ملتقى العلم والدين
التاريخ: 10-9-1437 هـ
الموضوع: كلمة حق


نظمت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الأسبوع الماضي ملتقى دوليا عن موضوع العلم والدين، بالتعاون مع المكتبة الوطنية، والمدرسة الوطنية العليا المتعددة التقنيات، ألقيت فيه محاضرات منها محاضرة الأستاذ جون ستون وهو فيلسوف العلوم بباريس عن التقارب الحاصل في العقود الأخيرة بين العلم والدين، وخاصة الفزياء والفزياء الفلكية، إذ أنه وقع انقلاب كبير وإن شئت قلت ثورة في رؤيتنا للعالم.



وألقى فرنسوا عالم الفزياء المشهور بحثا عنوانه " اللانهائي في الصغر واللانهائي في الكبر" فلم يعد هذا الكون وما فيه من مجرات تعد بالمليارات أبديا لا أول لوجوده كما كان يزعم الفلاسفة والفزيائيون، إنه محدث ومخلوق، فأصبحت المادة، والطاقة، والمكان، والزمان لها بداية، وناشئة بعد أن لم تكن.

وذلك أن ما وصل إليه علماء الفزياء اليوم من نظرية تسمى عندهم بـ "الانفجار الكبير" Big Bang يثبت أن لحظة قصيرة وجد عندها الكون، وليس معنى هذا أنه وجد في زمان، بل الزمان وجد معه أيضا، كما وجد المكان والطاقة، مما يشير بوضوح فيما يرى كثيرون من الفزيائيين إلى وجود مهندس أكبر وراء هذا الوجود، كما أثبت الفزيائيون مسألة مهمة لها علاقة بهذا الذي يسمى الانفجار الكبير وهو ما يسمى بالتوسع، توسع الكون وانتشاره ****، فالكون بما فيه من مجرات في توسع متواصل، وكلما مضى في التوسع أسرع فيه بسرعة مذهلة إلى ما لانهاية له.

وهذا الذي يسمى بالانفجار الكبير يسمى في القرآن بالفتق أو الانفصال، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة:{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}[الأنبياء:30].

وظاهر الآية صريح في هذه النظرية الفتقية، التي انبثق عنها الوجود كله، واشتق الكون، ومعنى الفتق الانفصال، انفصال الأشياء وتكونها من نقطة صفر{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}[النحل:40] في لحظة كلمح البصر، فكلمة "كن" تعبر عن الإرادة الإلهية في خلق ما يريد خلقه ووجوده، والتعبير باللغة الإنجليزية عن ذلك بأنه انفجار ليس دقيقا، ويحتاج إلى أن يشتق له لفظ يناسبه.

أما نظيرة انتشار الكون وتوسعه، فقد صرحت به آيتان من القرآن الكريم: الأولى قوله تعالى:{وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}[الذاريات:47]. وهذا التوسع الكوني، قرره العلماء بالرؤية، وبالمراصد الكبرى، وبالرياضيات، فقد أصبح علم الفلك اليوم تجريبيا، أي أن النظرية تقوم على التجربة وعلى معطيات علمية حسية.

والآية الثانية قوله تعالى:{يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَايَشَاءُ}[فاطر:1].

فالزيادة في الخلق مستمر متواصل متجدد، وهو ما قرره الأشاعرة في قولهم بالخلق المتجدد قديما، وانتقلت الفكرة إلى ديكارت عن طريق الترجمة، وهي التي يقول بها العلماء اليوم، ويقررونها.

هذان مثالان في هذا التقارب بين العلم والدين.

والقول بالتقارب بالنسبة للإسلام ليس دقيقا، لأنه لا توجد عداوة بين العلم والدين فيه، وإنما ينطبق هذا على بعض الديانات التي تعادي العلم وتحرق العلماء، وتمنعهم من القول بما يخالفها.

قد يعترض معترض ويقول إن العلم يتطور ويتغير، فلعل نظرية علمية نراها اليوم حقا، وتبطل في عصر آخر باكتشاف آخر، فلا يجوز أن نغامر وننسب إلى القرآن نظرية يثبت بعد ذلك أنها غير صحيحة أو تحتاج إلى تعديل.

نعم ينبغي القول بأن القرآن ليس كتابا في الفزياء أو الفلك وإنما هو هداية للإنسان في أساسه، ولكنه كتاب إلهي يوازيه كتاب آخر وهو الكون هذا قراءته قراءة حال، وذاك قراءته قراءة تلاوة قولية، ولا يتناقضان لأن مصدرهما واحد، ثم إنه إذا ثبتت قضية علمية قطعية، وأشار إليها ظاهر القرآن فلا مانع يمنع من أن نفيد منها في تفسير القرآن، وهو كتاب لا تنتهي معانيه وحكمه ومراميه. 



11



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4822