من نفحـــات شهر رمضـــان المبارك
التاريخ: 10-9-1437 هـ
الموضوع: معالجات إسلامية


بقلم الشيخ الدكتور/يوسف جمعة سلامة خطيــب المســجد الأقصــى المبــارك

وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق  www.yousefsalama.com



 

   أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال:  ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:  أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ، لَمْ تُعْطَهَا أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ، خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمْ الْمَلائِكَةُ حَتَّى يُفْطِرُوا، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ الْمَئُونَةَ وَالأَذَى وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ، وَيُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فَلا يَخْلُصُوا [فيه] إِلَى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، وَيُغْفَرُ لَهُمْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ )(1).  

يعيش المسلمون في هذه الأيام في ظلال أيام مباركة من شهر رمضان المبارك، شهر الخير والبركة، شهر التسابيح والتراويح، شهر الصيام والقيام، وهو شهر أوله رحمه، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، وهو شهر فيه تصفو النفوس وتسمو الأرواح، وتفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين، كما جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة – رضي الله عنه-  أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ( إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ)( 2).  

ومن الجدير بالذكر أن الصيام ليس امتناعاً عن الطعام والشراب فقط، بل التزامٌ بالنهي عن اللغو والرفث والآثام، حيث يبتعد الصائم عن كلّ ما يفسد الصيام من لغو ورفث، كما جاء في الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه- قَالَ: ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ )(3).  

 إن رمضان مناسبة طيبة للتواصل والتراحم والتزاور بين المسلمين، وفرصة عظيمة لعمل الخير والإكثار من المعروف فيه، وإحيائه بقراءة القرآن وتأمل معانية، ومداومة الذكر وإقامة الصلاة في المسجد والمُكْث فيه، ما استطاع المسلم إلى ذلك سبيلاً، ومن ثم تتضاعف أهمية رمضان بأجوائه الروحية ونسماته العلوية، ليتخذ الإنسان منه فرصة للمحاولة الصادقة لأن يعود إلى نفسه ويثوب إلى رشده، وإلى دينه الصحيح وقيمه الرفيعة، ليعود إليه صفاؤه الروحي والنفسي، فإحياء ليالي رمضان لا تكون بإضاعة الوقت في اللهو والسلوكيات التي لا تتفق وآداب الشهر الفضيل.  

 

يا باغي الخيـر أقبـل

رمضان خير كله، نهاره وليله وأوله وأوسطه وآخره، فالمسلم في نهاره صائم وفي ليله قائم، ورمضان مجمع الفضائل فقد جمع من الفضائل والخيرات ما لم يجمعه شهر من الشهور، ومن المعلوم أن للصيام منزلة رفيعة، فهو من أفضل العبادات وأجلِّ الطاعات إلى الله، عز وجل، ويظهر ذلك من خلال
 الأحاديث الآتية:

   - عن أبي هريرة – رضي الله عنه- عن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال: " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ "، و"مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، و"مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"(4).

- ومن فضائل الصيام أن ثوابه لا يَتَقَيَّدُ بعددٍ معين، بل يُعطى الصائم أجره بغير حساب، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-:(قال الله عزَّ وجل: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ، إني صائمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، ولِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بفِطْرِهِ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ)(5).

- إنه الشهر الذي لا تُرَدَّ فيه دعوة الصائم، فقد جاء في الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ( ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتُهم: الصَّائمُ حتى يُفْطرَ، والإمامُ العادلُ، ودعوةُ المظلومِ، يَرفعُها اللهُ فوقَ الغَمامِ ويَفْتحُ لها أبوابَ السَّماءِ، ويقول الرَّبُّ: وَعِزَّتي لأنْصُرَنَّك ولو بَعْدَ حينٍ)(6).

- كما وبين –عليه الصلاة والسلام-ما أعده الله للصائمين يوم القيامة، كما جاء في الحديث الشريف، عَنْ سَهْلٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ)(7). 

وفي هذا الشهر الكريم المبارك تُصَفَّدُ الشياطين، وَتُغلقُ أبواب النار، وَتُفتح أبواب الجنة، وَتَكْثُر القربات إلى الله عز وجل.

- كما وَرَغَّبَ رسولنا -صلى الله عليه وسلم – المسلمين بالاعتمار في شهر رمضان المبارك، لما في ذلك من الأجر العظيم، فقد رُوِيَ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي"(8).

 

الدعاء في شهر رمضان

الدعاء مخ العبادة، ومن المعلوم أن الله عز وجل جعل آية الدعاء بين آيات الصوم؛ لأن الدعاء في أيام الصوم الفضيلة أقرب إلى الاستجابة، فقد روي أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -  قال: " إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَة مَا تُرَدُّ "(9)، وكان عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- يقول إذا أفطر:
"اللَّهُمَّ إنِّي أسألُك برحمتِك التي وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ أن تغفِرَ لي"(10)، وثبت أن الرسول – صلى الله عليه وسلم -  كان يقول: " ‏اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنا، وَعلى رِزْقِكَ أَفْطَرْنا، فَتَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَليم"(11)، كما كان – صلى الله عليه وسلم– يقول أيضا: "‏ذَهَبَ الظَّمأُ، وابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وَثَبَتَ الأجْرُ إِنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى‏"(12).

قيام الليل في شهر رمضان

من المعلوم أن رسولنا –  صلى الله عليه وسلم -  كان يُكثر من الصلاة والتهجد في شهر رمضان المبارك، حيث كان –صلى الله عليه وسلم- يقوم ليله، فمن المعلوم أن صلاة التراويح شُرعت في شهر رمضان المبارك، وهي من أفضل العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى خالقه في هذا الشهر المبارك.

وقد رَغَّب النبي – صلى الله عليه وسلم - في هذه الصلاة وفيما يُشبهها من صلاة الليل في أحاديث كثيرة، حيث كان – صلى الله عليه وسلم - يُرغّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، أي من غير أن يأمرهم أمراً مؤكداً، كما يأمر بأداء الفرائض، فيقول: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"(13)، وقد توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرٍ من خلافة عمر- رضي الله عنهما -، حيث روى البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاري، قال: "خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُإِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (14).

اللهم اكتبنا من عتقاء شهر رمضان، واكتبنا في  قوائم الأبرار، واكتب لنا سعة الحال من الرزق الحلال، ربنا وارفع الإِصْرَ عن أمة حبيبك محمد – صلى الله عليه وسلم -، واسلكْ بهم صراطك المستقيم، ليكونوا من الذين أنعمت عليهم، آمين ... آمين ... يا رب العالمين.

 

نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش :

1- أخرجه أحمد                        2- أخرجه مسلم                                3- أخرجه ابن خزيمه

4- أخرجه البخاري                    5-  أخرجه مسلم                                6- أخرجه الترمذي            7- أخرجه الشيخان                   8- أخرجه البخاري                                  9- أخرجه ابن ماجه          10- أخرجه ابن ماجه                   11- أخرجه الدارقطني                         12- أخرجه الدارقطني 

13- أخرجه البخار ي                 14- أخرجه البخاري



23



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4813