بين صائمين..!
التاريخ: 10-9-1437 هـ
الموضوع: بالمختصر المفيد


هناك اختلاف كبير بين صيام المؤمن المحتسب الذي يرجو من الله الرضوان والغفران في شهر القرآن، وبين صيام المرء على سبيل العادة ليس إلا،{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }.[البقرة: 170]. لأنه وجد آباءه يصومون فصام، فرمضان بالنسبة له مجرد جوع وعطش فقط من طلوع الفجر حتى غروب الشمس... ثم بعد ذلك يأتي وقت السهر واللهو واللعب، فتضييع الأوقات في الأمور التافهة، ولا يكون الفرق عنده بين الشهور كلها إلا الامتناع في شهر رمضان عن الأكل والشرب..!



 

ولهذا جاء في الحديث صراحة أن الغاية من الصيام أن يرفع الإنسان المسلم من درجة القرب من الله حتى يصل إلى مرتبة الإحسان التي تجعل منه عبدا يلتزم بأوامر ربه في السر والعلن، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، رواه البخاري رقم 1804.

قال الإمام ابن حجر في الفتح: " قوله: (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) قال ابن بطال : ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه، وهو مثل قوله: "من باع الخمر فليشقص الخنازير" أي : يذبحها، ولم يأمره بذبحها ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر. وأما قوله : (فليس لله حاجة) فلا مفهوم له، فإن الله لا يحتاج إلى شيء، وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة، وقد سبق أبو عمر بن عبد البر إلى شيء من ذلك.

قال ابن المنير في " الحاشية ": بل هو كناية عن عدم القبول، كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئا طلبه منه فلم يقم به: لا حاجة لي بكذا. فالمراد رد الصوم المتلبس بالزور وقبول السالم منه، وقريب من هذا قوله تعالى" : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم" فإن معناه: لن يصيب رضاه الذي ينشأ عنه القبول. وقال ابن العربي: مقتضى هذا الحديث أن من فعل ما ذكر لا يثاب على صيامه، ومعناه : أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه. وقال البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول، فقوله : ليس لله حاجة مجاز عن عدم القبول، فنفى السبب وأراد المسبب، والله أعلم".

قال لي أحد المصلين يوما: كيف أستبين أن صيامي مقبول.؟

قلتُ له: علمُ ذلك عند ربي، ولكن لكل عبادة أثر، فإن أحسست بأنك بعد رمضان ازددت رقيا روحيا، وتقدما في دينك، وصرت أكثر التزاما، فإن ذلك من المبشرات بقبول العمل، وإلا فابكِ على نفسك..!

إن رمضان فرصة مواتية ليتخلص فيه بعض الناس من عوائد ضارة، وأفعال لا تتماشى مع ما يدعو إليه الإسلام من أخلاق وسلوكات، وهو فرصة أيضا ليتحصل الـمؤمن على زاد رباني يتقوّى به على مفاتن الدنيا وشهواتها، ومكايد الشيطان ووساوسه، ورغبات النفس ومطامعها...

ولكن كثيرا من الصائمين يحوّلون رمضان– للأسف –  إلى "مدرسة للمشاغبين" فعوض أن ينضبطوا فإنهم يتهورون أكثر، وعوض أن يستقيموا فإنهم يتفننون في الاعوجاج والانحطاط، وعوض أن يتقربوا إلى الله زلفى فإنهم يبتعدون عنه بأقوالهم الفاحشة، وأعمالهم السيئة..!

ولعله لا ينافس سيئة "التشاجر والتلاسن والضرب بالأيدي والرؤوس" في نهار رمضان من بعض الذين يتعللون بالصيام إلا سيئة "التبذير" التي أصبحت من العادات الـمقيتة في الأسرة الجزائرية في شهر التقوى والصبر والغفران.!

فهنيئا للصائمين القائمين الذين ستدركهم رحمة الله ومغفرته، والعتق من النار جزاء صيامهم الـمقبول، ورَغُم أنف امرئ أدرك رمضان ولـم يُغفر له..!



01



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4818