الإغراء بالرحيل
التاريخ: 10-9-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


كنا نعبر هذا السهل الواسع الجميل، فلا نرى إلا أشجارا ملتفة واخضرارا شاملا، وصفاء يوحي بالسكون والهدوء في كل شيء، ونرى آلات الحرث والبذر والحصاد إما متوقفة أو متحركة...وكنا لا نسمع إلا أصوات العصافير وغناء الطيور، ولا نحس إلا هواء لطيفا لذيذا وأشعة الشمس مضيئة فاترة.

بقلم: إبراهيم قمور



وبعد سنين ليست كثيرة عدنا لنمر بذلك السهل الجميل، فماذا نرى وماذا نرى وماذا حدث؟ إننا نرى بنايات شاهقة، وأفواجا بشرية مزدحمة ونسمع أصواتا مختلطة، والواضح منها ينادي: أين المفاتيح؟ والحقيقة أن تلك المفاتيح تعتبر من الإغراءات على الارتحال من البادية إلى المدينة، لما يتحقق فيها من كسب بمجرد الانتقال وإقامة براكة أو ما يشبهها ثم البكاء والشكوى.

وعندئذ فما أسهل الحصول على شقة للكراء أو البيع. ولهذا يحق لنا أن نترك خلفنا تلك الأماكن التي تصعب فيها الحياة، ونأتي مرتحلين إلى حيث المال يأتي بالحيلة وتقنية التمثيل، وقد يكون من العقول وظلم العواطف، ورغبة الحنين الدائم، مغادرة تلك الأماكن التي عرفت ميلادنا ونمونا ونشأتنا، ولكن ألا ترون فلانا الذي التحق بالمدينة في غفلة من الزمن، قد اكتسب بسرعة أموالا وديارا وحوانيت عديدة ومكانة في المجتمع، بينما نحن بقينا نعايش الأشجار والأحجار ومعالم تغيير هذا السهل الجميل، ومتناسين معاني الحكمة التي تدعو إلى الارتحال واستبدال الإقامة الثابتة بغيرها، ولهذا أصبح الشباب في بعض البلدان المتفرقة يلومون آباءهم على بناء الفيلات والديار، لأن البناء يربطهم بالمكان وهم لا يحبون الارتباط به، ويفضلون عليه الحركة والانتقال، ويبدو أن هذا الإقبال على المدينة وضواحيها بالبركات والقصدير، والجري وراء قطع الأرض والشقق لبيعها أو لكرائها، إقبال غريب، وقد كان آباؤنا وأجدادنا يهابون المدينة وما قرب منها بسبب غلاء المعيشة وارتفاع الثمن الذي يدفعونه مقابل حياة ناقصة من بعض الوجوه، ومن بعض الوسائل الدنيوية.

والحقيقة أن الإغراءات التي كانت قائمة لدفع الناس إلى إقبال على المدينة وضواحيها: من تعليم وصحة وتكوين وأبواب العمل المؤقت والدائم، قد زالت وقد امتدت هذه المكاسب إلى جميع مناطق البلاد ولعلها أن تكون أحيانا أقوى وأنفع مما في المدينة أو ضواحيها، وما أروع أن يرتحل الناس من الريف بدافع أمواج الإغراءات الواقعية التي لا تكاد تحصى لكثرتها وتنوعها..ولكن الحقيقة تبين أيضا أن الفروق التي كانت تميز الحاضرة عن البادية قد انمحت منذ حقبة طويلة من الزمن، فالمدرسة، والمستوصف، ووكالات البريد وورشات العمل أوضاع موجودة في كل ناحية من الوطن. إن الذين ارتحلوا من قبل قد ظفروا بشقق في عمارات وما حولها من الأراضي، أصبحت ملكا لهم يبيعونها دون وجه للحق ولكن بأسلوب حضاري كما يقولون في هذه الأيام العامرة بالفوضى العارمة، والتي تميل إلى ظروف الخطف والحيلة والاختلاس، وينتهي هذا الهم والغم إلى شيء من الطيبات والكسب الذي لا يتطلب جهدا، ويظهر أنه ما يزال وحي الإغراءات بالرحيل إلى المدينة مسيطرا ومؤثرا على الناس، رغم أنها زالت وانتهى أمرها، لماذا وكيف؟ لأن الذين رحلوا من قبل يتمتعون بمكاسب اقتصادية وثقافية واجتماعية لم يقدموا في سبيل تحصيلها ما يلزم من الوقت والتعب، إنهم قدموا فأقاموا بيوتا قصديرية مشوهة للبناء العمراني القديم والحديث، فنالوا بذلك شققا في عمارات جديدة، وفي أحياء جديدة، أليس هذا النوع من الانتقال يغري بالارتحال المتصل ويرغب في أن يكون بسرعة وتخطيط.

إنه لمن أبواب البحث الجدي عن الأحسن والأفضل والأنفع الاتجاه إلى تحليل وفهم الواقع من حولنا، لأنه أمر ييسر لنا الاستجابة الواعية لإغراءات الرحيل نحو المدينة وضواحيها حيث سهولة الحياة المادية، على أنها إغراءات ينبغي أن تخضع للتوجيه والإرشاد بسبب كثرة الفئات المستجيبة لها، والمقبلة عليها بحماس شديد، مع أننا نرى في السهل عمارات شاهقة، ونسمع تنبيه السيارات فقط.          







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4816