تسريب موضوعات البكالوريا انحطاط معنوي رهيب
التاريخ: 17-9-1437 هـ
الموضوع: مساهمات


الراجح لدى قوم أن أغلبية النخبة المثقفة عندنا ليست راضية على المستوى التعليمي التربوي في جميع مراحله الابتدائي والمتوسط والثانوي والجامعي أيضا، ويريدون أن يكون أرفع وأرقى وأكثر ارتباطا بالحياة، وعدم الرضا والاطمئنان هذا تعبر عنه بعض الكتابات في الصحف بين الحين والآخر،

بقلم: إبراهيم قمور



 

وتظهره بعض اللقاءات والمناقشات، والأحكام التقييمية العادية وقد أضيفت في هذه السنة إلى البرامج كؤوس من العلمنة والتفتح على الحداثة والمواطنة وذلك للقضاء على الضعف المسجل فيما ذكر، ومع هذا فبعيد أن ترتاح النخبة إلى هذا المستوى التعليمي التربوي بالنظر إلى مستويات التعليم في العالم من حولنا وما يتميز من اتجاه إلى العلم والتقنية، والحقيقة أن عدم الرضا والسخط علامة على يقظة المجتمع وإقباله على ميدان التجدد واستعداد للانطلاق في عالم الابتكار والكشف، ونظن أنه يحاول مغادرة وضعية التعليم القائم على قال، وقال، وقالوا وقلنا... ومال إلى أسلوب الحوار والبحث وتنبيه الذكاء وتحريك القوة العقلية، وهذه النخبة المثقفة التي لا يرضيها المستوى التعليمي الراهن، لا ترضيها عملية تسريب أسئلة امتحان شهادة البكالوريا وكأنها عملية تدل دلالة قاطعة على انحطاط معنوي رهيب ومخيف ومشجع على تخريب فضائل المجتمع، ومع أن الاختلاس والغش في الوثائق موجود منذ القديم، وتعرفهما المجتمعات على اختلافها في التنظيم إلا أن العملية عندنا تبين أنها انحطاط معنوي رهيب ومخيف، وقد أثارت عملية اختلاس ونشر أسئلة البكالوريا ضجة كبيرة، وانفعالات مختلفة لأنها جرت في ميدان المعرفة الرفيع، ولأنها حدثت من أطراف استهانت بالواجب الذي تدفع بموجبه الأجور للعاملين والمشرفين على الامتحانات، وأمام هذا الانفعال الجماهيري الذي يوضح رغبة البعض في الإساءة إلى المجتمع والعبث بفضائه ومقاييسه العلمية وشهاداته القيمة، وهذا الانفعال الذي انعكس على التلاميذ والأساتذة والأولياء يعد من الصور التي نالت تحليلا وتقييما حتى وصلت إلى التساؤل، ما هو الغش؟ وكانت الإجابة: غش فلان فلانا، خدعه وأظهر له خلاف ما يضمره، وزين له خلاف مصلحته، وصرفه عن حاجته المطلوبة،  وهؤلاء أصحاب الفضيحة والعبث أرادوا مساعدة التلاميذ والعطف عليهم وتسهيل النجاح ولكنهم أوقعوهم في بلبلة وشك مسيطر وقلق عميق مؤلم، وفي نفس الوقت اعتدوا على حرمة الامتحانات، وفضيلة طلب العلم والسعي إليه بالجد والاجتهاد والنجاح بالسهر والدرس المتصل، فالغش كيفما يكن لونه، مرذول ومنكر من الأخلاق وترفضه جميع المعاملات البناءة والصافية من الدنس، ويقاومه العقلاء والمصلحون، ولعل أن يكون الغشاشون وأعوانهم أول المنكرين للغش لأن شعورهم الباطني لا يكف عن تأنيبهم وتعذيبهم أثناء لحظات من النهار أو الليل، والسؤال هنا، ماذا جنى هؤلاء الذين سربوا أو كشفوا أسرار امتحان البكالوريا؟ وما هي أسباب الإقدام على بعث هذه الفضيحة أو الكارثة كما يصفها البعض؟ في الإجابة نذهب إلى أنه قد يكون الحقد على المنظومة التعليمية أو الغيرة من نجاح المشرفين على تسييرها، وقد يكون الرغبة في تهديم مساعي الإصلاحات المقررة، ولربما قوة الفساد الكامنة في بعض النفوس، وتعبر عن وجودها حينما تتاح الفرصة لها، وهي تدل دلالة واضحة على انحطاط معنوي رهيب ومخيف...وكان ينبغي على هؤلاء الذين أثاروا هذه الضجة ونشروا هذه الحيرة والبلبلة التي ستدوم أياما، أن يقدروا نوع ومقدار النتائج التي يحصلون عليها، ومقدار فائدة المجتمع منها ثم يقبلون عليها، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، فارتكبوا جرما في حق التلاميذ والمشرفين على الامتحان والأولياء، وفي حق إضاعة المال والوقت في هذه الإعادة التي كنا في غنى عنها، لولا تدهور الحكم العقلي والشرعي عند طائفة من المسريين في شؤوننا، إذ أن تسريب وثائق البكالويا لسنة 2016 قد حدث في حدود المنظمين والمراقبين والمشرفين على تهيئة الامتحانات بهذا المستوى، وكنا نظن أن الغش يكون في المجالات التجارية، البيع والشراء وتبادل المنافع والمصالح المادية، وإذا به يلج ميدان السياسة وينال من طموح المجتمع إلى الأجواء العالية التي يحلق فيها الأحرار، وأهل المجد الثقافي، وإذا برغبة الفساد تتسلل إلى المعنويات محاولة زعزعة قيمة الشهادات العلمية عندنا، على أن عدم رضا النخبة عن المستوى التعليمي الراهن، لا ينبغي أن يقود إلى التهديم المؤثر وإلى هذا الوضع من العبث وزرع الشك والإحباط لدى التلاميذ والأولياء، وغرس الخوف وسط المجتمع والقلق الذي لا ينتهي إلى الاضطراب وعدم الاستقرار، ومتى كان التهديم سبيلا إلى الإصلاح في أي قطاع؟    







أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4827