المحافظة السامية للأمازيغية..ردة لغوية ولا أبا بكر لها
التاريخ: 18-8-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


   لم يُكمل الدكتور أرزقي فراد تحذيرَه الذي أصدره في أحدث كتابٍ له، من مغبة سلخ الأمازيغية عن جذورها الحضارية في الجزائر، حتى جاء الردّ استفزازيا مدوّيا من المحافظة السامية للأمازيغية التي نشرت على موقعها الالكتروني منذ أيَّام قليلة ما قالت إنه نسخة مترجَمة من دستور 2016 إلى الأمازيغية، وقد جاءت الترجمة بالحرف اللاتيني وحده وأقصي الحرفُ العربي بل أقصيت حتى أبجديتُها الخاصة المعروفة بها والمنقوشة على صخور التاسيلي منذ آلاف السنين وهي التيفيناغ، وفي ذلك دلالة خطيرة على نيّة أتباع "الأرسيدي" في المحافظة فرضَ هذا الحرف على الجزائريين مستقبلاً حينما يُعمّم تدريس الأمازيغية. 

بقلم: حسين لقرع



 

 

   بعد إصدار النسخة الأمازيغية بالحرف اللاتيني منذ أيام، انتظرنا أياماً أخرى لعلّ المحافظة السامية للأمازيغية تقوم بنشر نسختين أخريين بالعربية والتيفيناغ موجَّهتين لمن يكتب الأمازيغية بهاتين الأبجديتين في مختلف أنحاء الوطن، وهم أغلبية الأمازيغ، احتراماً لهم ولكسب ودّهم وودّ الجزائريين جميعاً، وهيّ مسألة هيّنة، لأن الكلمات نفسها المكتوبة باللاتينية ستُكتب بالتيفيناغ والعربية حرفياً، ولا يتطلب الأمر في هذا المقام أيّ جهد ذهني كما يحدث في الترجمة بين اللغات مثلاً، وقد لا يتطلّب سوى بضع ساعات لانجازه ما دام الأمر يتعلق بـ45 صفحة فقط.

   إلا أن المحافظة أصرّت على النسخة اللاتينية وحدها، وبشكل استفزازي صارخ وكأنها تريد القول: لا أمازيغية بالحروف الثلاثة، بل هي بالحرف اللاتيني وحده، وسنفرضها بهذا الحرف على جميع الجزائريين، أحبّ من أحبّ وكره من كره.

   خطوة المحافظة السامية جاءت لاستباق إنشاء أكاديمية اللغة الأمازيغية المنتظَرة في الأشهر القادمة طبقاً للمادة الرابعة من دستور 2016، والتي تهدف إلى تطوير الأمازيغية لتتبوّأ مستقبلاً مكانتَها كلغةٍ وطنية، فالمحافظة تريد بهذه الخطوة استباق إنشاء الأكاديمية المنتظرة والتأثير في اختياراتها ودفعها منذ البداية إلى اعتماد الحرف اللاتيني رسمياً كحرف لكتابة الأمازيغية واستبعاد التيفيناغ وكذا الحرف العربي بشكل نهائي، وهذا بحجّة أن التيفيناغ غير معروفة خارج مناطق الطوارق في أقصى الجنوب وتعلّمها الآن وتدريسها سيعرقل سرعة نشر الأمازيغية ويُفشل تعميمَ تدريسها، كما يقول مسؤولو المحافظة، أما الحرف العربي، فيقول هؤلاء المسؤولون إن أنصاره لم يطوِّروا أبجدية خاصة بنطق بعض الحروف الأمازيغية التي لا مقابل لها بالحروف العربية، في حين أن أنصار كتابتها بالحرف اللاتيني طوّروا حروفا باللاتينية تقابل كل أصواتها ولذلك تحمل الأبجدية اللاتينية الخاصة بالأمازيغية 36 حرفاً.

   هذه الأطروحة يكذّبها الشيخ سي أمحنّد حاج الطيب، مترجمُ القرآن إلى الأمازيغية، والذي يؤكد أن كتابة الأمازيغية بالحروف العربية تتطلب تكييف 5 حروف فقط لتستوعبها، في حين يتطلب الأمر تكييف 17 حرفاً كاملاً في اللاتينية لتستوعب الأمازيغية، ما يضعنا أمام أبجدية جديدة تماماً، ولكنها ستكون "أبجدية هجينة"، كما وصفها! 

