سقوط طغيان أم سقوط طغاة؟
التاريخ: 26-11-1432 هـ
الموضوع: مساهمات


وأخيرا سقط القذافي، بعدما أشعل البلاد وقتل العباد، وترك خلفه شعبا لا يشعر بكرامة ولا بحرية ولا بعدل، ربما شعر بها حيوانات الشعوب التي تحترم نفسها، وقد سقط من قبله آخرون من طينته. سقط صدام حسين، بعدما كان يستقبل إطارات نظامه يمشون على ركبهم للوصول إليه في مكتبه، وسقط مبارك الذي حول مصر إلى ملكية خاصة يستعد لتوريثها، وسقط بن علي الذي استطاع اختراق الغرب بأكاذيبه، التي كان يلفقها لخصومه السياسيين، وسيسقط آخرون طال الزمان أو قصر..؛ لأن الاستبداد شذوذ..، والشاذ لا يستقر ولا يستمر.

التهامي مجوري



ربما يناقشني الناس في هذا القول، فيفرقون بين صدام الذي سقط على يد الأمريكان، وبين بن علي الذي تخلى عنه الجيش فهرب، ويفرقون بين هذين، وبين مبارك الذي ملأ الدنيا فسادا، وتمكينا لإسرائيل ودعائمها، ويفرقون بين هؤلاء جميعا، وبين القذافي الذي طال ظلمه جميع الناس، ولم يبق مقصورا على الليبيين وحدهم..، وسيصلون في مناقشاتهم إلى أن نهاية هذا الطاغية كانت أفضل من هذا، وسلوك هذا في نهاية المطاف كان أفضل من ذاك.. ولكنهم في اعتقادي لا يختلفون معي في أن جميع هؤلاء كانوا طواغيت مستبدين أذاقوا أهاليهم ويلات العذاب في هذه الدنيا، ولم يشعر واحد منهم بوخز ضمير أمام معاناة شعبه.
لا شك أن الأمور بالخواتيم، وخاتمة كل واحد منهم تختلف عن خاتمة صاحبه، فالذي كانت نهايته على يد عدو، ليست كنهاية الذي كانت على يد ابن البلاد، والنهاية بالقتل ليست كالنهاية بالمحاكمة أو اللجوء إلى خارج البلاد، ولكنهم جميعا يشتركون في أنهم لم يجدوا من أبناء الشعب من يدافع عنهم، ويذكر لهم حسنة يشكرون عليها، إلا ما يستثنى من المقربين جدا من أرباب المصالح.
ولذلك لم نجد في شعوب العالم العربي والإسلامي، من تأسف لذهاب واحد منهم، ولم نجد في شعوبهم من حاول الدفاع عنهم، ولم نجد فيهم من حمل السلاح في وجه من عمل على إسقاطهم.. وكل ما وجدناه ولاحظناه أن هؤلاء الطغاة كانوا متمترسين خلف أبناء الشعب، جيشا وشرطة وغيرهما من الأجهزة الأمنية، ولما تحركت الشعوب وسقطت حمايات "الحماة"، لجأ الطغاة إلى "البلطجية"، و"المرتزقة"، و"الشبيحة"، لينقذوهم هذه المرة من شعوبهم التي اضطهدوها لسنوات طوال.
تلك هي بعض آفات الاستبداد والظلم والطغيان.. والاستبداد شر كله كما كان يقول ولا يزال الشيخ راشد الغنوشي؛ لأنه لا يأتي بخير. يسقط الطاغية ولا يجد من يبكيه لا في السماء ولا في الأرض بسبب ظلمه وبطشه وطيشه؛ بل إن اللعنات عليه تحل محل الرحمات، والدعاء عليه يكون مكان الدعاء له.
 يسقط الطاغية ويذهب غير مأسوف عليه، ويترك من خلفه، أسرة قد لا تكون موافقة على كل ما كان يفعل ومع ذلك تجني ما زرع في الأمة من بذور الشر.
إن سقوط طاغية أمر مهم في إقلاع نهوضوي لمجتمع ما، ولكن هذا السقوط ليس نهاية المطاف، وإنما هو بداية لمرحلة جديدة، وهذه المرحلة تستلزم مستوى من الرشد والنضج قد محاه الطاغية من قبل باستبداده، ولذلك نلاحظ في هذه النماذج الأربعة المذكورة، العراق وتونس ومصر وليبيا، لا تزال البلاد مهزوزة، وذلك ليس لأن المصالح الغربية تريد هذه الفوضى فحسب، وإنما لأن المنظومة التي حرص الطاغية على إيجادها لا تساعد على تماسك المجتمع ولا على بناء دولة، بقدر ما كانت حريصة على استقرار سلطة واستمرار نظام ولو كان هذا النظام مفلسا.
إن ثقافة الطغاة هي ثقافة الاستبداد، التي لا تبالي بالمجتمع الحر، ولا تعبأ بالعدل، ولا تهتم بالإنتاج، وإنما الذي يعنيها هو أن يكون المجتمع خائفا على الدوام، بحيث يصبح المجتمع لا هم له إلا كيف يرضى الطاغية؟ وبعد ذلك يهون كل شيء.. لا بأس من أن يجوع المجتمع، ولا ضير من أن يعرى، المهم لا "يزعف" الطاغية.. وهذه الثقافة بكل أسف لا زالت تخيم اليوم على المجتمع العربي والإسلامي، الذي تشرب هذه الثقافة، فاحتاج إلى جهد مضاعف لمحاربة الطغيان، لا بإسقاط الطغاة فحسب وإنما بالقضاء على الطغيان وأسبابه.
والمجتمع الإسلامي لا تزال فيه بقية من ثقافة مقاومة هذا الطغيان، وهي من العرف الجاري الذي توارثته الأجيال المسلمة (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران 104]، وهي صالحة كرأسمال أولي لإحياء هذه القيمة الحضارية التي لا تكون الأمة بدونها، وأول الغيث قطرة كما يقال.
       





أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=2440