حرية الصحافة لا تعني التجاوزات الأخلاقية !
التاريخ: 4-8-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


من الحوارات القوية التي أجريتها من عشر سنوات أو يزيد مع أحد أعمدة الصحافة والإعلام في العالم العربي التونسي "محمد كريشان" الذي ما يزال مذيعا ومقدما للبرامج بقناة الجزيرة، وكان حواري مع " محمد كريشان" جزء من نظرة الآخرين للصحافة وللنمطية الصحفية في الجزائر التي اعتبرها "كريشان" مكسبا عربيا لا يوجد في كل الدول العربية التي تمتهن سلطها تمرير المقص على كل ما يكتب بشكل حر قبل تمرير الكلمة الحرة في حد ذاتها.

بقلم: عبد الباقي صلاي 



ما قاله  الإعلامي كريشان على أن صحافتنا الجزائرية هي صحافة جريئة، وأنها – أي هذه الصحافة- تمثل هاجس المواطن  العربي الحقيقي الذي يطمح أن يرى صوته معبر عنه من خلال هذه المنابر الصحفية،كان لا بد له أن يستمر ويدوم ويتطور نحو الأفضل، كما كان لا بد أن يطبع بطابع الاحترافية التي لا تعني الكفاءة المهنية، ولا تعني التحكم الذكي في تقنيات المهنة، ولكن تعني التحيز الكامل لها، وامتهانها كحرفة وكمصدر رزق لا يمكن الاستغناء عنه في كل الحالات الممكنة، لأن من يرى الصحافة مصدر رزقه يتقنها ويحرص على بقائها ويتفنن في تغذيتها بسبل العيش حتى تبقى وتعيش مدة أطول.

مع أسف شديد صحافتنا ومن خلال  تشريح وضعها العام تنحدر بشكل غير مسبوق نحو منحدر سحيق،ليس فقط على مستوى حرية التعبير التي لها مفاهيم كثيرة ولا تعني ذلك المفهوم الضيق الذي يلوكه البعض،ويتنطع به الكثيرون،فلا تعني حرية التعبير  أن تكتب عن أي شيء أنت لا تؤمن به،كما لا تعني حرية التعبير أن  تحاول أن تكتب عن  كل ما يخطر في بالك دون معرفة السياق والمقام والمآلات.فضلا عن أن الكتابة دون  التقيد بالأخلاق التي لا أحد يستطيع من الصحافيين أن يقفز عليها ويجعلها ثانوية في كل ما يكتبه،هو الدخول في فئة الفوضيين الذين يرون أن الصحافة سلاح يستعمل من أجل الابتزاز وتدمير الأخلاق وإشاعة الفوضى .

إن تحديد المفاهيم الحقيقية لجل  المصطلحات المتداولة في عالم الصحافة هو الذي يجب أن ينطلق منه أي صحفي يحاول أن ينتمي لعالم المحترفين لهذه المهنة.لأن تحديد المصطلحات والمفاهيم يضمن التناسق والانسجام مع ما يكتب على صفحات الجرائد بعيدا عن كل تأويل ممل، وبعيدا عن كل تشريح غير منطقي لحالات قد تمس حتى بالأمن العام.نحن نفهم حرية التعبير على أنها تصوير الواقع كما هو دون زيادة أو نقصان لكن ضمن أطر أخلاقية لا محيد عنها،كما نفهم حرية التعبير في سياق ما يكون  داخل جدران الصحفية أو الوسيلة الإعلامية أولا قبل النظر فيما تقوله السلطة الرقابية،وقبل ما تلاحظه الجموع التي هي مقصودة بما ينشر وبما يطرح.

منذ أكثر من خمس سنوات فقط وأنا أكتب في جرائد عريقة بالخليج العربي،وكنت التقي بالمسئولين عن هذه الجرائد التي لم تبخل علي بحرية التعبير ولا بأي شيئ من العمل الصحفي،فما لاحظته عن هذه الجرائد العريقة أنها تنتقي ما تنشره من أخبار حول المجتمع الخليجي،وتنتقي حتى المشاكل التي تصيب المجتمع لتنشر ما يليق بالخبر ولا يخدش حياء الناس،ولا يمس كرامتهم حتى لو كانوا غير معنيين بذلك.لقد لاحظت حرية التعبير بمفهوم آخر وهو المفهوم الذي ينطلق من مسلمة واحدة ووحيدة أن المجتمع ليس مخولا بأن يقرأ كل ما يحدث من مشاكل،وليس مخولا بأن يعرف كل ما يجري على الساحة الوطنية،فالدولة كفيلة بأن تجد لأغلب المشاكل التي تمس المجتمع حلولا بعيدا عن كل تأويل، وبعيدا عن غوغاء وفوضى مجتمعية قميئة تنشرها الصحافة.

حرية الصحافة التي يتباكي عليها الصحفيون في الجزائر لا يمكن أن نقول إنها غير موجودة وأن هناك حجرا على حرية التعبير من قبل الجهات الوصية،بالعكس هناك من الصحفيين من زاد في جرعة الحرية حتى وصل به المقام إلى أن يتطاول بما يكتبه على الكثيرين باسم حرية التعبير،لكن في المقابل يجب أن تعي وتدرك وتفقه السلطة أن حرية التعبير ليس فقط في الحصول على الأخبار ولكن في الحصول على ما يمكّن أيضا أي صحيفة كي تعيش بكرامة،فيجث ألا تمنع عنها الإشهار العمومي الذي هو عمومي يخص العام والخاص دون تمييز أو تفرقة.

ما يحكم الصحافة ويجعلها تنتشر في وسط المجتمع وتجد مكانتها لدى المواطن الضعيف هو الثقة والمصداقية، وأكثر من هذا الأخلاق التي يجب أن يتميز بها الصحفي عن غيره.لأن الصحفي الصادق يتعرض لمضايقات من الجميع ويتعرض لكل سبل التحرش المهني،وما يجعله يقوى ويجابه كل ما يقابله من عراقيل مهنية هي الأخلاق والشجاعة.كما أن ما يحكم الصحافة ويجعلها قوية يحتكم لها المواطن والمسئول هو قدرتها على الحياد والتمايز المهني.لأن الصحافة في تاريخ الأمم تعتبر المرجعية للمواطن يهرب إليها عند الأزمات والحاجة.كما تعتبر الصوت الأقرب لكل مواطن سواء كان قويا أو كان ضعيفا فتنصفه في حياته قبل أن تنصفه العدالة إن كان مظلوما.لأن الصحافة القوية تراقب قبل أن تربك وكذب من قال إن الصحافة تنجح دون أخلاق.

إعلامي ومخرج

 

 

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4773