الإسلام صانع قيم التسامح
التاريخ: 6-9-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


أجزم في هدوء ويقين و اطمئنان أنّ كلّ مَن يعرف الإسلام معرفة سليمة من أصوله المعصومة ومن علمائه الثقات، لا يسعه سوى التسليم بأن الإسلامَ دينٌ لا يضيق بالرأي الآخر ولا يفرض وجهة نظره عنوةً على الآخرين، وهو لو كان يصادر حقّ الناس في الرأي وما يميلون إليه -وحاشا أن يفعل ذلك - لمصادره في العقيدة .. لأنها أساس الدين و قاعدة نُظمه و تعاليمه كلّها .

د. إبراهيم نويري 



 

 ومن الأمارات الدالة على أن الإسلام وحده دين الحقّ والبرهان والخلود، جمعُه البيّن بين فضيلتيْ قوة الحجّة والمنطق، واحترام العقل والنظر.. وبين خُلق التسامح والحفاوة بالرأي الآخر، ووجهة النّظر المغايرة. وخير مثال على ذلك أن القرآن الكريم سمّى -على لسان المؤمنين - أخطاء أهل الإيمان "جُرماً" بينما سمّى أخطاء غير المؤمنين "عملاً "، وذلك من باب الملاطفة في الحوار والمسامحة في المعاملة ومراعاة مشاعر الآخر المختلف فكريا وعقديا، في قول الله تعالى :{قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } سبأ 25.

 ويكفي الإسلام فخراً وسمواًو علواً في هذا الخصوص أنه خلّد الرأي الآخر في محاورات أنبياء اللهتعالى ورسله الكرام مع بعض أقوامهم من المشركين والكافرين و الضالين المعاندين.. وجَعَل ذلك الرأي قرآناً، وتنزيلاً وذكراً يُتلى عبر كلّ العصور والدهور و يُتقرب به إلى الله، إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها.

ومما لاشكّ فيه أن التسامح عند المسلمين لم يقتصر على الجدال والسّجال العقدي والفكري والفلسفي، لما يؤمن به الآخرون من أهل الأديان، والمذاهب واتساع الصدر لمناقشة هؤلاء الأتباع في رؤية متزنة، وخُلق عالٍ ومنهجية نادرة فحسب.. وإنما نجد أن الأمر تجاوز تلك الحدود إلى واقع المجتمع الإسلامي ذاته، وإلى نطاق مختلف الآفاق التي يسمح بها التشريع الإسلامي في التعامل مع أهل الذمّة، وتقرير حقوقهم وإنسانيتهم و كرامتهم .

ومن أروع مظاهر التسامح أن العرب و المسلمين في الأندلس كانوا يسمحون للأساقفة النصارى بعقد تجمّعاتهم ومؤتمراتهم الدينية، كمؤتمر إشبيلية النصراني الذي عقد سنة 782 م [أي بعد واحد وسبعين عاماً من الفتح الإسلامي] ومؤتمر قرطبة النصراني الذي عقد سنة 852 م، وغير ذلك من المؤتمرات التي وثقتها المصادر التاريخية المعتبرة .

ومن الكنائس القبطية المشهورة التي تمّ تشييدها في العصور الإسلامية المتميزة بالتسامح والعدل ، كنيسة"مارجرس" بحلوان ، وكنيسة "أبي مينا" وغيرهما من الكنائس.

وفي هذا السياق دائما يروي التاريخ أنه لما غزا التتار بلاد الإسلام، ووقع كثيرٌ من المسلمين والنصارى في أسرهم، ثم عادتْ الغلبة للمسلمين ودان ملوكهم (التتار) بالإسلام خاطب شيخ الإسلام ابن تيمية أمير التتار بإطلاق الأسرى فاستجاب الأمير التتري، ففكّ أسرى المسلمين وأبى أن يسمح بفك أسرى النصارى، فقال له شيخ الإسلام ابن تيمية : لابدّ من فكّ الأسرى من اليهود والنصارى لأنهم أهل ذمتنا.. فأطلقهم له.

 وفي نظري أن المطّلع على حقائق الإسلام من منابعها الصحيحة، حين يفكّر في هذه المسالك الإسلامية لا يناله  العجب أبداً، لأنها مسالك منبثقة أساساً عن عقيدة متزنة وثابتة، عقيدة مستوعبة لكلّ الحقائق الغيبية و الفطرية ؛ فالمسلمون يؤمنون بعيسى ويجلّون أمه العذراء البتول مريم، ويرون المس والطعن في عفافه وعفاف أمه كفراً بالإسلام و ازدراءً لجميع الأديان والعقائد.. كما أنهم يؤمنون بموسى ويجلّونه ويرون الإساءة إليه أو الطعن في نبوته ورسالته كفراً وخروجاً عن الملة وقواعد الاستقامة.كما يرون أن هدايات أنبياء الله تعالى واحدة لا تتجزأ لأن الدين عند الله الإسلام، كما صدح به الأنبياء جميعا في رسالاتهم ودعوتهم المباركة، على الرّغم من تعدد الظروفو تباين أحوال مَن أرسلوا إليهم .

إن العقيدة الإسلامية السمحة هي صانعة قيم التسامح والرأفة بالجاهل والمخالف لأنها عقيدةٌ تنشد وتتشوّف أبداً إلى خير الإنسان وإسعاده في العاجلة قبل الآجلة. والله وليّ الهداية و التوفيق.

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4807