بين فارس والروم: المسار والمصير(5)
التاريخ: 4-8-1437 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


نزعات السوء التي تنطوي عليها الجوانح لا تحتاج إلا إلى ظرفٍ يخرجها إلى العلن، عبر كلمة نابية أو سباب عنيف، وقد يعبِّر بعضهم عما في صدره بعبارة تستخفّ بمقام، تسبقها مشية كبر، يُخيَّل لصاحبها أنه يعانق الجبال تيها، وقد توعّد الله هؤلاء بسوء المصير، فقال تعالى:{ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى. وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى. ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى. أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى. ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى}(القيامة:31/35).



أخرج الإمام الترمذي (4/526)عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مشت أمتي بالمطيطاء، وخدمها أبناء الملوك: أبناء فارس والروم سُلِّط شرارها على خيارها".

قال الترمذي عقب إخراجه: "هذا حديث غريب...وقد روى مالك بن أنس هذا الحديث، عن يحيى بن سعيد مرسلا، ولم يذكر فيه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر". وصحح حديث الترمذي الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/200).

وأخرجه ابن حبان (15/112) بلفظ " إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم سُلِّط بعضهم على بعض". وللحديث طرق عن أبي هريرة وخولة بنت قيس

قال الطبري في تفسيره (24/82): "وإنما عني بقوله: ( يتمطى) يلوي مطاه تبخترا، والمطا: هو الظهر، ومنه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا مشت أمتي المطيطاء " وذلك أن يُلقي الرجل بيديه ويتكفأ".

وقال ابن الجوزي في كتاب كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 229): "تمطّيت: أي تمددت، وهو مأخوذ من المطا وهو الظهر، فالمتمطي يمد ظهره، وقال ابن قتيبة: أصل يتمطى يتمطط، فقلبت الطاء فيه ياء، كما قالوا: يتظنى والأصل يتظنن، ومنه المشية المطيطاء، وأصل الطاء في هذا كله دال يقال: مططت ومددت بمعنى".

المعنى يدور حول مشيةِ حذّر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته منها، لأنها تندرج ضمن الكبر المدرج بدوره في الكبائر، وهو معنى مطروق في القرآن والسنة، فما الجديد في الحديث؟

قد يشير الحديث إلى وضع تُفتح فيه الدنيا على المسلمين، يستخدمون فيه الخدَم من كل حدب وصوب، حتى يخدمهم مَن كان يُضرب به المثل في العيش الرغيد، وهو الأمر الذي يزيد من كبرهم، وسواء كان ذلك عن طريق الحروب أو غيرها -مما بات مُشاهدا اليوم- فإن الحديث يَقرن هذا الوضع بحالة نفسية تستدعي مظهرا ينبئ عن مسلك أهل الكبر والخيلاء، قال الأمير الصنعاني في كتاب التنوير شرح الجامع الصغير (2/220): " وهو كناية عن توسعهم في الدنيا وفتح البلاد، سُلط شرارها على خيارها: لأنَّ النعمة تخرجهم عن حد العبودية، فإنهم لا يمشون تلك المشية إلا وقد تكبروا وعتوا، ويصاب الأخيار بذنوب الأشرار".

قد يكون إدراك هذه الحالة أيام الحروب والغزوات -حين كان للأمة شأن، فرضته دولة مترامية الأطراف، مُهابة الجانب-مفهوما، من أناس يصدرون عن مزاج تُكسبه الحالة المُشار إليها، وهي حالة تشبه اليوم مزاج الأمريكي حين ينتقل في العالم كله، يغمره إحساس بانتماء لدولة كبيرة غنية، ويُحسب لها ألف حساب، وأما اليوم فإن الأمة أشلاء وأوزاع، وغشيت الكثيرين منهم ثروات بدون علم أو عمل، ويخدمهم رجال ونساء من كل بقاع الأرض، وأكثر ما ينطبق عليهم حالة "العائل المستكبر" في آخرين، الذين "لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم" كما جاء في حديث الإمام مسلم (1/102) ولئن فُهمت حالة الغني، يدفعه غناه إلى أن يتمطى في مشيته بين الناس، سواء كان راجلا أو راكبا سيارة فخمة، فإن حالة الفقير الذي يزهو بمشية، أو بسيارة رخيصة يتبختر بها خرقا لقوانين المرور أوغلُ في الغرابة وأجلب للعقاب، قال الإمام النووي في شرح مسلم: "...وكذلك العائل الفقير: قد عدِم المال، وإنما سبب الفخر والخيلاء والتكبر والارتفاع على القرناء الثروة في الدنيا، لكونه ظاهرا فيها، وحاجات أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابها فلماذا يستكبر ويحتقر غيره.."

عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد (2/ 61)

حديث "إذا مشت أمتي المطيطاء".

قال الزمخشري: هي من المصغرات التي لم يستعمل لها مكبر.



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4772