صورة من أخلاقيات أهل مكة المكرمة في ذاكرة ابن بطوطة
التاريخ: 17-9-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


يكاد أهل الأدب والوصف والتاريخ والرحلات يُجمعون على أن أهمّ وأخصب وأغنى نص عربي قديم في فن الرحلة ووصف المدائن والأمصار هو نص أو مدونة الرحالة المغربي الطنجي محمد بن عبد الله اللواتي الشهير بلقب ابن بطوطة، الموسوم بـ "تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار "..

بقلم: د. إبراهيم نويري ــ كاتب وباحث أكاديمي 



ومن يطالع هذه الرحلة النفيسة يجد أن  الحديث عن منزل الوحي مكة المكرمة وأهلها وأعيانها ونزلائها ومجاوريها قد انداح وتشعّب حتى اشتمل على تفصيلات كثيرة، وما ذلك إلا لمنزلة مكة المكرمة ـــــ زادها الله تشريفا ـــــ في روح وفكر ابن بطوطة، فقد استولى حب مكة عليه مما جعله لا يصبر عن زيارتها خاصة في مواسم الحج التي حضر سبعاً منها كما ذكر في رحلته، كان آخرها موسم حج سنة 749هـ ..

 وأحبّ في هذه الأسطر العجلى أن أنقل إلى القارئ الكريم نتفاً من هذه الرحلة وهي على قلتها نظراً لمحدودية مساحة هذا المقال قد تُعطي صورة عن مدى احتفاء ابن بطوطة بمكة المكرمة وبأهلها ومدى إعجابه بمسالكهم وأخلاقهم.

ففي معرض حديثه عن بعض جوانب أخلاقيات أهل مكة ومدى انعطافهم  الطوعي النبيل نحو أعمال الخير والبر ومواساة الضعفاء والمساكين والمحتاجين نجده يقول: ".. ولأهل مكة الأفعال الجميلة، والمكارم التامة، والأخلاق الحسنة، والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين، وحسن الجوار للغرباء، ومن مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمةً، يبدأ فيها بالطعام للفقراء المنقطعين المجاورين، ويستدعيهم بتلطّف ورفق وحُسن خُلق، ثمّ يُطعمهم. وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران حيث يطبخ الناس أخبازهم، فإذا طبخ أحدهم خبزه واحتمله إلى منزله يتبعه المساكين فيعطي لكلّ واحد منهم ما قُسم له، ولا يردّهم خائبين. ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يُعطي ثلثها أو نصفها، طيّب النفس بذلك من غير ضجر"[ص 168].

  ثمّ ينتقل ابن بطوطة فينقل لنا صورة أخرى من مسالك أهل مكة المكرمة، وهي وإنْ كانت مماثلة للصورة السابقة، بيد أنها تتعلّق بفئة أخرى من خلق الله تعالى، إنهم فئة الأيتام الصغار الذين وجدوا ملاذاً لهم في قلوب أهل مكة العطوفة الرحيمة الودودة الرقيقة، حيث يقول: " ومن أفعالهم الحسنة أن الأيتام الصغار يقعدون بالسوق، ومع كلّ واحد منهم قفّتان كبرى وصغرى، وهم يسمّون القفة "مكتلا "،

فيأتي الرجل من أهل مكة إلى السوق، فيشتري الحبوب واللحم والخضر، ويعطي ذلك الصبي، فيجعل الحبوب في إحدى قفتيه، واللحم والخضر في الأخرى، ويوصل ذلك إلى دار الرجل ليهيأ له طعامه منها، ويذهب الرجل إلى طوافه وحاجته، فلا يذكر أن أحداً من الصبيان خان الأمانة في ذلك قط.."[ ص 169].

ومن الحديث عن أعمال البر والخير ينتقل ابن بطوطة إلى ذكر شدّة اعتناء أهل مكة المكرمة بالنظافة واستعمال الطيب والسواك، والحرص على اللباس الأبيض الناصع فيقول: " وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس، وأكثر لباسهم البياض، فترى ثيابهم أبداً ناصعة ساطعة، ويستعملون الطيب كثيراً ويكتحلون، ويُكثرون السواك بعيدان الأراك الأخضر.."[ ص 169].

هذه لمحة عابرة مقتضبة عن بعض الجوانب والمسالك الخاصة بأهل مكة المكرمة خلال القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، كما صوّرها الرحالة الفقيه الأديب المغربي ابن بطوطة -رحمه الله- في رحلته التي طبقت شهرتها الآفاق.

وصلى الله وسلم على الحبيب المصطفى الأمين.







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4826