إسرائيل لا تريد السلام
التاريخ: 6-9-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


بعد سلسلة إقالات لمسؤولين عسكريين و أمنيين أهمها "جولان" قائد الأركان ثمَّ "عالون" وزير الدفاع بسبب انتقاداتهم اللاذعة لسياسة رئيس حكومتهم "نتانياهو" الذي أفقدته النشوة، نشوة تجنيده و تجييشه للأغلبية الساحقة للمجتمع الصهيوني وراء أطروحات اليمين المتطرف العنصري ضد العرب الفلسطينيين، ها هو "نتانياهو" كعادته يستبق الأحداث بإعلانه للرفض القاطع لمسعى فرنسا لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط لأن فرنسا في نظره منحازة للفلسطينيين.

الأستاذ محمد الحسن أكـــيـــلال



 

 

المنطق و العقل و الذكاء السياسي؛ كل الأوضاع الحالية تعطي "نتانياهو" القوة الدافعة والشحن النفسي لمواصلة المغامرة إلى آخر مراحلها، لأنه يدرك أن ما يحققه بالتصلب في المواقف و التشدد في معاملة الشعب الفلسطيني و العرب و العالم أجمع لا يحققه باللين والسياسة و الدبلوماسية، حيث أن ما منحته إياه السياسة الأمريكية بمساندة الدول والقوى الغربية الإمبريالية الكبرى خلال العقدين الماضيين من أسباب وعوامل القوة والغطرسة جعلته يطمئن كل الاطمئنان على أن هذه الدول لا تستطيع التراجع واستعادة أسباب و عوامل القوة هذه لأن إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه المنطقة قبل عام 2001 و حرب الخليج الأولى أضحى من المستحيل في المستقبل القريب، هذا إذا لم يكن ممتدا حتى إلى المستقبل البعيد، ما دامت الولايات المتحدة الأمريكية وهي مقبلة على الانتخابات الرئاسية خلال هذه السنة، وهي على ما يبدو بعد نهاية عهدة الرئيس "باراك أوباما" سيكون الفائز هذه المرة من حظ اليمين الأمريكي الذي يقوده المحافظون الجدد والحركة الصهيونية المتطرفة.

عامل آخر يعتمد عليه "نتانياهو" في مواصلة مغامرته الجنونية هو عامل ضعف الموقف العربي من السياسية الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني التي أصبحت أمرا واقعا اعتاده العرب والعالم، فقد أصبحت عملية الإعدامات اليومية للفلسطينيين وأسر آخرين و هدم منازل آخرين و الاستيلاء على أراضي آخرين شيئا عاديا.

في مارس عام 2002 قدمت الجامعة العربية في مؤتمر لها في بيروت مبادرة السلام كخيار استراتيجي مع الكيان الصهيوني، فكان الرفض ليس بالتصريح و البيان الصحفي المقتضب، بل  بمحاصرة الرئيس الراحل "ياسر عرفات" في مقره في رام اللـه، ثمَ دك أسوار هذا المقر بقذائف الدبابات و عزله عن العالم، بل سجنه في مكتبه و منع حتى إطعامه في الأيام الثلاثة الأولى، فكانت مشاركته في مؤتمر القمة بواسطة الأقمار الصناعية، وانتهى به المطاف باغتياله، و العرب والعالم كله يتفرج، ولم يتجرأ أحد في رفع صوته والمطالبة بإجراء تحقيق حول الجريمة ومحاكمة المجرمين الذين قاموا بتدبير عملية الاغتيال. لقد أصبح للدول الصهيونية حاليا حجة دامغة ضد الدول الغربية الكبرى و على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي قتلت ملايين العراقيين والأفغان وأعدمت الرئيس الراحل "صدام حسين" ثم بعده الرئيس الراحل "معمر القدافي" بدم بارد جدًّا، ثم أن محكمة الجنايات الدولية لم توقع مراسيم إنشائها والاعتراف بها الولايات المتحدة الأمريكية ثم دولة الكيان الصهيوني؛ وفرنسا نفسها التي تدعي الآن أنها تعمل لأجل السلام أيضا لها تاريخها الخاص في الجرائم الحربية والجرائم ضد الإنسانية، فأي سلم وأي سلام يريد هؤلاء وهم هم الذين طبخت في مطابخهم إستراتيجية وبرامج و خطط تدمير كل فرص السلام في المنطقة ومن ضمنها ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الصهيوني؟ا

"نتانياهو" وحكومته و شعبه الملتف بقوة حول اليمين المتطرف يعرفون جيدًّا أنهم في موقع قوة لم يكن لهم في مرحلة من المراحل السابقة في تاريخ إنشاء كيان دولتهم، و هم الآن في انتظار جني ثمار و محصول ما غرسوا و زرعوا في المنطقة، وأهمها على الإطلاق: تقسيم المقسم و تجزئة المجزأ في إطار الشرق الأوسط الجديد الذي أماط اللثام عنه كبيرهم "شمعون بيريز" ثم وضحه أكثر "بريزنسكي" والذهنية الاستعمارية لدى الغرب الرأسمالي الاستعماري بعد عملية الانحسار التي عرفتها خلال فترة الصراع بين المعسكرين الشرقي و الغربي عرفت حاليا أقصى تأججها حين شعرت ببداية رد فعل قوى من روسيا الاتحادية، وقد بلغ هذا التأجج مداه في حدث في أوكرانيا ثم أخيرا في وضع الصواريخ الإستراتيجية في كل من رومانيا و بولونيا، يعني بداية حرب باردة واضحة المعالم، في وقت تعرف دول أوروبا تنامي النزعة اليمينية العنصرية المتطرفة في مجتمعاتها مقابل التخبط الذي تعرفه اقتصادياتها بسبب الأزمة الهيكلية التي اعترت النظام الرأسمالي منذ سبعينيات القرن الماضي، وهي حاليا بدأت تستفحل و تهدد كثيرا من دولها بالإفلاس.

 

كل هذا يشكل كما هائلا من الأسباب و العوامل التي تمنح "نتانياهو" وحكومته ودولته التشبث بقوة بالمواقف الراديكالية تجاه القضية الفلسطينية –على الأقل- في المرحلة الراهنة، أي ما قبل أن يلوح أفق الانتهاء من الحرب العالمية الثالثة التي تجري حاليا متخفية بمحاربة الإرهاب و التحالف الدولي الذي منح الكثير من التمويه على هذه الحرب لوكلاء وسماسرة هم من خلقوا الإرهاب وهم من يغذيه إلى حين اتفاق المختلفين والمتصارعين  الحقيقيين على اقتسام الكعكة. منطقة الشرق الأوسط بعد الطمأنينة على إبعاد أخطار بروز لاعبين جدد وأدوار جديدة للعدو الجديد المنتظر المتمثل في العملاق الأصفر القادم بهدوء إلى المنطقة وإلى الانفراد بحكم العالم بدل الولايات المتحدة الأمريكية التي يبدو أنها تريد الاستراحة والعودة إلى ما وراء حدودها كما كانت قبل الحرب العالمية الثانية.

القضية الفلسطينية ستبقى كما كانت رغم ما تعانيه حالياً من إبعاد عن الأضواء مشتعلة، وستبقى تؤرق مضاجع الغرب والصهاينة ما دامت النساء الفلسطينيات يلدن أطفالا كهؤلاء الذين يعدمون كل يوم، والسلطة الفلسطينية والعرب جميعا عليهم أن يفهموا أن الحق لن يضيع ما دام وراءه طالب.      

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4805