إنما تسوء الأوضاع حين تسوء الطباع
التاريخ: 17-9-1437 هـ
الموضوع: محطات


إن سوء أوضاع العالم العربي والإسلامي، وما يجري على مسرحه من أحداث درامية دامية منذ بداية الألفية الثالثة وإلى اليوم، يجعل المنتمين إليهيتساءلونبكل ألم وحرقة: لماذا نحن من دون العالمين سلط علينا هذا العذاب؟ لماذا تنهال على عالمنا هذا وحده المصائب والكوارث انهيالا؟ ما سبب ذلك؟ ما علته؟وإلى متى ستستمر هذه الأوضاع على ما هي عليه؟ ثم هل هي قابلة للتغيير والتحول بها من الأسوأ إلى الأحسن؟ وإذا كان ذلك ممكنا حقا فلِمَ لم نبادر بذلك؟ ما الذي يمنعنا منه، ويحول بيننا وبينه؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تدل أكثر ما تدل على رفض إنسان هذه المنطقة لما يحدث، وأنه لا يجد له سببا منطقيا يبرره ويجعله مقبولا عقلا، كما تدل على توقه إلى تغييرها واستبدال واقعه الحالي المتأزم، الذي أنهكته الصراعات، ومزقته الفتن والحروب، بواقع آخر لا تعبث به فيه الصراعات، ولا يزعجه فيه هدير الدبابات، وأزيز الطائرات، ودويالانفجارات.



 

والحقيقة ليس الإنسان العربي والمسلم وحده الذي تلح عليه هذه الأسئلة، فهناك ما يدل على أن الكثير من الناس في العالم باتوا يرون أن ما يجري في منطقتنا هذه غير مقبول ولا معقول، فالوضع في فلسطين مرفوض بكل المقاييس، فكيف يعقل أن يطرد شعب بأكمله من أرضه ليحل فيها مكانه شعب آخر، ويسوم أبناء الأرض الأصليين سوء العذاب. وكيف يعقل أن تتحالف كل القوى الدولية على تدمير العراق وسوريا، وفرض التهجير القسري على شعبيهما؟ بحجة محاربة الإرهاب ومطاردته في معاقله؟

وهل يعقل ما يتعرض له اليمنيون من إبادة بسبب صراع إقليمي سخيف، غير قابل للتبرير بأي حال من الأحوال، ومهما كانت المسوغات التي يتشبث بها هذا الطرف أو ذاك؟

كما لا يعقل البتة ما يتعرض له مسلمو الإيغور في الصين من تضييق شديد عليهم بسبب انتمائهم الديني.

وليس من المقبول البتة تلك التصفية العرقية التي يتعرض لها مسلمو ماينمار، كما لا يمكن تفسير ما تعرض له مسلمو إفريقيا الوسطى، من تصفية جسدية مباشرة وإكراههم على هجر الأوطان.

ولا هو من المعقول ما قامت وتقوم به الولايات المتحدة وحلف الناتو من استهداف لعناصر في باكستان وأفغانستان بواسطة الطائرات بدون طيار حتى ولو كانوا وسط تجمعات مدنية.

ولكننا على رغم ذلك لا نستطيع أن نفسر سوء الأوضاع في عالمنا العربي والإسلامي برد الأسباب إلى العوامل الخارجية والتدخل الأجنبي وحده، لأن ذلك يعتبر تنصلا من مسؤولياتنا نحن عما آلت إليه الأوضاع من سوء، كما أن الواقع التاريخي يثبت أن العوامل الخارجية والقوى الأجنبية لا تصبح مؤثرة وفاعلة في منطقة ما، إلا إذا تطرق الضعف إلى تلك المنطقة من قبل، بسبب الصراعات السياسية والاجتماعية التي تسهم في تآكل الجبهة الداخلية فتجعلها عاجزة عن التصدي للعدوان الخارجي الظاهر منه والخفي.

والحقيقة التي لا يمكن التنكر لها والتهرب منها هي: أننا نحن المسؤولين عن تردي الأوضاع في أوطاننا، دون أن يعني ذلك إخلاء مسؤولية الأطراف الدولية الخارجية من المساهمة فيذلك، ولكن نصيبنا من المسؤولية أكبر وأعظم، فإغفالنا العناية بتحسين أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية، عن طريق الاهتمام بالتربية والتعليم، والبحث العلمي الجاد، جعل الحكومات تعجز عن تلبية الحاجات الأساسية لشعوبها، مما أوجد الأسباب القوية لنشوب الصراعات السياسية التي هيأت الظروف المواتية للتدخل الأجنبي المباشر وغير المباشر.

إذن إن ما نراه من سوء الأوضاع إنما يرجع إلى ما اعتور طباعنا نحن من سوء وتردٍ وانحراف عن مقتضيات الحياة السليمة، فلو أننا حرصنا على تقويم  أوضاعنا الأخلاقية والنهوض بمعارفنا العلمية والتكنولوجية، لتمكنا من تطوير اقتصاداتنا، وتحسين أوضاع مجتمعاتنا، ولكان ذلك حريا أن يكسبنا العزة والمنعة التي تردع الطامعين وتتصدى للمتربصين...




08



أتى هذا المقال من موقع جريدة البصائر
http://www1.albassair.org

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www1.albassair.org/modules.php?name=News&file=article&sid=4828