قراءة النصوص: بين الفصل والتردّد(1)
التاريخ: 18-8-1437 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


قراءة النصوص تقتضي من طالب العلم سياحة عقلية واسعة، يُتوسّل فيها بالتدقيق في الألفاظ المستعملة، والوقوفِ على أسباب النزول أو الورود إن وُجدت، وعلى أقوال الشراح والفقهاء إن أسعفت، وبخاصة فيما يبدو بين النصوص من تضارب أو تعارض، قد لا يرفعه -في آخر المطاف- إلا ترجيحٌ بجلالة مَن أخرج، أو بوثاقةِ مَن روى.



 

قال أبو داود في سننه(1/414): "حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي رزين عن ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير البصر شاسع الدار، ولي قائد لا يلايمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ "قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة". وأخرجه من طريق عاصم بن بهدلة ابن ماجه(1/260) والحاكم(1/375)

وقال أبو داود أيضا(1/415): "حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقا حدثنا أبي حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ فحي هلا" قال أبو داود: وكذا رواه القاسم الجرمي عن سفيان.

وأخرج البخاري (1/134) من طريق مالك عن ابن شهاب عن محمود بن الربيع الأنصاري أن عِتبان بن مالك "كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين تحب أن أصلي؟ فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وأخرج حديث عتبان مسلم أيضا(1/455) بسياقة أطول، ذُكرت فيها قصة أخرى، وورد في بدايته قول محمود بن الربيع: ".. أن عِتبان بن مالك- وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار-أنه أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، وإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، ولم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي لهم، وددت أنك يا رسول الله تأتي فتصلي في مصلى، فأتخذه مصلى، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأفعل إن شاء الله..."

القراءة الأولية لكل من نص أبي داود والبخاري تعطي انطباعا مفاده: أن كلاّ من ابن أمّ مكتوم وعِتبان ابن مالك قد تقدّما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بطلب الإعفاء من حضور الصلاة في المسجد، بسبب أن كلا منهما ضرير البصر، لا يستطيع أن يصل إلى المسجد إلا بمشقّة، ويزيد من شدّتها بُعد المسافة وكثرة الهوام والسباع، أو الظلمة والسيول والأمطار، وكان جواب الرسول صلى الله عليه وسلم مختلفا، إذ رخّص لأحدهما ولم يرخِّص للثاني!

ومما تجدر الإشارة إليه أن قول عتبان بن مالك لرسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية البخاري: "إني قد أنكرت بصري" يوحي ببدء الإصابة، وليس فيه التصريح بالعمى، كما ورد في رواية مسلم، قال ابن حجر في الفتح (1/519-520): "قوله: قد أنكرت بصري: كذا ذكره جمهور أصحاب ابن شهاب... وله ( أي للطبراني) من طريق أبي أويس: "لما ساء بصري" وللإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن نمر: "جعل بصري يكلّ" ولمسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت: "أصابني في بصري بعض الشيء" قال ابن حجر: "وكل ذلك ظاهر في أنه لم يكن بلغ العمى إذ ذاك، لكن أخرجه المصنف (أي البخاري) في باب الرخصة في المطر من طريق مالك عن ابن شهاب فقال فيه: " إن عِتبان كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها تكون الظلمة والسيل وأنا رجل ضرير البصر الحديث..".

ولو أعملنا هذا الفارق في العبارتين لكان الترخيص لعِتبان والمنع منه لابن أم مكتوم أجلب لمزيد من التضارب والتعارض، إذ رُخِّص للأول وإصابته أقلّ، ولم يُرخَّص للثاني وإصابته أشدّ، لكن ابن حجر أورد كلاما لابن خزيمة فيه احتمال العبارة لكلا الأمرين، قال: "وقد جمع ابن خزيمة بين رواية مالك وغيره من أصحاب ابن شهاب فقال: قوله: أنكرتُ بصري: هذا اللفظ يطلق على مَن في بصره سوء، وإن كان يبصر بصرا ما، وعلى مَن صار أعمى لا يبصر شيئا انتهى". عقّب ابن حجر عليه فقال: " والأولى أن يقال: أطلق عليه عمى لقربه منه ومشاركته له في فوات بعض ما كان يعهده في حال الصحة، وبهذا تأتلف الروايات.." فلم يرتض ابن حجر جمع ابن خزيمة، ومال إلى إثبات الفارق، وبذلك يتأكّد الملحظ المشار إليه آنفا !

 



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4793