مؤسساتنا العلمية وقيمة التكريم
التاريخ: 18-8-1437 هـ
الموضوع: بالمختصر المفيد


تكريم العلماء العاملين الذين نفعوا العباد والبلاد، سنة حميدة، واعتراف جميل بالفضل من أهل الفضل ينم على رقي حسهم الحضاري ووعيهم بقيمة العلم والمعرفة، والحق أن الأمة التي لا تقيم لعلمائها الأفذاذ وزنا ولا تعترف بجهودهم العلمية التي بذلوها وقدموها هي أمة عليلة حضاريا تحتاج إلى تطبيب أدوائها..!



مشكلة الجزائريين أنهم أزهد خلق الله في تكريم العلماء وأصحاب الفضل الذين عاشوا حياتهم كلها في سبيل العلم ونشره، فلا يسمع الناس بهم إلا بعد أن يتخطفهم المنون فتأتي رسائل التعزية تترا من هذا المسؤول، ومن تلك المؤسسة، تمدح سيرتهم، وترفع ذكرهم، وتشيد بإنجازاتهم، حتى ليصدق فيهم المثل الشعبي الجزائري القائل:"لما كان حي مشتاق تمرة، ولما مات علقولو عرجون"..!

يُوجد في الجزائر المئات من العلماء المخلصين الذين خدموها تعليما وتأليفا وإصلاحا ومنهم من أنجز أعمالا عظيمة تنوء بالعصبة أولي القوة، وحقق بجهده الفردي ما لم تحققه مؤسسات علمية كبيرة رغم ما تملكه من أموال ووسائل، وكأني بالواحد منهم رغم ما لحقه من ضيم ونصب يردد قائلا:

سهري لتنقيح العلـوم ألـذ لـي 

من وصل غانيةٍ وطيـب عنـاق

وصرير أقلامي على صفحاتهـا

أحلى مـن الدوكـاء والعشـاق

وألـذ مـن نقـر الفتـاة  لدفهـا  

نقري لألقي الرمل عن أوراقـي

وتمايلي طربـاً لحـل عويصـةٍ

في الدرس أشهى من مدامة ساقي

وأبيـت سهـران الدجـا وتبيتـه 

نوماً وتبغي بعـد ذلـك لحاقـي

ولكن–للأسف-هؤلاء العلماء أكثرهم بقي مغمورا لم يأخذ حقه من الاحتفاء والتكريم والتعريف والإشادة، وكان من المفروض أن تساهم جامعاتنا وكلياتنا ومعاهدنا – وهي مؤسسات تُعنى بالعلم والعلماء- في نفض غبار النسيان والتهميش عن أعلامنا من خلال احتفالات رسمية تنظمها تكريما لهم وتعريفا بهم وهم أحياء يُرزقون، فهي مقصرة في هذا الجانب تقصيرا عظيما..!

إن كثيرا من العلماء الكبار المنتجين في ميدان الكتابة والبحث والتعليم في الجزائر العميقة، آثارهم في الواقع مشهودة ومحمودة، وتكريمهم رسميا دين على مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجامعة الجزائرية...فالاحتفاء بهم وبإنتاجهم المعرفي، وهم أحياء، له أكثر من معنى، وإنه ليحز في النفس أن نرى المؤسسات الجامعية الكبرى في المشرق العربي تنتخب مجموعة من كبار أهل العلم في شتى التخصصات وتقوم بتكريمهم وإعطائهم الشهادات التقديرية في احتفالات كبيرة نهاية السنة الدراسية، أما في الجزائر فقد يفوق إنتاج العالم الجزائري غيره من علماء المشرق، إلا أن حضه من الاعتراف والتكريم والتقدير يكون ضعيفا إلا من التفاتات بعض المؤسسات الشعبية كالمساجد أو الجمعيات التي تقوم بهذا الدور رغم قلة الإمكانات، وضعف الموارد...وصدق الإمام ابن حزم الأندلسي حين قال معبرا عن هذه الحقيقة المرة القديمة الجديدة:

أنا الشمس في جو العلوم منيرة

ولكن عيبي أن مطلعي الغرب

ولو أنني من جانب الشرق طالع

لجد علي ما ضاع من ذكري النهب

ولي نحو أكناف العراق صبابة

ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب

فإن ينزل الرحمان رحلي بينهم

فحينئذ يبدو التأسف والكرب

فكم قائل أغفلته وهو حاضر

وأعلم ما منه تجيء به الكتب

هنالك يدري أن للعبد قصة

وأنه كساد العلم آفته القرب

 



01



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4797