القرآن كتاب الله
التاريخ: 4-8-1437 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


هذه العبارة جزء من إيمان المؤمن، ومن مقتضيات إيمانه، التي لا يتم الإيمان إلا بها، إذ ما من مؤمن وإلاّ ويعتقد أنّ القرآن كتاب الله وكلامه، الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه، وما من إنسان من غير المؤمنين بهذا الكتاب، إلاّ ويعرف أن القرآن كتاب الإسلام والمسلمين، ولكن في واقع التفاعل مع هذا الكتاب، الناس ليس بهذا المستوى من الوضوح، فعلى مستوى المسلمين لا تشعر علاقتهم به أنها في مستوى ذلك الإيمان، فيقصرون في اعتماده مصدرا للفكر والتشريع والسلوك، ويتجاهلونه كمجال للبحث والتنظر في آيات الله في الأنفس، وكذلك على المستوى الإنساني فغير المسلمين لا ينظرون للمسلم من خلال هذا الكتاب الذي يعترفون به كتابا له يدين الله به، ولا يعودون لهذا الكتاب إلا لاقتطاع ما يحلو لهم مما يصلح في اعتقادهم تهما للمسلمين وطعنا في الكتاب ذاته.






وربما يتساءل القارئ لما الكلام في هذا الموضوع، وهو من المسلمات ومن بديهيات الأمور، سواء من الصديق أو من العدو، وحق له ذلك، ولكن أردت أن أعود إلى هذا الأمر؛ لأن البديهيات في غالب الأحيان، كما أن هذا الأمر قد يخفى على الكثير من الناس، ومن جانب آخر ربما فتح هذا الكلام بابا جديدا للبحث في هذه المعجزة الدائمة التي نتعامل معها وكأنها شيء عادي، كتاب نقرؤه ونحفظه ونؤمن به من غير الوقوف عند خصائصه ومواطن إعجازه التي لا تنتهي.

  1. القرآن هو الوحيد الذي يجمع عليه المسلمون فلا يختلفون حوله، فقد اختلفوا في مسائل عقدية وفقهية كثيرة وفي الممارسة السياسة وفي السلوك؛ بل واختلفوا حتى في قبول بعض نصوص السنة ردها، وخطّأ بعضهم بعضا وكفّر بعضهم بعضا وبدّع بعضهم بعضا، ومع ذلك يؤمنون كلهم بكتاب واحد هو القرآن الكريم، ويؤمنون به كأصل جامع يحمل مضامين بقاء الأمة واستمرارها.

  2. القرآن هو كتاب الله أنزل باللغة العربية، فنحن نقرؤه ونفهمه، ولكنه كلام ليس كمثله كلام، لأنه كلام الله الذي ليس كمثله شيء، ويحمل من المضامين ما لا يمكن كشفه مرة واحدة، ويحمل من الإطلاق ما تحمله ذات الله وصفاته، كيف ذلك؟ ألفاظه العربية التي أنزل بها مفهومه، ولكنها تجاوزت المعاني التي كانت تتداولها العرب، وكما يقول الباحثون، لغة العرب القرآنية فقدت معانيها العربية الأصلية، وارتقت إلى مستوى أعلى وأفضل وهو مراد الله سبحانه، فألفاظ العبادات وحدها كافية للتدليل على وجاهة هذه الفكرة، ذلك أنه صادر عن ذات لا يحيط بها العقل البشري.. وهنا السر والإعجاز، فالكلام مفهوم ويمكن للعقل أن يحيط بمعانيه في قضية ما أو في زمن ما... ولكن هذه الإحاطة ليست كلية وإنما هي إحاطة جزئية ظرفية، قد يأتي زمن آخر يستخرج منه جيل آخر ما لا يعرفه سابقوه.

  3. يحفظ هذا الكتاب الملايين من المسلمين عن ظهر قلب، بحيث كما قال أحدهم لو حدث حادث في العالم وفقد الناس كل مكتوب في العالم، أي يضيع كل ما كتب من كتب في العالم، فإن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي سيبقى لأنه محفوظ في صدور الرجال، وذلك بسبب الاهتمام بالحفظ، وهذا كان ولا يزال في جميع مراحل حياة الأمة الإسلامية.

  4. وقبل ذلك وبعده هو كتاب محفوظ من قبل الله سبحانه وتعالى، (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا إليه لحافظون)، وهذا الحفظ ليس من قبيل الحفظ غير المفهوم، وإنما هو حفظ بوسائل معلومة ومقدور عليها، فالخليفة أبوبكر الصديق رضي الله عنه عندما رأى أن الحفاظ يتناقصون بسبب استشهادهم في الحروب، شرع في تدوينه وأمر بالكتابة وجمع الصحف، وكذلك فعل من جاء بعده من الخلفاء، وربما وضعت جميع علوم الوحي لحفظ هذا الكتاب ومقاصده ومضامينه. ورغم أن هذا الكتاب وهو كلام الله لا يمكن تصور ضياعه؛ لأنه متعلق بذات الله ورسالته إلى البشرية، فلا يزول بزوال الكائنات (كل شيء هالك إلا وجهه).

ولو لم يعرف المسلمون من هذا الكتاب إلا هذه النقاط الأربع، لكفتهم في تجاوز مشكلاتهم واختلافاتهم، فهم مجمعون عليه وعلى أنه منزل من قبل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى ان مضامينه مقصودة شرعا ولا تنقضي عجائبه إلى أن تقوم الساعة؛ بل إن الأمر لا يقف عند هذا الحد، وإنما يتجاوزه إلى تمكينهم من القدرة على نقله إلى البشرية جمعاء، لما يتميز به هذا الكتاب من فضائل ومميزات لا توجد في غيره.

لا شك أن ما يقوم به المسلمون اليوم من اهتمام بحفظ وتحفيظ القرآن للصغار والكبار، وتجويده وتعلم سائر علومه وفنونه ضروري لبقائه وبقاء صفائه كما قرأه الرسول صلى الله عليه وسلم، هام وضروري وجيد، ولكن حبذا لو أنهم زادوا قليلا من الاهتمام بمضمونه واستنطاق قوانينه وسننه الثابتة، لا سيما وهم يجمعون كما قلت من قبل على صحته.. فليت الأمة تجمع على كلياته كما أجمعت على صحته والإيمان به.




32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4778