الاعتداء على الحدود..و الردة نحو الجاهلية
التاريخ: 26-11-1432 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


لا تزال شهوات النفس تراود صاحبها حتى توقعه في شرَك المعاصي، ولا يزال العبد منها في حذر يظاهره مجتمع يقظ إلى أن تُغافله في لحظة ضعف، أو تَصيده في ساعة استرخاء، بعد تأويل مرجوح، أو عقب منٍّ خفيّ بطاعة تُستكثر، تدفع باتجاه ترخص أو تخفّف، ينتهيان بكسب جولة، إن بقيت جذوة الطاعة في اتقاد، وتسعف صاحبها في الأوبة، أو بصرعه إن استلذّ الإخلاف، وذوت شمعة إيمانه لتبقى حبيسة قلب، ولتقنع بمجرد التصديق  الذي لا يعقبه عمل أو لا يتبعه أثر.

شهوة المال اكتسابا و جمعا من أشد شهوات النفس فتكا بالأفراد والمجتمعات حين لا تلتزم بشِرعة، أو حيث لا يسودها قانون، ولو خُلّي بين النفس وما تشتهي من غير رادع أو ضابط لانتشرت المظالم، ولما بقي للحياة طعم.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه(3/1567) عن عامر بن واثلة ‏قال‏: "كنت عند ‏ ‏علي بن أبي طالب ‏ ‏فأتاه رجل فقال: ما كان النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏يُسر إليك؟ قال: فغضب وقال: ‏ما كان النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏يُسرّ إليّ شيئا يكتمه الناس، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع، قال: فقال ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: قال لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من ‏ ‏آوى ‏ ‏محدثاً‏، ‏ولعن الله من غير ‏ ‏منار الأرض."
و وردت في روايات أخرى بألفاظ:"ملعون مَن غيّر تخوم الأرض" و "من سرق منار الأرض" و في ثالثة:"ينتقص منار الأرض"
ومعنى تخوم الأرض هي العلامات التي توضّح حدود الأراضي وممتلكات الناس، فيأتي أحدهم فيزحزح العلامة حتى يستفيد من أرض جاره، فجاء لعنه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه اقتطع من مال أخيه بغير حق، ومنار الأرض يقصد بها العلامات الإرشادية التي تهدي الناس حتى لا يضلوا أو يتيهوا، و إذا كان مجرد تغيير العلامات الهادية يستوجب هذا العقاب الشديد، فما البال بمن يسرق  ويستولي على حقوق الآخرين؟
و أخرج البخاري(4/107) عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه خاصمته أروى-في حق زعمت أنه انتقصه لها-إلى مروان، فقال سعيد: أنا أنتقص من حقها شيئا؟ أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يُطوّقه يوم القيامة من سبع أرضين."
ولذلك حذّر الشارع من الاعتداء بكل أنواعه على الأنفس والأعراض والأموال، والعدوانُ عليها قد يتخذ أشكالا كثيرة، وغالبا ما يتناسب مع التطوّر الذي بلغته الأمم، فالسرّاق في الدول المتقدمة ترفّعوا عن تتبع المارة، يترّصدون الضعفاء والنساء منهم للسطو على أموالهم، بل راح هؤلاء يسترقون السمع والنظر عبر الإنترنت، ليستولوا على حساب هذا أو ذاك من المُودِعين، وحين تتّجه كثير من الاعتداءات في بعض المجتمعات إلى الأراضي الخاصة أو العامة، يتحيّنون أوقات الفتن و الفوضى فتلك قرينة أخرى على ظاهرة تخلّف هذه المجتمعات، بل قد تكون دليلا على رِدّة إلى الوراء، تبلغ عصر الجاهلية، حيث كان النزاع حول شبر من الأرض يؤدي إلى حروب طويلة، وحتى الاستيلاء على أراضي الدول الضعيفة الذي كان سائدا في القرون الماضية لم يعد بناسب العصور الحالية، وفضّل الأقوياء أن يسرقوا خيرات الضعفاء بطرق جديدة ملتوية، لا تجرّمها القوانين الدولية.
حين يكون الاعتداء على مجرد شبر من الأرض جريمة تستوجب كل هذا العقاب فمعنى ذلك أن الشارع الحكيم كان ينطلق من واقع الجاهلية الجهلاء، ويحذّر من العودة إليه، بعد أن منّ الله عليهم بشرعة الإسلام، وما جاء فيها من صون للأموال والأنفس والأعراض، و بتنا نرى كيف تنتهي النزاعات حول الأرض إلى كل هذه الأحقاد والضغائن، التي تفضي في أحيان كثيرة إلى إراقة الدماء بغير حق، بل قد رأينا نزاعات بين دول جارة في العالم العربي أفضت إلى احتلال القويّ للضعيف، فيما يشبه الحروب بين القبائل قديما، و بذلك نعلم يقينا إلى أي حدّ كان التحذير سديدا، والعقوبةُ عادلة، ولمن يحصر الجرم في الكافر فحسب، أو يقصره على الأراضي الشاسعة فقط، يأتي التحذير عاما، ويبدأ التجريم من مجرد الشبر الذي يُستصغر أو يستسهل، بل يشمل تغيير المعالم الهادية الذي يتسبّب في تضليل الأعمى و المسافر و غيرهما.
 قال أبو عبيد في غريب الحديث(3/112): "التخوم هي الحدود والمعالم والمعنى في ذلك يقع في موضعين : الأول منهما أن يكون ذلك في تغيير حدود الحرم التي حدّها إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن عز و جل، والمعنى الآخر أن يدخل الرجل في ملك غيره من الأرض فيحوزه ظلما وعدوانا.."
عموم الخطاب بتناول سرقة الأملاك العامة التي تُعرف بأملاك الدولة، بل قد تكون أشدّ في النهي  والتأثيم، فالمال أو الملك الخاص يتبع فردا أو أفرادا، أما المال العام فهو ملك للأمة المعبّر عنها بالدولة، وتتأكد شناعة الجرم في الأزمات التي تُفتقد فيها الثقة بين الحاكم والمحكوم، فيلجأ المحكوم إلى صنوف من التأويل ما أنزل الله بها من سلطان، وما ثمة إلا الرغبات الآثمة في الاستجابة لأهواء النفس والاستيلاء على المال العام أو الخاص.
وحتى لا يستجيب راغب في الإخلاف لشهوته فيدّعي تقليدا لإمام أو اتباعا لقول فقيه من خلال قصر السرقة الواردة في الأحاديث على أراضي الحرم: فإن ادعاء التخصيص مناف لمقاصد الشارع، ويحتاج إلى دليل حاسم، و عمومُ الخطاب يدحضه، و النتائج الوخيمة للعدوان لا تدع مجالا لأي حصر أو تخصيص، قال القرطبي في المفهم(16/142):"ولا معنى للتخصيص، بل هو عام في كل الحدود والتخوم."

05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=2442