   هذه المقارنة دفعت الشيخ حاج الطيب إلى توجيه دعوة عاجلة ومُلِحّة إلى المحافظة السامية للأمازيغية وغيرها من أنصار هذه اللغة، إلى كتابتها بالحرف العربي وحده، لأنها أثبتت قدرتَها على التعبير عن منطوق كل حروفها والأخص: الضاد والعين والغين والقاف، وكذا الحاء والهاء دون تداخل، في حين تعجز الحروف اللاتينية عن ذلك، فضلا عن أن كتابتها بالعربية يقرِّبها من محيطها العربي والإسلامي بخلاف اللاتينية التي تعدّ لغة دخيلة، وكتابة الأمازيغية بحروفها هو سلخٌ وبتر لها من بيئتها وإبعادٌ لها عن هويتها.

   ويؤيّد الدكتور والباحث أرزقي فرّاد هذا الطرح، ويحذِّر من أنَّ الإصرار على كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني، سيعزل هذه اللغة عن محيطها ويُدخِلها في حالة عداءٍ وتنافر مع بقية الجزائريين، فيرفضون تعلّمها بهذا الحرف الدخيل.

   والواقع أن حاج الطيب والدكتور فرّاد محقّان تماماً؛ فكتابة الأمازيغية باللاتينية سيُشعر بقية الجزائريين بأن الأمر لا يتعلق بلغةٍ وطنية، بل بلغة أخرى "ملحقة" بالفرنسية، فيعزفون عن تعلّمها فتفشل وهي في بداية الطريق، ولن ينفعها في ذلك فرضُ تعليمها مستقبلاً في كل المدارس وفي كل الولايات، فالأصل في التعلّم هو الرغبة والاقتناع والإقبال عليه بحماس، وليس الإجبار والإكراه.

   إذا أرادت المحافظة السامية للأمازيغية إنجاح تدريس الأمازيغية وتعميم العملية على كل جهات الوطن، فليكن بالحرف العربي، ولتُمنح له الأولوية، وإلا فليكن بأبجدية التيفيناغ الخاصة بها، ولتتخلّ المحافظة عن شوفينيتها وتطرّفها وترجيحها كفة الحرف اللاتيني، ومنح الاحتكار له، وإبعاده عن أيِّ منافسة علمية، فذلك لن يخدم الأمازيغية في شيء وسيجعل بعض الأمازيغ يصطدمون ببعضهم الآخر في المستقبل ويدخلون معهم في جدالاتٍ عقيمة لها لا آخرَ لها ولا تجلب خيراً لهذه اللغة ولا لوحدة الجزائريين...

   ومادامت السلطة لم تُنشئ بعد أكاديمية اللغة الأمازيغية، فإننا نرجو أن تأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار وتُصدر قراراً باعتماد الحروف العربية أو التيفيناغ أبجدية لها، وأن تحرص في تشكيلتها على انتداب خبراء لسانيات من مختلف جهات الوطن لتطويرها، ولا تكرِّر خطأ تركيبة المحافظة السامية للأمازيغية التي منحتها لغلاة "الأرسيدي" دون توازن مع باقي أمازيغ الوطن، فحوّلوها إلى وكر للغلوّ والتعصّب للحرف اللاتيني ومنحوه غلافاً "علمياً" باهتا ومزعوما لفرضه على بقية الجزائريين، ومنحه الاحتكار وإبعاده عن المنافسة، أي تماماً مثلما تفعل بن غبريط بالمدرسة من ناحية منح الاحتكار للفرنسية وإبعاد الانجليزية عن منافستها.

   الكرة في مرمى السلطة، وحلّ هذه المعضلة في يدها فقط، فإن تعذّر عليها الوصول إلى قرار حاسم، فلعلّ اقتراح أرزقي فرّاد بالإبقاء على الوضع الراهن وإنشاء ثلاثة مخابر لهذه اللغة بالأبجديات الثلاث كما هو معمول به حاليا، هو الحلّ الأسلم، في انتظار سير عمل الأكاديمية للحسم هذه المسألة في المستقبل.

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4794