قراءة النصوص: بين الفصل والتردّد (3)
التاريخ: 10-9-1437 هـ
الموضوع: في رحاب السنة


حديث ابن أم مكتوم لم يخرجه لا البخاري ولا مسلم، وإنما أخرجه بعض أصحاب الكتب الأخرى-كأبي داود- ممن لن لم يلتزموا الصحة، ولكن أخرجه إمام كبير كابن خزيمة في صحيحه (2/368) وحديث عِتبان ابن مالك أخرجه البخاري ومسلم -كما ذكرنا سابقا- وأثبت ابن رجب التعارض بينه وبين حديث ابن أم مكتوم، ويمكن المصير-في مثل هذه الحالة إلى الترجيح، بإعمال ما في الصحيحين أو أحدهِما، وإهمال الآخر، من دون اللجوء إلى النسخ، كما ذهب إليه البعض من دون دليل، وقد يسعف في هذا الأمر أيضا إذا ما وُجدت علّة نصّ عليها أحد النقاد، وهو ما ذكره البعض من إرسال بين أبي رزين  وبين ابن أم مكتوم، قال الحافظ ابن حجر في التهذيب (10/ 119): "وحكى ابن أبي حاتم في المراسيل عن شعبة أنه كان ينكر سماع أبي رزين من ابن مسعود، وكذا أنكر ابن القطان سماعه من أبن أم مكتوم...". 



و أما كلام ابن القطان ففي تعقيبه على الإشبيلي، قال في بيان الوهم والإيهام(2/552): "وذكر أيضا من طريق أبي داود حديث ابن أم مكتوم: لا أجد لك رخصة، وفي رواية أخرى: إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، وكلتا الروايتين مشكوك في اتصالهما: أما الأولى فيرويها عاصم بن بهدلة عن أبي رزين عن ابن أم مكتوم، وأبو رزين: مسعود بن مالك الأسدي أعلى ما له الروايةُ عن علي، ويقال إنه حضر معه بصفين، وابن أم مكتوم قتل بالقادسية أيام عمر، وانقطاع ما بينهما إن لم يكن معلوما-لأنا لا نعرف سنّه- فإن اتصال ما بينهما ليس معلوما أيضا، فهو مشكوك فيه، وأما الرواية الأخرى، فيرويها عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن أم مكتوم، وسنه لا تقتضي له السماع منه، فإنه ولد لست بقين من خلافة عمر".

قال الشيخ الألباني معلقا على كلام ابن حجر: " لكن قد ذَكر أيضا-يقصد ابن حجر- أن أبا رزين هذا كان غلاماً على عهد عمر، وأن ابن أم مكتوم مات في آخر خلافة عمر، ومعنى هذا أن أبا رزين قد أدرك ابن أم مكتوم وهو غلام يعقل، فروايته عنه محمولة على الاتصال عند الجمهور، فإنكار ابن القطان لسماعه منه لا ندري ما وجهه؟! فإن ثبت فالإسناد منقطع".

كلام ابن القطان الفاسي ليس فيه إنكار جازم، كما فهمه الشيخ الألباني استنادا إلى ما نقله عنه الحافظ ابن حجر، وعبارة ابن القطان كانت دقيقة في التعبير عن الشك في الاتصال وعدم القطع به أو بالانقطاع، وهذا يكفي في اختلال التكافؤ بين الخبرين، ويبقى أن خبر ابن أم مكتوم أخرجه مسلم أيضا، غاية الأمر أنه لم ينصّ فيه على اسمه، وههنا ملاحظة أخرى ينبغي الإشارة إليها، وهي أن الإمام مسلما أخرج هذا الحديث مع حديث عتبان، مع ما فيهما من تعارض، لكن البخاري أعرض عن ذلك، ولم يخرج إلا حديث عتبان!

إذا كان التيسير أصلا مقطوعا به في هذه الشريعة فأين ملمحه من خبر ابن أم مكتوم؟ فالرجل يصرِّح بإصابته في بصره للرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه شاسع الدار، وأن الطريق إلى المسجد غير آمنة، لوجود الهوام والسباع، وبالرغم من كل هذه الأمور مجتمعة لا يعذره النبي صلى الله عليه وسلم، وحينها ينتقل الأمر من معارضة نصّ لِنصّ، إلى معارضة نصّ لأصل ومقصَد، ولذلك ما كان ينبغي التردّد في القضاء للمقصد على حساب النص، وبخاصة أن هذا النص قد شُكِّك في اتصاله.

صحيح أن علماءنا لم يحسموا الأمر، وتركوا الباب مشرعا، حتى اتُّخذ الحديث أصلا في فرضية صلاة الجماعة، لكن لهم إشارات تمهِّدـ بل تكاد تنطق بما انتهينا إليه، ومن ذلك قول ابن رجب الحنبلي رحمه الله في فتح الباري(3/185): "... فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد" وقول الحافظ ابن حجر: " ليس فيه دلالة على فرضية العين، لإجماع المسلمين على أن الجماعة تسقط بالعذر! ولحديث الصحيحين: أنه عليه السلام رخص لعتبان حيث شكا بصره أن يصلي في بيته..."(مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح:3/834).



05



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4814