الحداثيون التونسيون وكتاتيب القرآن
التاريخ: 11-8-1437 هـ
الموضوع: تاريخ و حضارة


موقف عجيب وغريب، ذاك الذي قابل به حداثيو تونس قرار وزير الشؤون الدينية محمد خليل، بتنشئة 100  ألف شاب تونسي على حفظ القرآن، وتوقيع اتفاقية في ذلك مع وزير التربية، تنص على فتح المدارس التونسية في عطلة الصيف، فقد وقف هذا التيار الغريب عن الأفق الحضاري للشعب التونسي، بكلّ أقطابه العتيق منها والجديد، ضد هذا القرار العادي، الذي يندرج في دائرة البحث عن الحلول للمشاكل الناتجة عن التحولات المعاصرة، التي أحدثت بعض الخلل في قيم المجتمعات الإنسانية، 

لكن هذا التيار المريض بأيديولوجيا العداء للدين، رأى فيه تهديداً كبيرا لما يسمى بقيم الحداثة التي يرى أن تنشئة جيل تونسي جديد مرتبط بقيم الإسلام سيقضي على ما تبقى من معالمها، وإن كان الاحتجاج والرفض ألبس لبوسا آخر، ارتبط بما يدور اليوم من صراعات سياسية في أقطار كثيرة من عالمنا العربي والإسلامي، فأجمعوا على تسمية هذا القرار بدعشنة المجتمع التونسي، وهو موقف يستند إلى رؤية ضعيفة الحجة، بسيطة الطرح، لا تعبر إلاّ عن روح العداء المعهود من هذه النخب المتغربة، فقد صرحت نائلة السليني تلميذة عبد المجيد الشرفي رأس رؤوس هذه النخبة، وهي أستاذة جامعية -أيضا- معروفة بعدائها للإسلام، والتهجم عليه، فقد عبرت عن ذلك صراحة: "ما فائدة تحفيظ القرآن للطفل؟ هل سنقاوم الفكر الداعشي بذلك؟ للأسف، أنا أقول إن الطفل سيحفظ الآيات التي يوظفها الدواعش"، لكن ما أظهر جهلها بالقرآن وعداءها للإسلام وتعاليمه، عندما راحت تستدل ببعض الآيات القرآنية التي تدعم بها موقفها المتهافت من هذا القرار، فقد قالت وهي تشارك في برنامج تلفزيوني: "هل سيصنفون القرآن إلى آيات عنف وآيات سلم؟ هل سيسعون، وهم يعتقدون أنّهم يقاومون الإرهاب، إلى حذف الآيات الداعية إلى القتل، وعددها يتجاوز المئات؟ وعندما يسأل أبناؤنا، على سبيل المثال، عن معنى «واقتلوهم حيث ثقفتموهم»، أو عن الآية «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ…» عندما يواجَه المجتمع بمثل هذه الاستشهادات من طرف أطفال عقولهم غضّة بماذا سنجيبهم؟ بأنّها آيات منسوخة؟ ونزيد الطين بلّة، ونغرقهم في مشاكل ما أنزل الله بها من سلطان؟".

هذا هو الوجه الحقيقي لتيار التغريب عندما يتعلق الأمر بمسألة الدين، فإنه يتعرى تماما من قيم الحرية الشخصية، واحترام المخالف، والدفاع عن القيم الحضارية للوطن، بل يذهب بعيداً في إظهار العداء، فهذا التيار الذي ينادي بالحرية والديمقراطية والمجتمع المدني، وحقوق الإنسان رأيناه يتحالف مع سلطة الاستبداد والتبعية، ويرى في ذلك انتصاراً للديمقراطية، ضدّ التخلف والرجعية التي يمثلها التيار الإسلامي المعتدل، وبالرغم من أن هذا التيار يدرك أن مشروعه الحداثي المزعوم، لا يمكنه  النّجاح في بلد مثل تونس التي لها رصيد كبير في تراثنا الديني، فالذي يجهل المكانة العلمية للجامعة الزيتونية، رغم ما أصابها من عطب وتخريب في مناهجها، إلاّ أنّ حضور الزيتونة في الوعي التونسي، يدركه كلّ متابع لتاريخ الحركة العلمية والثقافية في العالم الإسلامي، لكن المنطق العلماني يُصرُّ على الجحود، ويبرر سلوكه المشين هذا، بأن العصر وثقافته تجاور الموروث الديني، وأن عملية النهوض الحضاري، يجب أن تصنع قطيعة مع هذا الموروث حتى يتم العبور إلى فضاء الحداثة، لذا يعمل هذا التيار النشاز جاهداً من أجل تجاوز ثقافة المجتمع وتراثه، خدمة لهذه السياسة منذ زرع هذا النَّبت في جسد هذه الأمة مع بداية المشروع الاستعماري الغربي.

إنّ تهمة الدعشنة التي أطلقها هذا التيار على مشروع وزير الشؤون الدنية التونسي، تعبر تماماً على الواقع النفسي والفكري لهذا التيار، فهو –حقيقة- من يمارس هذه الثقافة مع المخالفين له، من التيار الوطني والإسلامي، فهو لا يمارس ثقافة الاختلاف بمنطق الحداثة التي يتزعمها، وإنمَّا يقابل المخالف له بسلوك عنيف وشرس، يظهر حجم الحقد الذي يحمله لثقافة ودين الأمة، والله المستعان.

 

 



29



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4787