استقالة"أوغلو" ودرس أدب الاختلاف.!
التاريخ: 4-8-1437 هـ
الموضوع: بالمختصر المفيد


الاختلاف بين الناس في كثير من القضايا المتعلقة بالشأن السياسي أو الاقتصادي أو الديني أو التنظيمي وغيرها أمر طبيعي لأن اتفاق البشر في كل شيء غير وارد، وغير قابل للتحقيق، فالعقول تتنوع في طُرق التفكير، والطباع تتعدد من شخص إلى شخص، والملكات تتفاوت من إنسان إلى إنسان، ولهذا قال الله تعالى:{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين}.



 

ولكن الذي يضبط هذا الاختلاف حتى لا يكون خلافا هداما يُفرق الجمع، ويشتت الموحَّد، ويقسم الكل، هو تعامل الناس بالأدب وعدم نسيان الفضل، فالأدب بين المتخالفين يحول دون اتساع رقعة الشقاق وتطوره، وتذكّر الفضل بين المختلفين يهوّن مسائل الاختلاف ويصغرها مهما تكن كبيرة حتى لا تصبح خلافا ينزع عن المختلفين لباس الأدب والاحترام المتبادل...

يتابع كثير من "الإسلاميين" وغيرهم التجربة التركية بإعجاب لما حققته من تطور كبير في شتى الميادين، وأهمها الميدان الاقتصادي، بقيادة السيد الطيب رجب أردوغان الذي قاد حزبه "حزب العدالة والتنمية" بكل حكمة ودراية، واستطاع بحنكته السياسية أن يصل إلى قمة السلطة رغم التحديات الكبرى ليجسد مشروعه النهضوي على أرض الواقع، ويوصل بلاده التي كانت تعاني من أزمة اقتصادية خانقة إلى بر الأمان، بل وتصبح من البلدان المؤثرة في المنطقة وفي العالم كله...

لقد علمنا قادة تركيا في هذا الأسبوع بعد استقالة رئيس الوزراء التركي السيد داود أوغلو كيف يكون أدب المختلفين، فالرجل قدم استقالته بعد اختلاف  مع زميله الرئيس أردوغان على مجموعة من القضايا المتعلقة بالشأن السياسي والتنظيمي، وآثر الانسحاب الإيجابي عن الساحة السياسية، وليس عن حزبه الذي بقي وفيا له ولقيادته، ومسألة استقالة "أوغلو" كأي رجل دولة توضع في دائرة الأمر العادي بعيدا عن الإثارة التي تبحث عنها بعض وسائل الإعلام، خاصة المحسوبة على الأطراف التي تعادي النظام التركي الحالي، وتحاول استغلال أي حدث لتشويه صورة التجربة التركية التي يقودها حزب العدالة والتنمية"الإسلامي"..!   

لقد أغلق السيد داود أوغلو طريق الشر أمام الصائدين في المياه العكرة حين سُئل عن الخلاف القائم بينه وبين الرئيس الطيب رجب أردوغان بعد استقالته فقال:" لا تتوقعوا مني كلمة واحدة بحق رئيس الجمهورية، شرفه شرفي، نحن أبناء القضية نفسها، وعائلته عائلتي، ولن أسمح لأحد بفتح باب الفتنة"، ثم أضاق قائلا:" أقول للشبكات التي تريد الفتنة في بلدنا أنني لن أتراجع عن كوني جنديا في حزب العدالة والتنمية والعلاقة مع أردوغان علاقة صداقة جميلة".

هذه الإجابة لم تصدر من السيد داود أوغلو إلا بعد أن تربى على فكرة أن المسؤولية تكليف وليست تشريفا، والمسلم في أي موقع قيادي كبير كان، فهو في كل الأحوال "جندي" يؤدي واجبه كاملا غير منقوص، وهذا هو منطق الصالحين من عباد الله، مثلما فعل خالد بن الوليد رضي الله عنه الذي رد على قرار عزله من قيادة الجيش بكل بساطة فيما معناه:"كنتُ جنديا لله وأنا قائد للجيش، وما زلت جنديا لله بعد عزلي"...

ما أحوجنا اليوم في كثير من المواقع إلى رجال أصحاب مثل هذه النفوس، ويفكرون بهذا المنطق الرباني الراشد.



01



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4776