حول موقف حركة النهضة التونسية الأخير..1
التاريخ: 18-8-1437 هـ
الموضوع: تاريخ و حضارة


ربما يكون موقف حركة النهضة التونسية  الأخير، مفاجئا للبعض من أبناء الحركة الإسلامية في تونس وفي العالم العربي والإسلامي، ذلك أن حركة أصلاحية سياسية –كحركة النهضة –نشأت على أدبيات الجماعات الإسلامية الكبرى وخصوصاً أدبيات حركة الإخوان المسلمين، وقام مشروعها على فكرة حتمية الحل الإسلامي للمجتمع والدولة، لا يمكنها أن تتخلى بين عشية وضحاها على محتوى هذه الفكرة، وتفصل بين الدعوي والسياسيّ، لكن حركة النهضة حسمت الأمر في هذه المسألة، واختارت أن تكون حزباً سياسياً يتعاطى الشأن السياسي، بعيداً عن الأفق الديني الذي يرتبط جزء منه بسلطة النظام الحاكم،  وما تبقى من أجزاء منه تستحوذ عليه الجماعات الدينية بتنوعاتها وتشكيلاتها المختلفة، وهو موقف يحسب للحركة في ظلّ المحافظة على أسس الدولة التي تنخرها الخلافات السياسية، وخصوصا من التشكيلات الإيديولوجية الحدية القائمة على قدسية الفكرة، وهذه التشكيلات تتوزع المجال السياسيّ في تونس وفي كلّ الأقطار العربية، واغلبها لا يملك مشروعاً للمجتمع والدولة، وإنما يمارس السياسة من منطق المغالبة والصراع، وهو ما يظهر جلياً عند بعض الجماعات الدينية المغلقة، والحركات اليسارية المتطرفة، لكننا نقف عند سؤال مهم، وهو خلفية هذا الموقف، هل فرضه تطور وتحول حقيقيّ عند الحركة، انطلاقا من قراءات للواقع المحلي والدولي؟ أم لجأت إليه الحركة تحت ضغط من واقع العمل السياسيّ في تونس -في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها كلّ الأقطار في عالمنا العربي والإسلامي- وهو ما يجعل هذا القرار مجرد تنازل من جملة التنازلات التي قدمتها الحركة منذ دخولها المجال السياسي بعد الثورة.



 لا شك أن الحركة تتمتع بقدر كبير من الاحترام والتقدير في أوساط الحركة الإسلامية وحتى في العالم الغربي، الذي عرف بعض قياداتها، وخصوصاً الشيخ راشد الغنوشي، الذي يعتبر العقل المفكر والمسير لهذه الحركة، لكن ممارسة الفعل السياسيّ تختلف اختلافاً جذرياً عن المجال الفكري والتنظري، الذي تعيش فيه أغلب الحركات الإسلامية، ومن هنا يمكننا أن ننظر إلى هذا القرار، الذي يشكل تحولاً خطيراً في أدبيات الحركة الإسلامية، فقد تكون جملة اكراهات الواقع التي صاحبت الممارسة الفعلية للسياسة، هي التي حددت وأبرزت هذا الموقف، وفي كلّ الأحوال سيكون مصير الحركة غامضاً، لأنها ببساطة ستفقد الكثير من قواعدها الشعبية، فالقطاع الديني الذي كان يشكل جزءً مهما من قواعد الحركة، لا شك أنه سيجد نفسه خارج أطرها، وهو ما يجعله يتسرب إلى فضاءات سياسية أخري، ثمّ هل هذا القرار يعبر عن مشروع الحركة السياسيّ الذي جعلها تتميز عن التشكيلات السياسية الأخرى، وهو الاحتماء بالدين، واعتباره القاعدة الناهضة بقيم المجتمع التونسي المسلم؟.

ربما الرأي الذي أراه ويراه غيري، أن عموم الحركات الإسلامية التي عرفت التصادم مع الأنظمة السياسية، والاختلاف الجذري والحاد مع التيارات السياسية الايديولوجية، لا يمكنها أن تستحوذ على المجال السياسي، بأي صيغة تريدها، فهي مرفوضة تماماً، حتى ولو تخلت على كلّ مبادئها، فالخيار الأسلم لهذه الحركات الدفع بجيل جديد يحمل الفكرة الإسلامية، لكن لا يقدمها شعارا لمشروعه السياسيّ، وإنما يلج المجال السياسي من بابه المعروف وهو السياسية، وليس الدين عندما يكون مجرد شعار، كما الحال عند الحركات الإسلامية، التي تسوق خطابها عبارة عن ألعاب لغوية على حد تعبير لودفيغ فتغانشتاين، ولا يتعدى خطابها هذا مجال اللغة،

فتضطر -عند فشلها- أن تسوق جملة من التبريرات الواهية، وكأنها لم تكن تقرأ الواقع السياسيّ، والأمثلة في هذا كثيرة...

 



29



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4796