هل يحمي "الحشدُ العشائري" سكان الفلوجة من "الحشد الشعبي"؟
التاريخ: 6-9-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


تعيش مدينة الفلوجة العراقية منذ الاثنين 30 ماي المنقضي مواجهاتٍ ضارية بين عناصر "داعش" الذين يسيطرون على المدينة منذ جانفي 2014، والقوّات المشتركة العراقية ممثلة في الجيش والشرطة الاتحادية ونحو 10 آلاف مقاتل سُنّي ينتمون إلى ما يُعرف بـ"الحشد العشائري"، وهي قبائل سُنّية من الأنبار استعانت بها الحكومة العراقية على قتال "داعش" لإعطاء عملية اقتحام الفلّوجة بُعداً وطنياً وإبعاد شبهة الطائفية عنها. ومع ذلك يبقى خطرُ مشاركة الميليشيات الشيعية المعروفة باسم "الحشد الشعبي" قائماً في كل وقت.


بقلم: حسين لقرع



 

بعد مرور عامين وأربعة أشهر على سيطرة تنظيم "داعش" على مدينة الفلّوجة، قرّرت حكومة العبادي أخيراً التحرّك باتجاهها لاستعادتها من التنظيم، كما استعادت من قبل الأنبار وهيت وتكريت والمقدادية وغيرها من المدن التي كان "داعش" يسيطر عليها منذ أكثر من عامين.

ولكن خلافاً للعمليات السابقة، فإن ميليشيات "الحشد الشعبي" لن تشارك هذه المرة بشكل مباشر في العمليات القتالية داخل الفلوجة، وهذا على خلفية الحملة الإعلامية والسياسية الواسعة التي تشنّها العديد من الأطراف العربية والإسلامية السّنية ضد "الحشد الشعبي" وتطالب بإبعاده من عملية استعادة الفلوجة، بالنظر إلى "سوابقه" الإجرامية العديدة التي ارتكبها خلال كلّ عمليات استعادة المدن والمحافظات العراقية السنية من يد "داعش"؛ إذ لم تكتف هذه الميليشيات الشيعية بطرد التنظيم المتطرِّف من هذه المدن والمحافظات وإعادتها إلى السيادة العراقية، بل قامت بتجاوزات خطيرة بحقِّ السكان وأعمال انتقامية واسعة ضدّهم بتهمة توفير حاضنة شعبية لـ"داعش" وحتى الانتماء إليه والعمل لصالحه، وبناءً على هذه التهم تعرّض مئات السكان لإعدامات ميدانية خارج إطار القضاء، وأحرقت الميليشيات الطائفية بيوتهم ومحالّهم التجارية، واستحلّت ممتلكاتهم ونهبتها، ونكّلت بعائلاتهم وهجّرتها في عمليات تطهيرٍ طائفية واسعة جرت تحت أنظار العالم دون أن يتدخّل أحد مع أنها مصنّفة في القانون الدولي جرائمَ ضدّ الإنسانية، وكان الهدفُ منها تغيير التركيبة السكانية للمدن والمحافظات السُّنية وفي مقدمتها محافظة الأنبار المتاخمة لإيران التي قادت معاركَ بيادقها من "الحشد الشعبي" عبر جنرالها قاسم سليماني...

   ونتيجة لكل هذه الجرائم التي خلفت أسوأ الآثار في نفوس العراقيين ومزقت نسيجَهم الاجتماعي وبدأت تضع وحدتهم على كف عفريت، بدأت الضغوط تشتدّ على الحكومة العراقية وكثر المطالبون بضرورة وضع حدّ لهذه الميليشيات الطائفية والكفّ عن إشراكها في مختلف العمليات العسكرية الهادفة إلى استعادة ما تبقى من مدنٍ من "داعش"، وهو ما رضخت له الحكومة في العملية الأخيرة الخاصة بالفلوجة؛ إذ استطاعت الحكومة "إقناع" الميليشيات بالاكتفاء بمحاصرة الفلوجة وسدّ كل منافذها لمنع هروب عناصر "داعش"، في حين تتولّى القواتُ المشترَكة مَهمّة اقتحام المدينة من جميع الاتجاهات ومواجهة عناصر التنظيم داخلها إلى غاية نهاية المعركة.

