فرنسا والعزة بالإثم
التاريخ: 11-8-1437 هـ
الموضوع: وراء الأحداث


أحيت الجزائر الذكرى الواحدة والسبعين(8ماي1945 ـ 8ماي2016) للمجازر الوحشية التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية ضد الشعب الجزائري في الثامن ماي1945 ، ومرت ذكرى هذا العام في جو من تفاقم التوتر في العلاقات الجزائرية الفرنسية نتيجة الاستفزازات المتكررة والتصرفات الماكرة للمسؤولين الفرنسيين ضد رموز السيادة الجزائرية، والإصرار على عدم الاعتذار للشعب الجزائري عن جرائم الماضي الاستعماري.



وإذا كان إحياء الذكرى السبعين في العام الماضي قد اتسم بنوع  من  الانفراج في العلاقات بين البلدين ،حيث حل آنذاك قبل أيام فقط من ذكرى مجازر الثامن ماي 45، بمدينة سطيف كاتب الدولة الفرنسي لدى وزير الدفاع المكلف بقدماء المحاربين و الذاكرة جون مارك توديسشيني في زيارة رسمية اعتبرت بمثابة سعي فرنسي نحو اعتراف رسمي بارتكاب هذه المجازر، خصوصا أن الوزير الفرنسي حرص على زيارة  النصب التذكاري لسعلال بوزيد الذي يعتبر أول شهيد سقط في مجاز 8ماي 45، ووضع إكليلا من الزهور وانحنى أمام أرواح شهداء المجزرة.

إلاّ أن ذكرى هذا العام لم تتميز فقط بالتوغل في منطق الانكار ورفض الاعتراف من الجانب الفرنسي ،ولكن ظهرت بجلاء  نغمة التفاخر بالتاريخ الفرنسي، وتشجيع الفرنسيين على تمجيد تاريخهم، فبعد الرئيس السابق زعيم اليمين الفرنسي الذي دعا الفرنسيين في سنة 2007  الفرنسيين إلى أن يفتخروا بتاريخهم ،بعد مصادفة البرلمان الفرنسي في سنة 2005.

وفي حوار لساركوزي خص به صحيفة "نيس ماتان"، 2012خلال حملته الانتخابية للرئاسيات الفرنسية قال بخصوص طلب الجزائر من فرنسا تقديم اعتذار عن جرائمها: "نعم، كانت هناك تجاوزات كبيرة من هذا الطرف أو ذاك، يتعين التنديد بها، لكن لا ينبغي لفرنسا أن تعتذر".

وقد جاء الدور على الرئيس الفرنسي الحالي ،زعيم التيار اليساري الاشتراكي فرانسوا هولاند الذي دعا الفرنسيين بدوره في 8 ماي الفرنسيين 2016 إلى الاقتناع بأن تاريخهم "جميل وعظيم" وقال خلال وضعه لباقة الورود على قبر الجنرال ديغول: " أريد من الفرنسيين أن يكونوا فخورين ببلادهم، وأن يقتنعوا بأن لهم تاريخ جميل وعظيم، ".وبأننا بذلنا جهودا لنكون أكثر احتراما، ولنا كلمة مسموعة في العالم".

وتوالت التصريحات التفاخرية للشخصيات الفرنسية بمناسبة الثامن ماي، حيث اعتبر زعيم المعارضة  والرئيس السابق نيكولا ساركوزي الثامن ماي بأنه " رمز للوحدة الوطنية "

أما رئيس الحكومة ايمانويل فالس فقد أوصى بالحفاظ على هذه الذكرى لأنها مازالت تحتفظ بقيمة راهنة."

ولعلّ هذه النزعة الاستكبارية هي التي جعلت العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي يقول :" إن فرنسا الوحشية لا ترضى بالخزية المفردة حتى تعززها بما هو أخزى، وأما والله لو أن تاريخ فرنسا كتب بأقلام من نور بمداد من عصارة الشمس في لوح منحوت من صفحة القمر، ثم قرظه عشاقها المتيمون منا باللؤلؤ المنثور بدل القرض المشعور، والشعر المنثور، ثم كتب في آخره هذا الفصل المخزي بعنوان "مذابح سطيف وقالمة وخراطة" لطمس هذا الفصل ذلك التاريخ كله، ولجلّله بمثل ما يجلل الأفق من ليلة محاق ظلماؤها معتكرة ونجومها منكدرة، فكيف وفي تاريخها كثير من هذه الفصول السوداء؟".

وعلامة الجزائر محمد البشير الإبراهيمي هو القائل أيضا: " أما الاستعمار فأيامه كلها نحسات، بل دهره كله يوم نحس مستمر، محيت الفواصل بين أيامه ولياليه، فكله سود حوالك...".

وحتى بعض الفرنسيين الشرفاء من ذوي الضمائر الحية، لم يجدوا على عكس ساسة فرنسا الذين أخذتهم العزة بالإثم، ما يستحق أن يدعو إلى الفخر بتاريخ فرنسا في مستعمراتها التي عانت ويلات التجهيل والتفقير والإبادة الجماعية، ففي 2012 حث الفرنسي هنري بويو وهو جندي في جيش الاحتلال الفرنسي السابق للجزائر الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند على "التحلي بالشجاعة" من أجل الاعتراف بجرائم فرنسا. ودعاه إلى تشريف فرنسا بالاعتذار إلى الجزائر عن الجرائم التي ارتكبتها في هذا البلد وخاطب هولاند قائلاً: "سيدي الرئيس، في خطابكم يوم 15 مايو/ايار 2012 أدنتم جول فيري (وهو وزير التربية الفرنسي في القرن الـ19 وكان من اكثر المسؤولين المتحمسين للسياسة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر والعالم) لمسؤوليته في الدفاع عن الاستعمار، وهو شيء إيجابي ولكنه غير كافٍ. فسياسة فرنسا الاستعمارية لم تكن خطأ بعض الرجال ولكنها خطأ دولة، لهذا لابد من إدانتها من أعلى السلطات في بلادنا".

وفي مارس 2016 صدر كتاب تحت عنوان: (أوراق أو مذكرات مجند  1960-1961) عن دار النشر هارماتان حول حرب التحرير لصاحبه مارسيل يانيلي تطرق فيه إلى قانون 2005 الذي يبرز "الدور الإيجابي لفرنسا في مستعمراتها". فقال يانيلي : "عار كبير أن تجرؤ أغلبية من نواب الجمعية الوطنية سنة 2005 المصادقة على قانون يؤكد على (الدور الإيجابي لحضور فرنسا في مستعمراتها)  وهو قانون يفرض الكذب الرسمي عن جرائم و مجازر ذهبت إلى حد الإبادة والاستعباد والعنصرية الموروثة عن هذا الماضي"

ورغم كل هذه الحقائق مازالت فرنسا الرسمية مستمرة في الاستهتار بمشاعر الجزائريين وفي المقابل، مازال الكثير من المسؤولين الجزائريين يحجون إلى فرنسا ويسبحون بحمدها ويعتبرونها قدوة العالم في الرقي والحضارة. !



02



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4789