أحداث الثامن ماي 1945: كيف استحالت من محنة إلى منحة...؟
التاريخ: 4-8-1437 هـ
الموضوع: محطات


إن أحداث الثامن ماي 1945، التي جرت وقائعها في كل من قالمة وسطيف وخراطة، هي مأساة درامية بكل المقاييس، ويكفي لتأكيد طابعها المأساوي أن الأخبار تتحدث عن أن ضحاياها بلغوا خمسا وأربعين ألف ضحية، والمؤكد أن العدد أكبر من ذلك بكثير لأن هذا الرقم لا يأخذ بعين الاعتبار إلا الضحايا الذين سقطوا برصاص الجيش الفرنسي الرسمي، دون احتساب الضحايا الذين قتلهم المستوطنون الفرنسيون المدنيون، وهذا معناه أن الرقم قد يتضاعف مرات عديدة، وذلك استنتاج منطقي، يفسره أن فرنسا اتخذت من تلك الاحتجاجات التي نشبت في ذلك التاريخ والتي كانت تطالبها بالوفاء بما قطعته للجزائريين من عهود على نفسها أنها ستمنحهم حريتهم واستقلالهم إذا ما وقفوا إلى جانبها في حربها ضد ألمانيا، ذريعة لتصفية القوة الضاربة من الجزائريين الذين حاربوا في صفوفها والشبان الذين يمكن أن يتخذ منهم المحاربون الجزائريون القدامى جنودا ويؤلفون منهم جيشا يرفع السلاح في وجه فرنسا، بل إن طابع المظاهرات الاحتجاجية كشف لفرنسا وساستها وقادتها أن الشعب الجزائري قد تحرر إلى حد ما من خوفه من فرنسا، وأن احتلال ألمانيا لها في بداية الحرب العالمية الثانية، قد كشف لهم أن هزيمتها باتت ممكنة، مما دعاها إلى المبالغة في العنف والتقتيل لتعيد الشعب إلى حالة الخوف التي كانت تشل تفكيره وتخدر إرادته، ويثبت أن ما وسم التصدي الفرنسي  للمظاهرات الاحتجاجية آنذاك من مبالغة في استعمال العنف وسفك الدماء، أنه لم يستثنى من القتل لا النساء والأطفال  والشيوخ بل حتى الحيوانات تمت إبادتها، وهدمت الدور وأحرقت المزارع، وهذا ما يؤكد أن الهدف من ذلك هو بث الفزع والرعب في النفوس، حتى لا ترتفع بعدها الرؤوس.



إن تلك الأحداث عرت فرنسا أمام العالم أجمع، وكشفت زيف ما كانت تدعيه من حضارة وسمو، وأظهرتها للعالم في صورة وحش بشع الصورة، متعطش للدماء، لا يتورع عن الفتك بالطفل الصغير، أو الشيخ الكبير، فكان الفرنسيون العسكريون منهم والمدنيون كما وصفهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في أرجوزته التي خلد فيها أحداث ذلك اليوم إذ يقول:

ذكراك يا يوم       تحز في الأحشا

إذا أقبل القوم   وحشٌ تلا وحشا

إن الفظائع التي ارتكبت في أحداث ذلك اليوم المشؤوم، تعي العقول بحصرها، ويعجز اللسان عن وصفها، لأن الفرنسيين فيها عصفوا بكل القواعد والقيود، وتجاوزوا فيه كل الحدود، مما جعل الشيخ البشير الإبراهيمي عليه رحمة الله يقول فيها:

" يا يوم ...لله دماء بريئة أريقت فيك، لله أموال محترمة استبيحت فيك، ولله يتامى فقدوا العائل الكافي فيك، ولله أيامى فقدن بعولتهن فيك..."

نعم إن أحداث ذلك اليوم كانت للجزائريين والجزائريات محنة وأي محنة، اكتوى بلهيب نارها الكبير والصغير، والغني والفقير، والشريف والحقير، تيتم فيه الأطفال، وتأيّمت النساء، وترمل الرجال، وانتهبت الأموال، وتشرد الناس في البلاد، بعد خراب الديار، بفعل المجرمين الأشرار.

لكن على الرغم من ذلك فإن هذه المحنة استحالت إلى منحة من حيث أنها أسقطت الحل السياسي الذي كان سياسيو ذلك العهد من الجزائريين يؤمنون به ويعلقون عليه آمالهم، ويركزون عليه جهدهم وأعمالهم، وبينت لهم ما أسفرت عليه الأحداث من فظائع، أن فرنسا ليست مستعدة للتخلي عن الجزائر بأي حال من الأحوال، مما جعلهم يعقدون عزمهم ويحزمون أمرهم على مقارعتها بالسلاح، وبذلك شكلت تلك الأحداث التي جرت في ذلك اليوم منعرجا حاسما في العمل السياسي الوطني والتاريخ الجزائري الحديث، واتجهت الجهود إلى العمل السري، وجمع السلاح، والتدريب العسكري، وإعداد العدة للكفاح المسلح، ولولا تلك الأحداث لما قامت ثورة التحرير المباركة في نوفمبر 1954، وهذا ما يؤكد أن تلك الأحداث الأليمة قد استحالت من محنة مؤلمة إلى منحة منعمة وصدق الله الذي قال:" ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".



08



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4775