "أطفال المفاتيح" ويعنون بها الأطفال الذين يملكون مفاتيح كل شيء ابتداء من  مفاتيح المنزل،  وغيرهم نسبها إلى تقصير الوزارات المعنية بالتكفل بالشباب   في الاضطلاع بمسؤولياتها في  هذا الشأن،  إلى غير ذلك من الأسباب والدواعي، وفي نظري إن كل تلك الأسباب والدواعي وإن كان لها علاقة  بظاهرة العنف التي فرضت نفسها على واقعنا، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى الأسباب الجوهرية  التي دعت إليه ومكنت له،  وأرى أن السبب الرئيس في هذه البلوى التي حلت بالجزائر، ترجع أكثر ما ترجع إلى عدم وجود مشروع اجتماعي  يستوعب في إطاره تطلعات الشعب واهتماماته، فغيبة مثل هذا المشروع هو الذي حال بين الدولة وبين معرفة الأولويات وحسن توزيع المسؤوليات على مختلف القطاعات، بما يجعل كل الجهود تلتقي لخدمة الأهداف والغايات المتفق عليها، في السياسة والاقتصاد والتربية والثقافة وما إلى ذلك،  مشروعا يتيح للدولة التنبؤ بالمآلات التي تؤول إليها الجهود المبذولة في كل قطاع على حدة، ويتيح لها التدخل لتصحيح المسار، وتدارك الخلل، ويضمن لها على مر الزمن مضاعفة الإمكانيات في مختلف قطاعاتها، ويضع بين أيديها ما يؤهلها للتخطيط لأهداف وغايات جديدة تزيدها قوة ومنعة، وتجعل منها  قوة معدودة معروفة القدر، مرهوبة الجانب، إن السياسي والمفكر والاقتصادي والصناعي والفنان والعالم ورجل الدين  وحتى رب الأسرة، لا يستطيع أي واحد منهم أن ينطلق في عمله من فراغ، بل يحتاج أن يعرف بصورة يقينية مقاصد نشاطه وغاياته، وجهله ذلك يجعله يدور في فراغ، ولا يجني من جهده المبذول إلا التعب والإرهاق،بل أن معرفته ضرورية لأنها بفضلها يتمكن من التخطيط لعمله، وتبين الطرق والأساليب المناسبة للتنفيذ، والكفيلة بالمساعدة على تذليل الصعوبات، وتفادي العقبات، وأعتقد أنه لا خلاف على أن أسباب العنف في الجزائر، كما في سائر الدنيا، تتولد عن المناخ السياسي ،  والمحيط الاقتصادي، والوضع الاجتماعي، وهذه العوامل الثلاث المجتمعة، لا يعتريها الخلل، ولا يتطرق إليها الزلل، إلا عندما  يطبعها الارتجال، وتسودها الفوضى، ولا يكون ذلك إلا عندما تفتقد الدولة للمشروع الاجتماعي الذي تستلهمه في قيادة المجتمع، وإدارة شؤونه وتحقيق مصالحه، إن العنف في الجزائر يرجع بالاتفاق إلى تفشي البطالة ، واضطراب الوضع السياسي، وتردي الوضع الاجتماعي، وكل ذلك مرده إلى عدم وجود خطة كاملة ومتكاملة تضمن وجود حد أدنى من العدالة الاجتماعية، وقدرة حقيقية على إحداث التنمية الاقتصادية ، وسعي جدي لتحسين الوضع الاجتماعي، وهكذا يتبين أن معالجة العنف المستشري في الجزائر يتطلب التعجيل بالاتفاق على مشروع اجتماعي يأخذ بعين الاعتبار إمكانيات المجتمع وتطلعاته.  

08



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=2434