هل تنتصر باريس على نفسها؟
التاريخ: 10-9-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


التأم في باريس في الأسبوع الماضي اجتماع ضم أكثر من ثلاثين دولة ممثلة بوزراء الخارجية وسفراء تحت رئاسة السيد "فرانسوا هولاند" رئيس الجمهورية الفرنسية للتشاور والإعداد للمؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط الذي تريد فرنسا أن يعقد أيضا في باريس في بحر الخريف المقبل إذا لم يعرقل من طرف الدولة العبرية مستعينة بأذرع الصهيونية العالمية الكثيرة.

الأستاذ محمد الحسن أكـــيـــلال



لقد كان المسعى الفرنسي قبل هذا الاجتماع أن يكون مؤتمرا دوليا للسلام في الشرق الأوسط لإعادة الروح لمفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية التي قضى عليها نهائيا رئيس الحكومة الصهيونية "نتانياهو" وقبله أسلافه الذين يبدو أنهم اتفقوا كلّهم على توظيف تلك المفاوضات لترسيم وشرعنة احتلالهم لكل الأراضي الفلسطينية وكل القدس المحتلة وتهويدها وفرض الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني الصامد، بل ما بقي منه في تلك الأرض للإذعان والخضوع لقدر التسفير إلى أراضي الشتات عبر العالم للعيش في ملاجئ أبدية تحت رحمة الدول المانحة التي تمول صندوق اللاجئين التابع للأمم المتحدة "الأورونوا". ربما بقي شيء من أنفاس الزعيم الفرنسي "دوغول" القومية، وربما شيء من أنفاس جزء من اليسار الفرنسي الذي بقي منه اسم الحزب وشعاره المتمثل في الوردة، وربما أيضا ما توصل إليه خبراء طبخ السياسة وإستراتيجيتها التي تستشعر عن بعد ما يمكن أن يفيدها في علاقاتها مع العرب والمسلمين.

وهذا شيء أكيد بعد أن ظهر للعيان ما وصلت إليه الولايات المتحدة الأمريكية في علاقاتها مع شعوب المنطقة بما في ذلك اليهود المحتلون لأرض فلسطين، حيث تتجلى مخاطر كثيرة من نتائج ما جرى ويجري في المنطقة في المستقبل المنظور.

سبق الاجتماع المنعقد في باريس اتصالات مكثفة قامت بها الدبلوماسية الفرنسية لعقد المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط وختمها رئيس الحكومة الفرنسي السيد "فالس" الذي زار فلسطين وقوبل من طرف رئيس الحكومة الصهيونية برفض مسعاه قبل حتى وصوله إلى تل أبيب، وبرفض كان خاليا من كل اللباقة الدبلوماسية المفترضة، ذلك الرفض تلته تدخلات على الخط على شكل الإعلان عن اتفاق إسرائيلي إماراتي على وجوب تنحية السيد "محمود عباس" رئيس السلطة الفلسطينية وتعويضه بالسيد "م. دحلان" القريب من الحكومة الصهيونية، بالتوازي مع تصريح آخر لرئيس الجمهورية المصري يقترح فيه عقد اللقاء في شرم الشيخ، كلا التدخلين تعتبرهما فرنسا نوعا من العراقيل التي تثنيها على مواصلة مسعاها الذي نال رضى الشعب الفلسطيني وكل الشعوب العربية، بل يعتبر حقيقة نصرًا مبينًا للدبلوماسية الفرنسية التي لم تجد مجالا أحسن وأخصب للاستثمار فيه مثل هذا.

لكن..لكن يجب الانتظار لمعرفة هل أن المسعى سيتواصل ويحقق الأهداف المنتظرة منه. إلى حدّ الآن إسرائيل وحدها التي تقف وراء رفض المسعى، والولايات المتحدة الأمريكية حاليا أبدت موافقتها، وقد حضر وزير خارجيتها الاجتماع وباركه وأيده رئيسه "باراك أوباما" ولكن لابد من الانتظار إلى حين انقشاع الغبار عن الحملة الانتخابية للرئاسة في الولايات المتحدة ومعرفة من المترشح ومن الحزب الذي سيفوز بهذه الانتخابات، والأكيد أن "نتانياهو" وهو يعلن رفضه فلأنه يحتمي بالأغلبية المطلقة من مجتمعه، ولأنه بهذه الأغلبية سيجد في أمريكا من الصهاينة الذين سيدعمون المرشح اليميني الجمهوري الأشد عداوة للعرب والمسلمين والأكثر انحيازًا لليهود الصهاينة المتطرفين ولطرحهم المعروف برفض حلّ الدولتين على أساس قرارات الشرعية الدولية.

لقاء باريس حتى ولو لم يصل إلى مستوى مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط، لكنه مع ذلك قد حقق للشعب الفلسطيني على الأقل ثلاثة مكاسب يمكن أن تستثمر فيها الكثير لتحقيق مكاسب أهم وأكبر وهي:

·        وضع القضية الفلسطينية في المرتبة الأولى في اهتمامات العالم حاليا بعد أن دفعت بها الأحداث في المنطقة إلى أسفل المراتب.

·        تبني البيان الختامي للقاء لأهم القضايا التي كانت و ما تزال الدولة الصهيونية ترفضها، و هي قرارات الشرعية الدولية و خاصة القرار 194 المتعلق بحق اللاجئين في العودة و رفض الاحتلال لأراضي عام 1967، و رفض المستوطنات.

·        تسقيف المفاوضات إن تمت و تحديد تاريخ لنهايتها و نهاية الاحتلال للأراضي.

ما يمكن الاستثمار فيه في هذا اللقاء من طرف الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يكون قبل مبادرة جادّة لتوحيد الصف الفلسطيني ضمن خيمة منظمة التحرير الفلسطينية والطلب الملّح من الطرفين المتنازعين (فتح وحماس) ترك الأسباب التي حالت وتحول دون استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية؛ هذا الاستثمار طبعا سيكون في دعم الدبلوماسية الفلسطينية التي لا يمكن نكران دورها في ما حدث في باريس.

للجامعة العربية التي تعاني من كثير من الأعراض الدالة على قرب انحلالها وتفككها أن تبادر هي أيضا إلى بذل جهود مضنية لافتكاك دور لها في هذا المؤتمر إن انعقد لكي لا تكون آخر راكب في القطار، وقد يكون ركوبها سلم العربة، وفي ذلك تقريب لأجل نهايتها، وذلك هو ما ينتظر العدو الصهيوني.

أما باريس فقد آن الأوان لتنتصر على نفسها وتتموضع في المكانة التي تريد بين الدول الكبرى الخمسة كقوة لها تأثيرها الذي منحته لها جغرافيتها السياسية باعتبارها جارة للوطن العربي. 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4815