   ومع ذلك، فإن خطر مشاركة هذه الميليشيات الشيعية في المعركة لا يزال قائما بالنظر إلى أن الاتفاق مع الحكومة وكذا الأمريكيين، يقضي بان تكتفي الميليشيات بمحاصرة المدينة، ولكن في حال عجزت القوات المشتركة عن اقتحامها، فإن المجال ينبغي أن يُفسح لهذه الميليشيات للقيام بالمَهمّة، كما قامت بها من قبل في معارك سابقة اكتسبت منها خبرة قتالية في مواجهة عناصر "داعش" وخبِرت خلالها أساليبَهم في القتال، والتي تقوم على صدّ الهجومات بعددٍ معتبر من الانتحاريين، والسيّارات المفخخة، والعبوّات الناسفة والألغام، والقناصة، ومعارك الكرّ والفرّ في الشوارع...

   ويُخشى الآن أن يُسمح لهذه الميليشيات بالمشاركة في القتال بالنظر إلى فشل الهجومات الأوّلية التي شنّتها القواتُ العراقية المشترَكة على قلب المدينة، وتراجعها في كل مرة بعد اصطدامها بضراوة مقاتلي "داعش" وتكبّدها خسائر بشرية غير هيّنة. وهو ما ينتظره "الحشد الشعبي" قصد إقامة الحجة على الجيش العراقي و"الحشد العشائري" السني، ودخول معركة الفلوجة دون أن يعترض أحد.

   والواقع أن المشكلة لا تكمن في هذه المعركة بحدّ ذاتها، بل في ما يتبع استعادة المدينة، فمعركة الفلوجة ستنتهي حتماً بدحر "داعش" مهما طال الوقت لأنه محاصَر وذخائره تتناقص باستمرار وكذا عناصره الذين يسقطون يوميا في المعارك، وليست هناك خطوطُ إمدادٍ تعوّض خسائرَه المادية والبشرية بالنظر إلى إحكام الحصار على المدينة، ما يعني أن "معركة الاستنزاف" تسير في غير صالحه، وهو يضعف داخل الفلوجة بمرور الوقت، لذلك فإن استرجاع المدينة منه، مسألة وقت فحسب، وهو آتٍ مهما طال.

   المشكلة الحقيقية تكمن في اليوم الثاني من استعادة الفلّوجة؛ فإذا سُمح لميليشيات "الحشد الشعبي" بدخولها والمشاركة في القتال، فإنه لن يتوانى عن تكرار جرائمه السابقة في عددٍ من المدن السُّنية المستعادة؛ فالانتقام من أهل السنة وتهجيرهم والتنكيل بهم هو جزءٌ من "عقيدة" هذه الميليشيات الشيعية، وقد "برهنت" مراراً على وفائها لـ"عقيدتها" وممارسة ساديتها ووحشيتها ضد المدنيين المستضعَفين من السُّنة كلما أتيحت لها الفرصة دون أن تكترث بتصاعد الانتقادات في المنطقة والعالم الإسلامي بل وفي العالم كله مندِّدة بجرائمها ضد الإنسانية، ولن يكون بمقدور الحكومة العراقية منعُ هذه التجاوزات كما لم تستطع ذلك من قبل، فهي تتعامل من موقع ضعف مع هذه الميليشيات، وربما تشعر بالامتنان لها لأنها منعت بغداد من السقوط في عام 2014، حينما اكتسح "داعش" الفلوجة والموصل وسيطر على نحو 40 بالمائة من مساحة البلد، وكانت تستعدّ للزحف على بغداد نفسها لولا الإسراع إلى إنشاء هذه الميليشيات برعاية إيرانية.

   لذلك، نأمل أن تتمكَّن القوات المشترَكة من حسم المعركة وحدها، فالجيش العراقي –وإن غلُب عليه المكوِّن الشيعي- فهو يضمّ جنوداً سُنّة وأكراداً أيضاً، وليس طائفياً مثل ميليشيات "الحشد الشعبي"، كما أن مشاركة نحو 10 ألف مقاتل من "الحشد العشائري" السُّني في المعركة، قد يمنح الأمل في حماية سكان الفلوجة من المذابح وأعمال التطهير الطائفي والتهجير والانتقام، إذا شاركها "الحشد الشعبي" في استعادة المدينة في مرحلةٍ لاحقة.

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4806