إي والله يا "احميدة".. النفاق التاريخي
التاريخ: 11-8-1437 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


ولكن ما تعريف النفاق التاريخي؟ هل هو إخفاء المعلومة؟ أم التصرف في المعلومة؟ أم تأويل المعلومة؟ أم توظيف المعلومة؟

في أي خانة يمكن تصنيف النفاق التاريخي؟

وما أراك يا صديقي إلا واقع في واحد من هذه الاحتمالات.

ولتنوير القارئ الكريم ووضعه في السكة، لا بد من ذكر بداية القصة من أولها.



 

 

كتب الزميل احميدة عياشي في الأيام القليلة الماضية مقالا في جريدة الحياة، علق به على الحلقة الأولى من شريط وثائقي أنجزته قناة الشروق عن جمعية العلماء، وهو مشكور على إحياء هذه السنة المنسية، في عالم النقد الثقافي، الأدبي والفني، حيث أن الإنتاج الفكري والإعلامي والثقافي: كتاب، مقال، قصة، رواية، قصيدة، مسرحية، فيلم، شريط، برنامج...، لا يكون له من الفوز والنجاح والبقاء إلا بقدر التفاعل معه، ونقده وتناوله بالدراسة والتقييم والتحليل، ومن ذلك التفاعل، كما أشكر أيضا قناة الشروق على هذه اللفتة الطيبة المتعلقة بإنتاج شريط عن جمعية العلماء، مهما كان الرأي في المنتوج مع أو ضد.

ولكن الزميل احميدة، لم يتكلم بلغة الناقد الفني والأدبي والتاريخي، وهو يعلم جيدا الفرق بين ما هو المطلوب من الناقد في مثل هذا العمل، وبين ما قام به هو في مقاله، وهو يعلم أيضا أن ما خطه بيده لا علاقة له بالنقد، وإنما يدخل في خانة ما حذر منه وهو "النفاق التاريخي" الذي دعا إلى الخروج منه.

تمنيت لو أن سي احميدة انتظر حتى تنتهي تلك الحلقات، وقدم لنا في النهاية نقدا شاملا للشريط من جميع النواحي الفنية والتاريخية، وهو مؤهل لذلك، فهو الإعلامي الروائي الخبير بواقع الحياة السياسية والثقافية في البلاد، ولكنه أبى ذلك واختار خطا آخرا، لا علاقة له بالنقد الفني ولا التاريخي ولا الإعلامي، وإنما هو خط تتبع العورات وتصيد العثرات إن كانت، وعرض معلومات عن ابن باديس وجمعية العلماء بشكل يوهم بأشياء يريد لها أن تكون، وليست هي الحقيقة، وهنا ذكرني بذلك الخروف الذي رآه ذئب فأراد أن يفترسه، ولكنه لم يجد حجة تسمح له بالانقضاض عليه، فقال له أنت اعتديت علي العام الماضي في هذا المكان؟ فقال له الخروف أنا أبلغ من العمر ستة أشهر، وفي العام الماضي لم أولد بعد، فقال له الذئب إن لم تكن أنت فأبوك!!

المهم "واكلك واكلك".

وكذلك غاية سي احميدة في مقاله هذا مع جمعية العلماء وابن باديس..، وفي مقاله الذي بعده "تاريخ جمعية العلماء بعيون إرهابي"، مصر على على ألا وجود لصورة الجمعية وابن باديس التي هي في أذهان الناس، ولا قيمة لأفعالها التي قامت بها، ولا قداسة لما كانت تدعو إليه؛ لأن "عبد الحميد بن باديس ابن بشاغا مقرب من فرنسا، وإنسان مبتوت الصلة بعائلته" فهو مشبوه وقاطع رحم...، وهو كذلك "سارق مشروع الجمعية من مؤسس النادي، ومتحالف مع الاندماجيين"، ومن ثم فهو مشبوه أيضا بسبب ميولاته السياسية الاندماجية، وكذلك فهو براغماتي داهية مستعد للتضحية بأي كان وقد ضحى بزميله الطيب العقبي، ومن ثم لا غرابة من أن تكون جمعية العلماء من دعاة الاندماج، ولا ضير بعدئذ من أن توصف الجمعية بالمتخلفة عن اللحاق بالثورة !!، والباب مفتوح لكل الاحتمالات القائكة بذهن احميدة ومن على شاكلته.

لا أدري ما سر هذا الغمز واللمز الذي قام به احميد عياشي في هذا المقال؟ أهو مجرد البحث عن الحقيقة؟ أم هو منطق الديالكتيك الذي لا تظهر فيه الحقيقة إلا في جو من الصراع والعراك؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟

وأنا هنا لا ألزم نفسي بالرد على تساؤلات سي عياشي؛ لأنني أعلم جيدا أنه يعلم الإجابة عنها كلها، سواء في علاقة ابن باديس بأسرته، أو في صدق توجهه؛ بل ووجهته الثورية، أو علاقة ابن باديس بالاندماجيين، او علاقة رجال الجمعية بالثورة... كل ذلك يعله وربما يعلم ما لا يعلمه الكثير من أبناء الجمعية أنفسهم، ولكن "صاحب الطبع ما ينطبع" كما يقول المثل الشعبي، فالأستاذ احميدة عياشي إعلامي ويحب أن يكون مقاله مثيرا ليقرأه كثير من الناس، لا سيما عندما يعرض اسم ابن باديس كرجل من أسرة قريبة من الاستعمار، أو هو عاص لوالده وسارق لمشاريع غيره من الناس، وهو أيضا - أي احميدة عياشي- لا تزال في رأسه بقايا من الديالكتيك، يفسر بها الأحداث ولو أدى ذلك إلى خلط الأوراق كلها.. ولا يهمه أعراض الناس وآثر ما يكتب على نفوس الناس، ولا تهم المكاسب الاجتماعية والسياسية ولا الحقائق التاريخية.

ومانع آخر لي من الرد على تفاصيل المقال، أن الكتابة عن جمعية العلماء  بهذه اللغة، وكذلك كثرة الكلام عنها وعن رجالها، يعني أنها حاضرة وبقوة ولها ثقل، إما لأنها تحرج بعض الناس، أو أن بعضهم يتضررون بوجودها وبقائها، أو لأن كثرة أعمالها وتنوعها، يثير النقاش والتساؤل، وفي كل ذلك خير كثير؛ لأن الأموات لا يذكرون إلا بالترحم عليهم.

 

 

 

 



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4788