وما آفة الأخبار إلا رواتها
التاريخ: 10-9-1437 هـ
الموضوع: مع رئيس التحرير


هذه العبارة التي وضعناها عنوانا لهذا الموضوع، هي مثل يضرب في مواطن الإخلال بأمانة نقل الأخبار في جميع المجالات، وقد عانت الأمة في الكثير من قضاياها بسبب النقول المشوهة، وحركة الوُضَّاع في تاريخنا الإسلامي شاهدة على ما أصيب به حديث النبي صلى الله عليه وسلم من تشويه وتزوير لحقيقة النبوة والنبي، وكذلك التاريخ السياسي والإجتماعي للأمة، فقد شوهت تفاصيله بسبب الروايات المهزوزة، لأصحاب الأهواء والنفوس المريضة، ولعل من الفتوحات الربانية على العالم اليوم هذه القفزة الهائلة في عالم السمعي البصري، الذي ينقل المشاهد والأقوال والأفعال إلى من لا يحضرها، وقد ساهمت وتساهم في قمع تلك الآفات المخلة بقيم الإنسان النبيلة، أو على الأقل قلصت من آفات الرواة وجناياتها على الأخبار.



 

والسبب في هذه الآفة التي اعتبرها المثل العربي المذكور، هي مصيبة المصائب، حيث حصرها في الرواة تحديدا، أن عملية نقل الأخبار عملية معقدة جدا، وليست مجرد سماع لكلام وروايته وكفى، ولذلك كانت معرفة ناقل الخبر من أهم ما ينبغي الانتباه إليه، وفي عرفنا الجاري أن تعاملنا مع الأخبار المهمة، كثيرا ما نحرص على التثبت منها، كأن يقول الواحد منا لمن ينقل له خبرا "ومن قال لك هذا؟"؛ لأن الخلل قد يكون في الناقل والراوي وليس في الخبر أو الرواية ذاتها، والخلل في الناقل ليس بالضرورة عن سوء قصد وإنما لأن طبيعة النقل في أصلها معقدة وتحتاج إلى فطنة زائدة، ولذلك المفترض في الإنسان السوي أنه لا يتكلم كثيرا، ولا يتحدث إلا بمقدار "ما كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"، ويظهر تعقيد الرواية والنقل في جملة من التصرفات.

1.  طبيعة الإنسان أنه يسرع بالكلام عن كل ما سمع أو رأى، ولا يتثبت وهذا ليس محبذا لمخالفته التوجيه القرآني (...إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا...)، ؛ ولأن كثرة الكلام بالأساس عرضة لكثرة الخطأ؛ بل والكذب أحيانا، لأن المكثر من الكلام سيضطر إلى الإضافات والتزيينات اللفظية وتنويع الصياغات، وكل ذلك يفضي حتما إلى الكذب، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع"؛ لأن التحديث بما سمع لا يكون وظيفيا وإيجابيا إلا عندما يكون فيه التحري والتثبت والتشوف للوظيفة من الخبر والرواية مقاصديا.

2.  كثير من الناس يحدث بما فهم وليس بما سمع أو رأى أو قرأ، والفرق شاسع بين ما نسمع من كلام وبين ما نفهمه منه، ولذلك نلاحظ أن مجموعة من الناس تسمع متحدثا واحدا، ولكنهم يخرجون بفهوم مختلفة ومتنوعة، فيروون ما فهموا وليس ما سمعوا، فتكون رواياتهم متعددة ومختلفة بتعدد واختلاف الفهوم. ولو أردت استحضار مشكلات سببها النقل بالفهم لأحصيت العشرات من المصائب مما أعرف ومنها ما تسبب في تسميم العلاقات بين الناس، من تقطيع أوصال أسر، والنيل من أعراض رجال ونساء وإطارات فاعلة قصمت ظهورها بسبب تنطع زيد وكذب عمرو.

3.  الرواية بالشهوة والانتقاء، وهذه في الكثير من الأحيان من أبشع الآفات، إذ تستعمل في التشهير والتحقير والتهوين والتهويل، فينتقي الراوي ويصوغ ما يريد روايته بالمعنى الذي يريد، وفق صيغ الحب والبغض و"عين الرضى عن كل عيب كليلة وعين السخط تبدي المساويا".

4.  والدعاية والإشاعة، وهي من الأساليب الإعلامية التي يستعين بها السياسيون والحزبيون عموما في تصفية الحسابات مع خصومهم في ساحات النضال، فلا يذكرون الحقائق كاملة لأنهم لا يريدون لها أن تصل كما هي، وإنما يتكلمون بما يوهم بالشيء الذي لا يريدون التصريح به؛ لأن ما يريدون له الوصول إلى الفئة المستهدفة هو الوهم.

5.  وهذه النقطة متعلقة بما يكتب في نقل الأخبار وروايتها، وهي الصياغة؛ ذلك ان صياغة الفكرة في بعض الأحيان لا تكون محايدة، فتكون الصياغة بشكل يوحي بغير الحقيقة كما وقعت.. وهنا يمكن تلمس الفرق بين الحقيقة وروايتها بأسلوب ما، في الفرق بين فهمين لنص واحد.

ولحمياية من هذا الآفة هي التقيد بالتوجيه النبوي، من ناحية التقليل من الكلام من غير فائدة؛ لأننا محاسبون على ما نقول (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، والتثبت من الأخبار التي نسمعها أو نقرأ عنها، وعندما ننقلها إلى الغير نتحرى مواطن مساهمتها في البناء وليس في الهدم؛ لأن الحرص على رواية ما لا ينبني عليه عمل، كلام يشبه الكلام الفارغ.

ذلك أن امتدادات هذه الآفة في واقع الناس، ليست مجرد كذبة تحسب على صاحبها وهي كبيرة أيضا، وإنما يمكن أن تمتد إلى إفساد علاقات وفهوم وتزوير حقائق وإفساد عادات وتحريف معاني.

 



32



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4821