تفسير ابن عاشور 42
التاريخ: 19-11-1432 هـ
الموضوع: خواطر


}إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ{: هذه الآية وما بعدها جمل جديدة مستقلة، فيها انتقال إلى الحديث عن فريقا آخر من الناس، يختلف تماما عن فريق المتقين الذين اهتدوا بالقرآن.

إنهم المشركون الذين لم يهتدوا بكتاب الله، وحرموا من هدايته، لأنهم لم يفكروا في عاقبة أمرهم، وأصروا على الكفر، فأنت سواء أنذرتهم أيها الرسول أم لم تنذرهم، فإنهم لا يقبلون أن يتلقوه، وأن يتأملوا فيما تدعو إليه.
والذين كفروا في اصطلاح القرآن يدل غالبا على المشركين.
 واشتملت هذه الآية وما بعدها على فريقين من الذين كفروا: فريق أعلنوا الشرك، وصرحوا به، فظاهرهم كباطنهم، وفريق آخر مخادع، أظهر الإيمان، وأضمر الكفر وأخفاه، وهم المنافقون، الذين أشار إليهم قوله تعالى:}وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ{.
فبين الفريق الأول وهم المتقون، وهؤلاء تضادٌّ، ولذلك فإن بين هذه الآيات والتي قبلها تمام الانقطاع، فالأولى تصف المتقين، وهذه تتحدث عن الضالين، وتصدَّر هذه الجمل حرف إنّ، الذي يدل في هذا السياق على مجرد الاهتمام بالخبر، وليس للتأكيد، لأن الشك غير وارد، ولأن الخطاب موجه لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأمته، وهم لم يسبق لهم شك في ذلك، ويمكن أن تدل على التأكيد بناء على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينقطع رجاؤه في نفع الإنذار، فحاله كحال من شك في استجابتهم، فيكون حرف إنَّ لرد هذا الشك، أو لأن السامعين لما سمعوا هذا الثناء على الكتاب وهدايته وأثره في قبول الهداية يجعلهم ذلك يتوقعون أن تؤثر هدايته في هؤلاء الكفار المعرضين، فنزل غير الشاك منزلة الشاك، كأن السامعين يشكون في أن يكون الإنذار وعدمه سواء.
والقرآن بيّن أن هؤلاء الكافرين ميؤوس من إيمانهم، وحرف الــ في الكافرين إما أن يكون للعهد، يراد بهم قوم معهودون معينون معروفون، كأبي جهل، والوليد بن المغيرة، وأحزابهم من عتاة الشرك وزعمائه، وإما تكون الـ للجنس التي تفيد العموم والاستغراق، فشمل ذلك جميع المشركين، ويتعين بأنهم الذين ماتوا على الكفر، ولا تدل هذه الجمل كما يراه بعض المفسرين على الذين قضي عليهم بالكفر والشقاء، فهو تأويل بعيد، وبعضهم أوَّله بأن المقصود به اليهود، مثل حيي بن أخطب، وأبي رافع، بناء على أن السورة نزلت بالمدينة، وهذا أيضا بعيد عن أسلوب القرآن، ولا يدل عليه السياق، لأن المقصود ذكر من لم  يهتد بالقرآن، في مقابل بمن اهتدوا به، فالمعنى أن فريقا معينا من الكفار لا يُرجى إيمانهم، وهم الذين ختم الله على قلوبهم، فليس ذلك لنقص في دلالة القرآن على الهدى والخير، بل كان ذلك لعدم قابليتهم للاهتداء، ولإعراضهم عن الهدى إعراضا تاما، وإصرارهم عليه.
ولفظ الكفر بضم الكاف يدل على إخفاء النعمة، وجحدها، وبفتح الكاف يدل على التغطية والستر، واشتقاقه من كفر، بمعنى ستر وغطى، ولما كان إنكار الخالق أو إنكار ما جاءت به رسله نوعا من كفران نعمته وجحدها، أطلق عليه اسم الكفر، وغالب استعماله في هذا المعنى، أما دلالته في الشرع، فهو إنكار ما دلت عليه الأدلة القاطعة، وتناقلته جميع الشرائع الصحيحة، بحيث علمه البشر، واتجهوا للبحث عنه بعقولهم، وقامت عليه الأدلة، وذلك كوجود الله ووحدانيته، وكذلك إنكار ما علم بالضرورة مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من أصول الإسلام، أو المكابرة في الاعتراف به، ولو مع اعتقاد صدقه، ولذلك عبر عنه بالإنكار والتكذيب، وكذلك كل قول أو فعل دال على قلة اكتراث بالإيمان والطعن في الدين، وبإهانته بوجه لا يقبل التأويل، وهذا مجاله اجتهاد الفقهاء، يُرجع فيه إلى كتب الفقه والأصول.
وذهب أبو بكر الباقلاني إلى أن الكفر يكون بواحد من ثلاثة أمور:
1 – الجهل بالله أي الجهل بوجوده وعدم الإيمان به.
2 – أن يأتي الإنسان بفعل أو قول ينافي تماما ما أخبر الله ورسوله به أو أجمع السلمون على أنه لا يكون إلا من كافر، كالسجود للصنم مثلا .
3- أن يصدر عنه قول أو فعل لا يمكن معه أن يعد مؤمنا بالله، أو انتهاك لحرمة الربوبية، بالجهل بالله وصفاته، والاستخفاف بذلك.
ولفظ سواء: معناه الاستواء، وهو اسم مصدر لأنه يلزم الإفراد والتذكير، وهو كالمصدر في أن المراد به اسم الفاعل للدلالة على المبالغة، ويمكن أن يدل على المثلية تقول هم: رجال سواء مثل زيد، فالمثلية لا تتعدد وإن تعدد موصوفها.
وعدّي بحرف على للدلالة على الاستعلاء، وتمكن الاستواء، فلا مصرف للمتكلم ولا تردد، أي سواء عندهم الإنذار وعدمه قطعا.
ويستعمل سواء للدلالة على التساوي في المتعدد تقول: هم فيه سواء، كما يستعمل بأن يقع مع همزة التسوية وهي همزة استفهام، يكثر وقوعها بعد لفظ سواء، ومعها حرف العطف أم، وتسمى المتصلة كقوله تعالى:} سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا{ وهو أكثر ما تستعمل فيه كلمة سواء.
 وفعل لا يؤمنون: هو نتيجة لكون الإنذار أو عدمه في أنفسهم سواء، مما يدل على المكابرة، وعلى عذر النبي صلى الله عليه وسلم في حرصه على دعوتهم وهدايتهم، وتبيان لسبب ذلك، وهو أن من لم يفتح سمعه وقلبه لتلقي الحق، لا ينفع فيه حرص ولا دعوة.
إن من علم الله عدم إيمانه لم يكلفه بخصوص ذلك، ولا وجَّه له دعوة خاصة، وإنما كانت الدعوة عامة، وذلك يشمله هذا العموم في الدعوة.
وإن علم الله أنهم لا يؤمنون باعتبارهم أفرادا معينين يموتون على الكفر لأنهم اختاروه وأصروا عليه.


11



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=2436