الحج إلى بيت الله العتيق
التاريخ: 26-11-1432 هـ
الموضوع: معالجات إسلامية


في مثل هذه الأيام من كل عام تهفو قلوب المسلمين وتتجه الأنظار نحو بيت الله العتيق، يحملها الشوق ويدفعها الأمل فيما عند الله سبحانه وتعالى، مستجيبين لدعوة أبيهم إبراهيم – عليه الصلاة والسلام- عندما أمره الله سبحانه وتعالى بقوله :{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}(1).

 وهذا الشوق الذي يملأ قلب كل مسلم إلى بيت الله الحرام، إنما هو تحقيق لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم – عليه الصلاة والسلام- حينما أسكن ابنه إسماعيل –عليه الصلاة والسلام- وأمه هاجر في رحاب البيت العتيق وتركهما، ثم اتجه إلى ربه يناجيه ويتضرع إليه  {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}(2).
وما تكاد أشهر الحج تهل على العالم الإسلامي حتى تشتعل قلوب المسلمين بالشوق إلى بيت الله الحرام ، وما جاوره من أماكن مقدسة ، وزيارة مسجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وغيره من المشاهد الإسلامية العظيمة في مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وحيث إن  الحج اجتماع جامع للمسلمين قاطبة ، يجدون فيه أملهم العريق الضارب في أعماق الأمة منذ سيدنا إبراهيم الخليل
– عليه الصلاة و السلام - ، فهو فريضة تأتلف فيها مصالح المسلمين وتجتمع منافعهم وتتجدد الروابط بينهم ،  وتصدق العزائم عند اللقاء الكريم .
ومن المعلوم أن الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو آخر ما فرضه الله على عباده من العبادات، فهو عبادة جليلة ينتقل فيها المسلم ببدنه وقلبه إلى البقاع الطاهرة المقدسة التي أقسم الله بها في كتابه الكريم في قوله تعالى {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} (3)، وقوله تعالى{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ}(4).
إن الحج مؤتمر عالمي يتلاقى فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، فتنصهر الأخوة الإسلامية وتذوب في حرارتها النزعات القومية والوطنية، وفي الحج يتجلى معنى الوحدة الإنسانية، وتتجلى المساواة في أقوى صورها فلا عنصرية ولا عصبية للون أو جنس، ها قد جاء ضيوف الرحمن من كل حدب وصوب ليعلنوا للبشرية جمعاء، بصوت واحد وعلى مستوى واحد وصعيد واحد ، لا إله إلا الله ، محمدٌ رسول الله ، وأن الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى للبشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، جاءوا إلى مكة المكرمة ليتساووا على صعيد الحج ، لا فرق بين أبيض وأسود وكبير وصغير وغني وفقير ، لباسهم واحد وتوجههم واحد وصوتهم واحد، فتتحد الألسنة وتتآلف القلوب وتخرج الإجابة من حناجر صادقة وأفواه طاهرة:  (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).
وفي الحج تتجلى رحمة الله بعصاة المسلمين لأنه من أفضل الأعمال التي يقبلها الله ويكفر بها ذنوب العاصين ،  فقد سئل رسول الله  – صلى الله عليه وسلم -  : أي الأعمال أفضل ؟ قال:
 ( إيمان بالله ورسوله ) ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : ( ثم جهاد في سبيل الله )  ، قيل ثم ماذا ؟ قال : ( حج مبرور ) (5) ، وقال – صلى الله عليه وسلم – :( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) (6).
            إن الحج ملاذ كل المسلمين العابدين والعاصين، فالعابدون يزدادون قرباً من مولاهم بوفادتهم عليه في بيته ، والعصاة يستروحون عبق الرحمات في تلك الأجواء الإيمانية الآمنة ليقروا بذنوبهم، آملين رحمة الله بعفوه ومغفرته ورضوانه ، مجددين العهد على الطاعة وإخلاص العبودية لمولاهم الغفور الرحيم .
 إن الحج مؤتمر عالمي يتكرر كل عام مرة، ويُعقد في الأرض المباركة بجوار الكعبة تحت شعار
" أمة واحدة " قال تعالى : {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (7) ، ومن المعلوم أن
