المدرسة المالكية الفقهية وعنايتها بالسنة
التاريخ: 4-8-1437 هـ
الموضوع: كلمة حق


عقد ملتقى دولي وهو الثاني عشر في مدينة عين الدفلى هذه الأيام، وموضوعة "الاتجاه الحديثي في المذهب المالكي"حضره معالي وزير الشؤون الدينية والأوقاف والسيد والي الولاية، وجمع غفير من الأساتذة والشيوخ، أكد المحاضرون أن الإمام مالكا جمع في كتابه الموطأ بين الحديث والفقه، وأن أصحابه من بعده اتجهوا هذا الاتجاه إلا أن أصحاب المختصرات والمؤلفات المدرسية من الفقهاء تسهيلا للدارسين كانت مؤلفاتهم مجردة من الأدلة، كالمختصر للشيخ خليل وغيره.



لذلك شعر الدارسون للمذهب اليوم بضرورة وضع الأدلة مصاحبة للأحكام الفقهية حتى تدفع هذه التهم التي يتهم بها الفقه المالكي من أنه لا يستند إلى أحاديث الأحكام في مصنفاته المعتمدة،

وهو أمر مستحسن إن لم نقل إنه ضروري محتم.

وإذا كانت الجزائر ممثلة في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف تقيم هذا الملتقى كل سنة، فإنه لا يقصد منه رفع شأن الإمام مالك ومذهبه، ولا تفضيله على باقي المذاهب الفقهية الإسلامية، فإن الإمام مالكا رفيعة مكانته، عظيمة أخلاقه، سديدة مناهجه، في العناية بالسنة ودراستها، ونقد نصوصها، فلا يقبل إلا ما صح عنده، ومحصه تمحيصا واضحا، وأكد المؤرخون لسيرته عظمة احترامه لدرس الحديث، وما يتهيأ له من طهارة وتعطر، وهيبة مجلس وتقديره، ومتابعته لما عرف به أهل الحديث من اتباع السنة ومطابقتها، فكان حريصا على عمل أهل المدينة الذين عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام من الصحابة ثم التابعين، فإن المدينة الفاضلة، موطن النبوة والسنة، ومقام صاحبها وأصحابه.

وإذا كان أهل المغرب اختاروا لأنفسهم هذا المذهب وداوموا عليه قرونا، حتى أصبح عنصرا قوميا لهم، فإنه يجدر بنا دراسته، ونشر مؤلفاته، والحفاظ عليه لحفظ وحدة البلاد مذهبيا وسلوكا، وليس معنى ذلك استنقاصا للمذاهب الأخرى –حاشا- ولا منازعة لها، فإنها كلها اجتهادات عظيمة، وفهوم لنصوص القرآن، ونصوص السنة، فإن تعدد الفهوم وتنوعها ثروة فقهية عظيمة، بعيدة عن التنازع والتعصب، والانغلاق، وما كان لنا أن نتنازع في الاجتهادات، وكما قال الشيخ الجليل عبد الحميد بن باديس إننا ننظر من أفق الإسلام الواسع، لا من أفق ضيق لمذهب من المذاهب، وهذه النظرة هي التي تدفع التعصب والانغلاق، والزعم أن هذا المذهب أو ذاك حق، وغيره  من المذاهب على ضلال أو بدعة.

وينبغي الابتعاد عن هذه النزعة، التي تضر المسلمين، وتشتت أمرهم، وتشوش حياتهم الدينية.

إذ نرى ونسمع أن أفرادا يقلدون مذهبا آخر، غير المذهب المالكي فلهم ذلك، ولا منازعة فيه، وإنما الذي يؤدي إلى النزاع هو محاولة فرضه على الناس، والدعوة إليه على أنه هو المذهب السني، وغيره بدعة ومخالفة للسنة، وهم في مقام التقليد فكيف يزعمون لأنفسهم هذا المقام، مقام الاجتهاد في نهج منهج جديد، والجرأة على ذلك دون علم يسمح لهم بهذا المقام الرفيع، وهو تجاوز المذاهب كلها إلى مذهب على أنه وحده الحق، فكيف وصلوا إلى هذا المقام، وليس لهم إلا مقام التقليد، وهو الإتباع دون دليل قاطع.

هذا أمر خطير على الوحدة، وربما أدى إلى النزاع والعداوة: "{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}[الأنعام:159]" هذا تحذير شديد من التفرقة في الدين إلى درجة النزاع والخصام والعداوة، ومن المعلوم أن المقلد هو التابع، ولا شأن له بوضع مذهب جديد، ولا بفرضه على الناس، فهو موقف لا شأن له بالاجتهاد ولا بتفضيل مذهب على آخر بدون علم راسخ، وإحاطة بالأدلة القرآنية والحديثية، إذا قرأ المقلد كتابا أو قلد شيخا من الشيوخ، يبدو له أنه بلغ غاية من العلم، وأصبح مرجا لمذهب على آخر، وهذا قصور، وجرأة على القول في الدين بدون علم راسخ، ولا دراية مؤهلة لذلك كله.

ونبهت في تعليق إلى خطورة هذا المنزع، ومن ذلك أن يدخل الطالب جامعة للعلوم الإسلامية وليس له قاعدة في العلوم الإسلامية في التعليم الثانوي، فهذا قصور فادح، يؤدي إلى تخريج أئمة يفتون للناس ولا زاد لهم من المعرفة الكاملة المؤهلة، لذلك ندعو إلى إعادة النظر في المنظومة التربوية، ووضع بكالوريا متخصصة في العلوم والعلوم الشرعية كما كان الحال من قبل إلغائها بغير حق، كما دعوت إلى تقنين الفقه المالكي لتيسيره على القضاة والمحامين، إذا وضع في مواد واضحة مرقمة، لا أن تبقى المسائل مشتتة في غير مظانها ولا غير مرتبة.                  

 



11



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4780