عملية ملهى أورلاندو..في خدمة ترامب ودعاة الإسلاموفوبيا
التاريخ: 17-9-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


   انشغل العالم الأسبوع الماضي بالعملية الدموية التي نفذها شاب أمريكي مسلم من أصل أفغاني في ملهى للشواذ بمنطقة أورلاندو، وأزهق فيها أرواح 49 أمريكياً، ثم بعملية قتل شرطيٍ فرنسي وزوجته في باريس على يد شاب فرنسي مسلم، وتحدّثت وسائل الإعلام العالمية عن خطر "الذئاب المنفرِدة" لتنظيم "داعش" والتي بات خطرُها يتعاظم في الغرب بعد اشتداد الحصار على التنظيم في العراق وسوريا وليبيا.

بقلم: حسين لقرع



 

 

   هذا الانشغال قد يبدو حقيقياً؛ فحينما يخسر التنظيم أبرز معاقله، فلن يبقى أمامه سوى التحوّل إلى السرية على طريقة تنظيم "القاعدة" والاكتفاء بتنفيذ عملياتٍ انتحارية ودموية بالشكل الذي رأيناه في فرنسا وبلجيكا وأمريكا وبلدان عديدة في العالم، وهنا لابدّ أن ننتظر أن ينفّذ التنظيم عملياتٍ عديدة تقع في مختلف بلدان العالم في الأشهر والسنوات القادمة ينفذها "الذئاب المنفردة" لـ "داعش".

   لكن الملاحظ في المسألة هو أن الإعلام العالمي تعامل مع ضحايا ملهى أورلاندو بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع ضحايا تفجيرات فرنسا وبلجيكا ومختلف الضحايا الغربيين، وهو الاهتمام البالغ بهم وإشغال العالم كله بهم، في حين يُقتل العشراتُ يوميا في العراق وسوريا وليبيا ونيجريا على يد "داعش" وفروعه، دون أن ينالوا الاهتمام نفسه، ما يكرّس العقدة الغربية التي تنظر إلى ضحايا الغرب على أنهم أسمى من الضحايا العرب والمسلمين.

   ولعله من الواجب التأكيد هنا أن هذه الجريمة مدانة بكل المقاييس؛ فبأيّ حق يقوم مسلمٌ بالهجوم على ملهى ليلي في بلدٍ غير مسلم ويقتل مرتاديه بذريعة أنهم شواذٌ خالفوا فطرة الله؟ هم يعيشون في بلدهم وفق قوانينهم الوضعية ووفق نمط حياتهم، وهم غير مسلمين بل يتبعون دينا آخر، وحتى لو كانوا مسلمين وشواذا: هل كان يجوز لأيّ مسلم أن يُصدر حكما شرعيا بحقهم وينفذه بنفسه؟ أليس هناك وليّ أمر ومحاكم مختصة في معالجة شتى القضايا وإصدار الأحكام؟ من منح الحق لهذا المسلم الأفغاني بقتل 49 شاذا في بلدهم؟ بل من منحه الحق في قتلهم حتى في بلدٍ إسلامي؟

   هذا النوع من التعامل المتطرِّف المنغلِق مع الغرب بآفاته الأخلاقية، ينمّ عن تهوّر وطيش وتعصّب مقيت، وعن رغبة في محو الآخر من الوجود وعدم استعداد للتعايش السلمي معه، ولو كان أقوى منه بكثير، وبهذه الطريقة يُلحِق هؤلاء المتعصِّبون أضراراً فادحة بالإسلام والمسلمين، ويمنحون الذخيرة لأنصار اليمين المتطرّف في أمريكا والغرب كله لتصعيد حربهم على الإسلام والمسلمين المهاجرين الذين يعيشون في بلدانهم، وتصعيد اضطهادهم والنيل منهم ومضايقتهم حيثما حلو وارتحلوا، كما يمنح الذرائع للحكومات الغربية لتشديد إجراءاتها الأمنية والقانونية ضد المهاجرين، والنظر إليهم كلهم على أنهم "إرهابيون محتملون" يمكنهم أن يكونوا "ذئابا منفردة" لـ "داعش" في أي وقت وينفذوا في أي لحظة هجماتٍ ضد الدول التي آوتهم ووفرت لهم الوظائف والسكنات وحتى المنح الاجتماعية للبطالين منهم...

   لقد رأينا كيف سارع المرشّح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأمريكية دونالد ترامب إلى استغلال مذبحة ملهى أورلاندو لنفث أحقاده ضد الإسلام ووصفه بـ"الإسلام المتطرِّف" وهاجم الرئيسَ باراك أوباما لأنه لم يستعمل بدوره هذا الوصف ودعاه إلى الاستقالة لأنه عجز عن حماية أرواح الأمريكيين ولأن الإرهابيين وصلوا إلى قلب أورلاندو، وقدّم نفسه بديلاً مثالياً للناخبين الأمريكيين وأنه سيحميهم ويحافظ على أمنهم ويمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة إذا أنتُخِب رئيسا لها في 8 نوفمبر القادم.

   كما رأينا المرشحة الديمقراطية هيلاري وهي تسارع إلى اتهام السعودية والكويت وقطر بـ"دعم المتطرفين وتمويلهم"، ودعتهم إلى قطع الدعم عنهم فوراً، وفي ذلك كله استغلالٌ كبير لمذبحة أورلاندو لأغراض انتخابيةٍ واضحة وضوح الشمس، إذ يحاول كل مرشّح إثارة مخاوف الأمريكيين من الإرهاب وتقديم نفسه على أنه يملك الحل السحري لهذه الآفة.

   ومن باب الموضوعية، يجب أن نشيد أخيراً بموقف أوباما من حادثة أورلاندو؛ فقد قال إن المتطرِّفين يحاولون جرَّنا إلى معركة مع مليار مسلم، وهم يقدّمون أنفسهم أوصياء على الإسلام والمسلمين، وهذا خطأ، فأمريكا في معركةٍ مع الإرهاب فقط، كما رد على ترامب بالقول إن المسلم الذي نفذ العملية ليس أجنبياً اخترق الحدود الأمريكية بل هو مواطنٌ أمريكي، وهو بذلك أكثر إنصافا من الفرنسيين الذين عادة ما يركِّزون على الأصول الإسلامية لمنفذي العمليات الإرهابية ببلدهم، ويتفادون القول إنهم مواطنون فرنسيون ويحملون الجنسية الفرنسية، في حين أنهم يفعلون العكس مع المسلمين الذين يشرّفون فرنسا في ميادين أخرى ككرة القدم مثلاً ولا يتحدثون عن أصولهم ويقدّمونهم على أنهم فرنسيون..وكفى!

 

    

 

 







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4825