هؤلاء الحجيج جاءوا من كل فج عميق، مختلفة ألوانهم وألسنتهم وأجناسهم ، يهتفون بهتاف واحد "لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك"  وينادون رباً واحداً ، ويسعون إلى غاية واحدة ،فهم وإن اختلفت أصولهم وأجناسهم وألسنتهم، يجمعهم الإسلام ويوحدهم الإيمان.
فضيوف الرحمن وإن انتسبوا إلى آباء شتى، فإن أخوة الإسلام تجمعهم  لقوله تعالى:(   {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } (8)، وكما جاء في الحديث الشريف :  "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امرئ من  الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه" ( 9).
            لقد جاءت هذه الملايين المؤمنة من ضيوف الرحمن من كل حدب وصوب، واجتمعوا على صعيد واحد، تحت راية واحدة ، مرة كل عام ، فهل رأيت رباطاً أوثق من هذا الرباط ، وهل أبصرت حشداً أعظم من هذا الحشد، وهل علمت قصداً أنبل من هذا القصد.
لقد جاءوا وقد تلاشت بينهم كل الفروق ، وتلاقوا في ساحة العبودية ، للواحد الأحد الفرد الصمد، وهذه هي الغاية الأساسية للدين الحق في المجتمع الإسلامي ، والتي أشار إليها رب العالمين بقوله:   {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (10).
 إن الواجب على المسلمين تحويل يوم الحج الأكبر إلى مؤتمر عام للأمة الإسلامية ، يعالجون فيه أمراضهم، ويتدارسون فيه أحوالهم ، ويعرضون قضاياهم، ويناقشون مشاكلهم ، ويقترحون لها الحلول، ويضعون الخطط للمستقبل ، ويعملون جاهدين من أجل رص صفوفهم ، وتوحيد جهودهم وكلمتهم، وجمع شملهم ، فالأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس لقوله تعالى :   {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  } (11)،إن ذلك لو تحقق لكان أكبر إنجاز من هذا المؤتمر العظيم ، وَلَمَا رأينا جانباً من أرض المسلمين يعدو عليها ذئاب البشر ، ويتهددها الاستعمار من كل جانب.
 ومن المعلوم أن وحدة المسلمين في الحج تشمل عدة مظاهر من الوحدة يتعايش
الناس على ضوئها:
1-  وحدة الأصل :-  قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(12)، وفي الحديث (  ألا لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ) (13) .
2- وحدة الزمان :-   قال تعالى :{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (14 )  .
3- وحدة المكان :  قال تعالى : {جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ } (15 ) ،وقوله أيضاً :{ وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } (16) .
4- وحدة في الشكل والمظهر تتجلى في لباس الإحرام المكون من إزار ورداء أبيضين هو لباس كل الحجيج استعاضوا به عن لباسهم المعتاد في حياتهم العادية ، فالحج يستمد عالميته من عالمية الإسلام الذي جاء رحمة للناس كافة ، قال تعالى :   {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }(17) ، وقال أيضاً  {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ( 18 ) .
نسأل الله للجميع حجاً مبروراً ، وسعياً مشكوراً ، وذنباً مغفوراً
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
الهوامش :
1- سورة الحج الآية (27)   2- سورة إبراهيم الآية (37)           3- سورة البلد الآيتان (1-2)   4- سورة التين الآيات (1-3) 
 5-متفق عليه                           6- متفق عليه                           7-  سورة الحجرات الآية (10) 8- أخرجه البخاري
9- سورة الحجرات الآية(13)   10- سورة آل عمران الآية (110)                                            11-سورة الأنبياء الآية (92)    
12- سورة الحجرات الآية(13) 13- أخرجه البيهقي                 14-سورة البقرة الآية (197)     15-سورة المائدة (97)           
16- سورة البقرة الآية (125)    17-سورة الأنبياء الآية (107)   18-سورة سبأ  الآية (28)           

23



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=2439