المطلوب : بعث نقاش وطني واسع حول الغش
التاريخ: 10-9-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


   رُبّ ضارة نافعة؛ فبعد التسريب الواسع لأسئلة مختلف مواد امتحان البكالوريا مؤخراً، بدأ الحديثُ عن استشراء آفة الغش يأخذ جانباً مهمّا من أحاديث الجزائريين، وبدأ الجميع يدقّ أجراس الخطر نبّه إلى مدى تفشي هذه الآفة في حياتنا وانتشارها على نطاق واسع، وفي مختلف القطاعات والمستويات، ما يشكل خطرا داهما على قيم المجتمع وأخلاقه وتماسكه.

بقلم: حسين لقرع



 

 

   ربما كان تسريب أسئلة البكالوريا مؤخراً أحد أشكال الغش الضارة بالمجتمع وبقيمة العلم ومصداقية التعليم والشهادات بالبلاد، لكن هذا النوع من الغش، ومهما كان صداه واسعاً وبلغ حتى إلى خارج حدود البلاد كآفة بدأت تمسّ عددا من الدول العربية والإفريقية، يسهل في الواقع معالجته بإجراءات احترازية صارمة، ومنها على سبيل المثال، قطع مواقع التواصل الاجتماعي قبل الامتحان بأيام، وخلال كل أيام البكالوريا، فيتعذّر بعدها تسريب الأسئلة إلا بطرق بدائية تقليدية بعيدا عن النشر الإلكتروني الذي يكاد يصل إلى كل مرشح للبكالوريا، ونحن نعلم أن التسريب التقليدي الذي حدث في عام 1992 في عهد الوزير علي بن محمد، كان محدودا ومسّ بعض أحياء العاصمة وثانوياتها لا أكثر، بخلاف التسريب الأخير الذي بلغ مئاتِ الآلاف من المترشحين النظاميين والأحرار على المستوى الوطني.

   الغش الحقيقي الذي ينخر المجتمع وقيمَه موجودٌ على مستويات أخرى عديدة، ومنها مثلاً الغش في التجارة، وهو برأينا أخطر من الغش في البكالوريا، لأن الغش في التجارة مستديم، وهو يهدّد صحة ملايين المستهلكين وحتى حياتهم للخطر، وقد لا يمكن تجاوز آثاره في الوقت المناسب ويقع ضحايا كثيرون له، في حين أن تسريب أسئلة البكالوريا قد يكون حادثا ظرْفيا قد لا يتكرر مع تشديد الإجراءات، وأضراره محدودة ويمكن تجاوزها بإعادة البكالوريا كليا أو جزئيا.

   الأمثلة حول الغش في التجارة كثيرة جدا وأصعب من أن تُحصى حتى على أيدي فرق مكافحة الغش، وهو "عادة يومية" في أسواقنا يشكو منها كل المواطنين، ولا تكفّ الصحف عن نشر مثل هذه الحالات المؤسفة يومياً، ومنها تسمين الدجاج والديك الرومي وحتى الغنم والبقر بمواد كيماوية تُدسّ في أعلافها قصد تسمينها ومضاعفة الأرباح منها، والأمر نفسه ينطبق على تسمين الخضر والفواكه في المزارع بمواد كيماوية، وهذا دون أن يكترث الغشاشون بما يخلّفه ذلك من أمراض خطيرة قد تصيب المستهلكين وتعرّض حياتهم للخطر.

   ومنذ أيام فقط، وضع أمنُ دائرة عين أزال، 50 كلم جنوب ولاية سطيف، يده على نحو 20 قنطاراً من "الفريك" المغشوش الملوَّن بمادة كيميائية موجَّهة فقط لتلوين البلاط، قصد منح "الفريك" لوناً أخضرَ يسرّ الناظرين، ولا علاقة لهذا الملوّن بالاستهلاك البشري ولا حتى الحيواني، ولكم أن تتصوروا ماذا كان سيحدث لو مرّت هذه الكمية الضخمة من "الفريك" المغشوش إلى الأسواق في عزّ رمضان؟ ألا يملك هؤلاء التجار الغشاشون ذرة إيمان بالله حتى يلوِّنوا مادة غذائية بمادة كيميائية خطيرة موجَّهة لبلاط البناء؟ ألا يدرون أنهم يعرِّضون بذلك حياة آلاف المستهلِكين لخطر الموت أو الإصابة بأمراض خطيرة مستعصية قد يحتار الأطباء في تشخيصها وعلاجها؟

   ومنذ أيام أيضاً، نشرت صحفٌ عديدة أخباراً عن ضبط مواد فاسدة في عين الدفلى وتيزي وزو كانت موجّهة للعائلات الفقيرة تحت غطاء "قفة رمضان" وكانت المواد الغذائية الفاسدة كثيرة ولا يتعلق باستثناءات قليلة حتى نتحدث عن "أخطاء غير مقصودة". مثل هذا الغش الذي يرتكبه مسؤولون محليون يبيّن درجة الاستهتار بالحياة البشرية لدى الكثير من مسؤولينا في مختلف المواقع والمسؤوليات، وإلا ما معنى التخلّص من مواد غذائية فاسدة بمنحها للعائلات الفقيرة عوض أن يكون مصيرها الإتلاف والمزابل؟ الأمر لا يتعلق بالغش في السلع فقط، بل يتعلق أيضاً بالغش في الفواتير المضخّمة وبصفقات فاسدة تُحوّل فيها الملايير من أموال الدولة إلى جيوب مسؤولين محليين فاسدين تحت غطاء اقتناء "قفة رمضان" للفقراء! 

   أمام مثل هذه الحالات التي تعرّض أرواح المواطنين وصحتهم للخطر، تبدو بعض أنواع الغش التقليدية كعرض سلع جيّدة في الأسواق وإخفاء السلع الرديئة لتقديمها للزبائن دون أن يشعروا، "متواضعة" و"مقبولة" مقارنة بما يحدث من كوارث تعرّض حياة الناس إلى خطر الموت أو الإصابة بأمراض فتاكة.

   طبعاً أنواع الغش لا تقتصر على التجارة فقط، وإن كانت تبدو هي المظهر العام، فهناك غش في مختلف جوانب حياتنا، لعلّ أخطرها الغش في الانتخابات الذي ينشأ عنه مؤسساتٌ مغشوشة تحكمنا باسم "إرادة الشعب" المزعومة، ولا تجلب لنا إلا الكوارث والفساد...

   الغش في البكالوريا إذن منبوذٌ ومرفوض ويجب ضرب الغشاشين ومسرّبي الأسئلة بيدٍ من حديد، لكن الغش في كل القطاعات مرفوض أيضاً، ويجب ملاحقة الغشاشين حيثما كانوا ومعاقبتهم بشدّة، من غشنا فليس منا، هو حديثٌ ينطبق على كل الغشاشين وحيثما كانوا وفي كل القطاعات، وليس على نوع واحد فقط تسلّط عليه الأضواء في فترةٍ ما. المسألة مسألة قيم وأخلاق تتراجع باستمرار أمام طغيان الانتهازية والجشع والفساد والأنانية وتراجع الوازع الديني...وذلك ما ينبغي أن نفتح نقاشا واسعا ومعمقا حوله، وما البكالوريا سوى البداية لذلك.

 

  







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4817