أكذوبة تزاوج المال العربي والعقل اليهودي!
التاريخ: 11-8-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


   في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، قال أنور السادات، رئيس مصر آنذاك، في سياق تبريره توقيع اتفاقية كامب ديفيد والتخلي عن القضية الفلسطينية، إن "تزاوج المال العربي والعقل اليهودي العبقري بإمكانه أن يحقق للطرفين تنمية وتقدّما كبيرين يبهران العالم"، وحاول السادات آنذاك بهذه المقولة جرّ الدول العربية الثريّة إلى تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني بدورها، مغرياً إيّاها بالاستفادة من العقول اليهودية في تحقيق التنمية والتطوّر، لكن لا أحد استجاب له، وقاطعت الدولُ العربية مصر سنوات طويلة وطردتها من الجامعة العربية.

بقلم: حسين لقرع



 

 

   لكن اليوم، وبعد مرور أكثر من 37 سنة من تلك المقولة السطحية التبسيطية للأمور، يبدو أن هناك من بدأ "يؤمن" بها وبإمكانية تحقيقها، فقد استهوت الأميرَ تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودية الأسبق، فردّدها منذ أيّام قليلة في "مناظرة" له مع الجنرال يعقوب عميدور، مستشار الأمن القومي الصهيوني السابق، وهو يحدّثه عن ضرورة إقامة "سلام" بين الكيان الصهيوني والعرب وفق "مبادرة السلام العربية"، وما يمكن أن يجلبه هذا "السلام" من منافع للبلدين بعد أن يتزاوج المال العربي مع العقل اليهودي (وليس تزاوج العقل العربي والمال اليهودي كما نُقل عنه خطأ).

   مبادرة السَّلام التي يتحدّث عنها تركي الفيصل، قدّمتها السعودية في 2002 وصادق عليها القادة العرب في قمّة بيروت في عام 2004، وتنص على اعتراف الدول العربية جميعاً بـ"إسرائيل" وتطبيع العلاقات معها في حال توصّلها إلى اتفاق مع الفلسطينيين يُنهي الصراع العربي الصهيوني، ويمكّنهم من حقوقهم وفي مقدّمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أراضي 4 جوان 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وحلّ قضية اللاجئين... لكن 12 سنة كاملة مرّت على المصادقة العربية على هذه المبادرة، والكيان الصهيوني لا يزال يصرّ على مقابلتها بالتجاهل والرفض والاحتقار والتعالي، ويطالب الفلسطينيين، خلال المفاوضات الماراطونية العبثية التي يجريها معهم، بالمزيد من التنازلات المجّانية، والعربَ بمواصلة الضغط عليهم لدفعهم إلى تقديمها، فلماذا يصرّ العربُ على التمسّك بها بعد هذه المدّة الطويلة من الإنكار والصّلف الصهيوني؟!  

   ثم هل يعتقد الفيصل أنه بإمكانه شراء العقول اليهودية وخبرتها العلمية والمعرفية بالمال، وأن الكيان الصهيوني سيساعد العرب على النهضة العلمية والتيكنولوجية مقابل المال والتطبيع؟

   ما يحتاج إليه الكيانُ الصهيوني من دعم مالي، يحصل عليه من أمريكا التي تُحوّل إليه جزءاً، ولو يسيراً، من الودائع المالية للعرب ببنوكها، وهذه الودائع بالمناسبة بآلاف المليارات من الدولارات؛ أي أن العرب هم الذين يموّلون بشكل غير مباشر هذا الكيان الذي يقتل الفلسطينيين بسلاح يقتنيه بأموال العرب، فلماذا يسلّمهم خبرته العلمية والتكنولوجية العالية مقابل المال وهو يحصل على ما يريده من مالهم عن طريق أمريكا؟! أليست مقولة "تزاوج المال العربي والعقل الصهيوني" تسطيحاً شديداً للأمور؟ ولماذا لا يستثمر العربُ جزءاً من هذه الأموال التي يريدون منحَها لليهود على طبق من ذهب، على عقولهم التي تهاجر مرغَمة إلى الغرب لتفيده بمعارفها العالية واختراعاتها عوض أن تفيد بها بلدانها التي تعاملها بتهميشٍ وإقصاء مريرين؟ أليس ذلك هو الأسلم والأدعى إلى الخروج من التخلف؟ أليست الشعوب العربية هي الأولى بهذه الأموال؟ أليس 2 مليون فلسطيني محاصَر في غزة منذ 9 سنوات كاملة أولى بجزء من هذه الأموال لفكّ معاناتهم المعيشية الخانقة وإعادة إعمار القطاع المدمَّر؟

   كل ما نخشاه هو أن يستدرج الكيانُ الصهيوني السعودية وغيرها من أثرياء العرب إلى تمويل برنامج تسلّحٍ ضخم يسوّقه الكيان على أنه ضروري لرفع الاستعدادات العسكرية لمواجهة إيران التي يقدّمها الطرف الصهيوني على أنها "العدوّ المشترَك" للطرفين ويجب قيام "تحالفٍ إستراتيجي" بينه وبين عددٍ من الدول العربية السُّنية للتصدِّي له، والعرب لا يزالون يأملون بأن يقوم الصهاينة بضرب إيران بعد أن عزفت أمريكا عن هذا المخطط نهائياً منذ أشهر، وقد يستغلّ الصهاينة ذلك ويبتزُّون المليارات منهم ما داموا مستعدِّين للدفع، ودون أن يُقدِموا بالمقابل على ضرب إيران في النهاية خشية ردّها عليهم بمئات الآلاف من الصواريخ التي ستُحدِث دمارا كبيرا في مختلف المدن الصهيونية.

   ليس هناك أيّ أمل في أن يتحقق الصلحُ والسلام مع الصهاينة ما داموا يحتلون فلسطين ويصرّون على تهويدها وإنكار حقوق الفلسطينيين وقمعهم والتنكيل بهم ومحاصرتهم، وكلّ حديثٍ عن "تزاوج المال العربي والعقل اليهودي" هو من قبيل التحضير لتطبيع شامل ومجاني، لأن الأمير تركي الفيصل يعلم جيّدا أن الكيان الصهيوني لن يقبل بـ"سلام" وفق "مبادرة السلام العربية" وهو الذي تجتمع حكومتُه في الجولان المحتلّ، ويستمرّ في احتلال مزارع شبعا اللبنانية، وفي الاستيطان وابتلاع المزيد من أراضي الضفة الغربية، ويواصل اقتحام المسجد الأقصى ومحاولات تهويده، ويعدم جنودُه الفلسطينيين بدم بارد، بل إن هذا الكيان الاستيطاني التوسّعي يريد هذا "السلام" بكيفيةٍ أخرى مرادفة لاستسلام الفلسطينيين ووضع "دولتهم المستقلة منزوعة السلاح" تحت رحمته الكاملة، وحمل العرب على قبول هذا الوضع غير الطبيعي والتعايش معه، هذا إذا قبل أصلاً بقيام هذه "الدولة" منزوعة السلاح، ولم يضمّ 60 بالمائة من الضفة الغربية إليه كما بات يهدّد.

   ترى: هل يقع العربُ في خديعةٍ أخرى وهم يسيرون إليها بأعين مغمضة تحت وهم "تزاوج المال العربي والعقل اليهودي"؟!

 

 

 

   







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4783