متى نتخلى عن عقدة الصغار؟!
التاريخ: 11-8-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


أخبرني أحد الأصدقاء الذين لهم سنوات طويلة في أمريكا عندما مررنا ببرج كبير بمانهاتن بنيويورك أن هذا البرج الكبير الشامخ أغلب تجهيزاته هي من الجزائر، فتساءلت كيف ذلك؟ فرد علي موجها نظره للبرج قائلا: إن هذا البرج بني قبل استقلال الجزائر، وقد جهز بكل شيء من الجزائر خاصة مادة الرخام التي تعتبر جزائرية مائة بالمائة.
بقلم: عبد الباقي صلاي









 لم أتعجب صراحة ولم استغرب الأمر لأني وقفت على ما يقوله صديقي بنفسي عندما تعرفت على رجل أعمال كبير أصله من سلطنة عمان وله أكبر شركة رخام بدبي، ولم نتحدث كثيرا عن الأعمال سوى أني مازحت هذا الرجل – الذي لا أريد أن أذكر اسمه- بأني أنوي لو أراد طبعا أكون ممثله في الجزائر لشركته، فما كان من الرجل إلا أن ضحك واعتبرني أمزح، وقال: كيف تمثل شركتي وأنا شركتي استورد رخامها من الجزائر وتحديدا من دالي إبراهيم.
هكذا رخامنا يذهب للآخرين ونحن لا نعلم، وهكذا الجزائر تكون حاضرة في بلاد الناس ونحن نغيب عما يجعلها تقوى وتتطور. لم أتحدث عن الأمر إلا وأنا أرى الأغلبية من الجزائريين لا يشعرون بالجزائر بأنها عظيمة، وشامخة ولها قيمة كبيرة في العالم بما تجود به عليهم.
لقد كنت أمر يوميا بـ»مانهاتن» على البرج الذي رخامه من الجزائر وأحدق فيه، وأقول في نفسي: آه كم أنت عظيمة يا جزائر، وكم نحن صغار لنا عقدة الصغار أمام أنفسنا وأما غيرنا، حتى في نيويورك ساهمت في رفع أسمائنا ونحن لم نرفع أسمك يوما بما نقوم به من منكرات وظلم حيالك.
إننا ظلمنا الجزائر بما اقترفتاه في حق أنفسنا، وبما اعتبرناه تمجيدا لها بأن تركنا العمل الذي يجعلنا قوما له قيمة مضافة في العالم، فرغم أننا واجهنا الظلم الاستعماري كما واجهه غيرنا إلا أننا ما نزال نتعثر ونتقهقر كل ساعة. لم نسأل أنفسنا حقيقة كيف نزيل عقدة الاستعمار، ونبرهن له أننا نستطيع أن نبني دولتنا كما تحدى اليابان الخسارة الكبيرة بعد الحرب العالمية الثانية، وبنى دولته بامتياز وتبوأ المجد الكبير. 
 يقول الدكتور حسين حمادي في كتابه الجميل «أسرار الإدارة اليابانية» عن اليابان الذي قاربت أزمته التاريخية مع أزمتنا، حيث يطرح السؤال المهم: «ما الذي فعله إنسان اليابان لتخطي خسارة الحرب؟ وكيف وضع نفسه على الطريق لكي يجعل من اليابان واحدة من أكبر ثلاث قوى اقتصادية في عالمنا المعاصر؟» فيسارع إلى القول:» إن هذا الإنسان لم يغب عن باله أن أكثر من مائة مليون من الناس يجب أن يعيشوا في رقعة من الأرض لا تتجاوز مساحتها 380 ألف كيلو متر مربع تغطي الجبال البركانية نحو 85% منها، هذا مع غياب شبه كامل لأي نوع من الثروات والموارد الطبيعية. وقبل ذلك، ومنذ تولي الإمبراطور «ميجي» مقاليد الحكم بمساعدة رجال الساموراي عام 1867م، كان التصور أن حل المشكلة القومية لليابان هو التحديث، بأن تصبح اليابان دولة عصرية قوية تدخل في المجال الصناعي بكل قوة، ولابد لها من فتح الأسواق الخارجية بالقوة، والحل يكمن في التوسع الأفقي على حساب الجيران، حيث القوة العسكرية هي المفتاح لتحقيق هذا التوسع. وهكذا انتصر الجيش الياباني في حربه مع الصين عام 1895م، ثم انتصر على روسيا عام 1905م، ثم على كوريا عام 1910م، ثم دخلت اليابان الحرب العالمية الأولى، ثم الثانية لتستولي على الهند الصينية والفلبين والملايو وسنغافورة وبورما وتايلاند. ولكن هذا كله لم يوصل إلا إلى الاستسلام غير المشروط عام 1945م، والذي كان البديل الطبيعي له الانتحار القومي لليابان بأسرها. من هنا انتهى إنسان اليابان، وفي آن معا جاء دور النظام التعليمي في اليابان لكي يأخذ القرار القومي ويصبه بكل قوة في عقل إنسان اليابان الجديد، ومن ثم انتهى إنسان اليابان بعد الحرب العالمية الثانية إلى أن القرار القومي يكون بالتوسع الرأسي من خلال إنسان اليابان وعقله، وليس بالتوسع الأفقي باستخدام السلاح الياباني».
بكل تأكيد الجانب المتعلق بالإنسان هو الذي أوصل اليابان اليوم إلى هذا التقدم الرهيب، وقد سبق للسفير الأمريكي «إدوين أشاور» أن ألف كتابًا تحت عنوان «اليابانيون»، طرح فيه سؤالًا جوهريًا، ما سر اليابان؟ وما سر نهوضها؟ وأجاب: بأن سر نهوضها شيئان اثنان، هما: إرادة الانتقام من التاريخ، وبناء الإنسان. وليس بناء الإنسان فقط بل تبني خطة عمل صارمة تؤكد على استمرارية العمل وإتقانه بمستوى عال جدا، ويذكر الدكتور حسين حمادي في كتابه «أسرار الإدارة اليابانية»: أن المراقبين يفسرون حالة «إدمان العمل» التي يلاحظونها على إنسان اليابان المعاصر بأنها تعود في جزء كبير منها إلى تأثير التربية التي ركز عليها نظام التعليم منذ الصغر. فقد وفرت هذه الجرعة المؤثرة شحنة مستديمة عند اليابانيين إلى درجة تجعلهم يخشون عدم العمل، فهم يدركون تمام الإدراك أن توقفهم عن العمل يعني أن بلدهم سيتوقف عن الوجود!.
فهل نتعلم من اليابان ونمد بصرنا نحو العمل كما نمد بصرنا نحو أشياء تافهة. ونتذكر أن رخامنا يوجد بأكبر برج في أكبر دولة بالعالم وهي أمريكا.






أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4785